تفسير ولقَد ءاتَيْنا موسَى تِسْعَ ءاياتٍ بَيّنَات

تفسير ولقَد ءاتَيْنا موسَى تِسْعَ ءاياتٍ بَيّنَات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمَّد أمّا بعدُ فقد قال الله تعالى: ((ولقَد ءاتَيْنا موسَى تِسْعَ ءاياتٍ بَيّنَات)). هذه الآياتُ التّسْعُ البيّناتُ ورَد في كثِيرٍ مِن كتُب الحديث المشهورة تفسيرُها مِن قولِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم، وقَد رَوَينا في جامع الترمذي ومستَدرك الحاكم أن يَهُوديَّين أتَيا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلم فسَألاه عن التّسْع آياتٍ ففَسّر لهما وكانا قبلَ دخُولِهما عليه قالَ أحَدُهما للآخَر اذهَب بنا إلى هذا النّبيّ لنَسألَه عن التّسْع آياتٍ قالَ للآخَر وإنّك إن أسمَعتَه هذا أو أنّه إنْ سمِع مِنكَ هذا تَصِيْرُ لهُ أربَعَةُ أَعْيُن. قالا فإنْ سأَلناه فأجَابَنا عنها فإنّه نبيّ فلمّا سألاه قالَ لهما “هيَ لا تُشْرِكُوا بالله شيئًا ولا تَزنوا ولا تَسرِقوا ولا تَمشُوا ببَريء إلى ذي سُلطانٍ ليَقتُلَه ولا تَسْحَرُوا ولا تَقذِفُوا مُحصَنةً ولا تَأكُلُوا الرِّبا ولا تُولّوا يَومَ الزَحْف وعلَيكُم مَعشَر اليَهودِ خَاصّةً أن لا تَعْدُوا في السَّبْت“. فقالا نَشهَدُ أنّكَ نَبيّ فقَبّلا يدَيْه ورِجْلَيْه ” قال الترمذي حديث حسَن صحيحٌ ورواه الحاكم أيضًا في قريبٍ مِن هذا اللّفظ وصَحّحَه. وإنما سمّى هذه التّسع آياتٍ بيّناتٍ لعُظْم أمْرها وقولُه صلَّى الله عليه وسلم في عَدّ التّسع ولا تَمْشُوا ببريءٍ إلى ذِي سُلطَان ليَقتُلَه هذا نهيٌ عن التَجَسُّس، فهذا ممّا أنزلَه الله في التوراة على موسى أَكَّدَ الله تبارك وتعالى هذه الأمورَ التِّسعَ على بَني إسرائيلَ حَرّم عليهم تحريمًا مؤكّدًا أنْ يمشُوا ببَريء إلى ذي سُلطانٍ ليَقتُلَه وكذلك ما دُونَ القَتل منَ الضّرَر والأذَى، لا يجوزُ لإنسانٍ أن يتَجسّسَ على المسلمين ليَذهب بالبُرءاء إلى أهلِ السُّلطَة والقُوّة.

وممّا رَوينا في مستدرك الحاكم أنّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلم قال ” مَن أَكَلَ بِمُسْلِمٍ أُكْلَةً أطعَمَهُ اللهُ بها أُكْلَةً منَ النّار يومَ القيامة ومَن قامَ بمُسلٍم مَقام رِيَاءٍ وسُمْعَة أقامَه اللهُ تَعالى يومَ القيامةِ مَقامَ رِيَاءٍ وسُمعَةٍ ومَن لَبِسَ ثَوبًا بمُسلِمٍ ألبَسَهُ اللهُ تعالى يومَ القيامةِ لِباسًا مِن نَار “. المعنى أنّ الذي يتَجسَّس ظُلمًا فيَأكُل بذلك مالا أي يتّخِذ بهِ طَعامًا أو يلبَس به ثيابًا فإنّهُ يُجازَى يوم القيامة جزاءً وِفَاقًا على ما أكلَه بوسيلَة التّجسُّس منَ المطعُومات، فإنّهُ يُطعِمُه اللهُ يومَ القيامة طَعامًا في جهَنَّم، وطعامُ جَهنّم هو الذي ذكرَه الله في القرآن، تُوجدُ شجَرةٌ اسمها شجرة الزّقّوم رائحتُها كريهةٌ ومَنظَرُها قَبِيحٌ جِدًّا لا تُطاق لكن هم مِن شِدّة اضطِرارهم ومِن شِدّة جُوعِهم وحِرمانِهم كأنهم يأكلونَه بدونِ اختيار، ملائكةُ العَذاب يُطعِمُونَهم مِن هذا، هذا طعامُ أهلِ النّار ولهم هناكَ شرَابان أحَدُهما ماءٌ غَلى إلى منتهى الحرارةِ يُسقَونَ منه ويُسقَون أيْضًا مِن غِسْلِيْن والغِسلينُ هو ما يَسِيلُ مِن جُلُود أهلِ النّار منَ القَذَرَ لأنّه كلّما أنْضَجَ جلُودَهُم النّار يُكسَون جلُودًا غيرَها يُبَدّلهم اللهُ جُلُودًا غيرَها فيها رطُوبَة ثم تحترق هذه وقَد سالَ منها شىءٌ كثيرٌ منَ المستَقذَر فهذا الذي يَسِيلُ مِن جلُودِهم جعلَه اللهُ شرابَ أهلِ النّار، الله تعالى قال ((ليْسَ لهُم طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيْع لاَ يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوْع)). فالسِّعَايَة بالمسلم أي رَفْع خبَرِه إلى محلِّ ذِي سُلطةٍ للإضرار به لإيقاعِ الضّرَر به مِنَ القَتل فما دُونَه ذَنبٌ عظيمٌ عندَ الله.

لأنّ في التّوراةِ ما أخبرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم تفسيرًا لقول الله تعالى في القرآن إخبارًا عمّا أنزلَه الله تعالى على موسى “ولا تَمشُوا ببريءٍ إلى ذيْ سُلطانٍ ليَقتُلَه” وكلّ ما ذُكِرَ مَع هذه الجريمة وهي معصيةُ التّجَسّس إضرارُ المسلم بالتّجَسّس ذنبٌ عظيم، أمّا ما ذكرَه رسولُ الله في حديث الحاكم ” ومَن قام بمسلم مَقام رياءٍ وسُمعَة أقامَه اللهُ تعالى يوم القيامَة مَقام رياءٍ وسُمعَة ” فتفسيرُ هذا أنّ الذي يرتَكبُ هذه المعصيةَ وهيَ أن يقصدَ الإنسانُ رفعَ شَأن نفسِه عندَ النّاس وتهشيمَ شَخصٍ آخَرَ ظُلمًا ليُقالَ عنه أي عن هذا الذي يرتكبُ إيذاءَ المسلم إمّا في وجْهه وإمّا في خَلفه،ليقال عنه ما فيه تعظيم له، ليُفَخِّم نفسَه ليُنظَر إليه بعَين الإجلال وليُحمَد فيُهَشَّم الآخَر هذا معنى الحديث ” ومَن قام بمُسلِم مَقَام رياءٍ وسُمعَةٍ أقامَه اللهُ تعالى يومَ القيامةِ مَقَام رِياءٍ وسُمعَة ” معناه يومَ القيامة يفضَحُه يَكشِفُ الله تعالى حالَ ذلكَ الإِنسان الذي قامَ في الدّنيا فتَكلّم ليُفَخّم نفسَه ليَمدحَه النّاس وليَنظُروا إليهِ بعَين الإجلال فهَشّم ذلكَ المسلم لأجل ذلك. فهذا الذي تكَلّم على مسلم بما يُظهِر به لنَفسِه النّـزاهَة وعلُوّ المقام والرِّفْعة أي رفعة القَدْر في تهشيم ذلكَ الإِنسان يفضَحُه الله بينَ النَّاس يقال عنهُ يوم القيامة إنّ فلانًا قامَ يوم كذا مَقام كذا فتكلَّم عن نفسه بما فيه رفعُ شأنِه وما فيه تهشيمُ فلانٍ، فالفَضيحَةُ في ذلك اليوم تكونُ شَديدةً على النّفس في ذلكَ المَلإ العظيم في ذلك الجَمْع العظيم، أمّا هنا الفَضيحَة تكون أمامَ واحِد أو اثنَين أو عشَرة أو عِشرين أو نحو ذلكَ لا تُوازي تلكَ الفضيحةَ التي تكونُ في الآخرة يومَ يَجمَعُ اللهُ الأوّلِينَ والآخِرين.

وفي هذا الحديث أنّ هذَين اليَهوديّين لمّا أخبرَهما رسولُ الله بتلك الآياتِ التّسْع وهم يَعلَمُون أن محمَّدًا أُمِّيٌّ لم يقرأ إنجيلاً ولا توراةً بل كان لا يقرأ مكتوبًا لأنّه لم يتعَلّم الخطّ، ما دخَل مدرسةً ابتدائيّة يتعلّم فيها الخطّ ولا درَس على شخصٍ يُعلّمه الخطّ، معروفٌ ذلكَ بينَ أهلِ بلدِه، بينَ أهلِ مكةَ وأهلِ الكتاب الذين كانوا بالمدينةِ تواتَر عندَهم أن محمَّدًا أُمِّيٌّ لسانُه أُمّي ليسَ إنسانًا يكتُب فيَقرأ المكتوبَ هذا شىءٌ مفروغ مِن صحّته عندَ العرَب وعند اليهود، معلومٌ ذلكَ في مكّةَ والمدينة كان ذلكَ معلومًا، لذلك قالا إنْ سألناهُ فأجابَنا فإنّهُ نَبيّ فلمّا سألاه فأجَابهما على ما هو مذكورٌ في كتابهم التّوراة قالا نَشهَد أنّك نبيّ فقَبّلا يدَيه ورجلَيه، فقال لهما “ما يمنَعُكما أن تُسلِما” قالا إنّ نبيّ الله داود دعَا اللهَ تعالى أن لا تَخرُجَ النّبوّةُ مِن ذُرّيته فنحنُ نخَاف إن آمنّا بك أن تقتلَنا اليهود.عَلَّلاَ تركَ الإيمان بمحمَّدٍ بأمرَين أحَدُهما افتراءٌ وهو أنّ داودَ قال إنّ النبوّةَ لا تَخرُج مِن ذُرّيتِه، هذا الكلام داودُ لم يقلْه، داودُ لم يقلْ إنّ النّبوّة لا تخرج مِن ذُرّيته ولا طلَب منَ الله تعالى ذلك، إنما افترَيا هذا افتراءً، والأمرُ الثاني دَعواهما أنّهُما إن اتّبعَا محمَّدًا تقتُلُهما اليهود.

وقد ذكر الفقهاءُ أنّ مِن جملة كبائرِ الذّنوب السّعاية بمسلِم أي أنّ مِن جملة كبائر الذنوب السِّعاية بمسلم، لا فيمن كان مفسِدًا لا يَهدأ مِن إفساده ولا يَترك ضرره للناس فهذا إذا أُصدِر بأمره إلى أهلِ السُّلطَة لِيَكْفُوا النَّاس شرّه فإنّ ذلكَ جائزٌ. الرّجُل الذي إذا نصحتَه لا ينتَصح بينَك وبينه، كُفّ أذاكَ عن النَّاس لا تَظلِم النَّاس، لا يَقبل. أمّا الذي يَشِي بمسلم ليتَوصّل بذلك إلى مَقام الدّنيا الفَاني أي ليُشبِع بطنَه ويتمتّع فإن ذلك ويل لهُ عندَ الله يومَ القيامة. وفي هذا الحديث الصحيح أن النبيّ صلَّى الله عليه وسلم أَقَرَّ اليهوديين على تقبيلِهما يدَيه ورِجلَيه وجَوازُ هذا بل مشروعيّتُه أمرٌ مَعلومٌ بينَ المسلمينَ سلَفِهم وخلَفِهم، إذ مَن لا يُعْبَأُ به إذا أنكَر فإنّ إنكارَه لا عِبرَة به، مَن أنكر جوازَ تَقبِيل أيدي أهلِ الفَضل في الدِّين فهو مَردُودٌ وليسَ معَه حُجّة في شرع الله، وما يُروى أنّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلم أخَذَ بيَدِه رجُلٌ ليُقَبّلَها فاجْتَذَبها رسولُ الله فإنّه لا أصْلَ لهُ عندَ أهلِ الحديث وإنما الشّىءُ الذي هو ثابتٌ في شَرع الله جَوازُه بل استِحبابُه أن تَقبيلَ أهلِ الفَضلِ لا بأسَ به، إنما المنكَرُ تَقبِيلُ أيدِي الأغنياء مِن أجلِ غِناهُم هذا أمرٌ مُستَقبَحٌ شرعًا لأنّه لم يَرد عن أصحابِ رسولِ الله أنّ أحَدًا فعَل ذلك لا عن لسانِ عليّ ولا عن التّابعِين فذلكَ المذموم لأنّ ذلكَ دليل محبَّة الدّنيا والشَّرَهِ في تحصيلِها.

والحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صله