إثبات أنّ أهل الكبائر من المسلمين لا يخلّدون في النّار

إثبات أنّ أهل الكبائر من المسلمين لا يخلّدون في النّار

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلَّى الله على رسول الله وسلَّم وعلى ءاله وأصحابه الطيبين وبعد.

المسلمون العصاة من أهل الكبائر الذين يموتون قبل التوبة صنفان :

1- صنف يعفيهم الله من العذاب ويدخلهم الجنة بفضله ورحمته مع أنهم كانوا يستحقون العقوبة في النار على ما اقترفوا.

2- وصنف يعذبهم في النار ثم يخرجهم منها ويدخلهم الجنة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” يَخرُجُ مِنَ النَّارِ منْ قالَ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وفي قَلبِهِ وزْنُ ذَرّةٍ مِنْ إيمانٍ ” رواه البخاري.

إذن مصير كل من آمن بالله ورسوله الدخول إلى الجنة إما بدون عذاب وإما بعد عذاب. والمسلم العاصي الذي شاء الله أن يعذبه في النار على معاصيه لا يخلّد في النار خلودا أبديا.

إنما الكافر هو الذي يخلد خلودا أبديا في النار جزاء له على كفره الذي هو أكبر المعاصي وأشدها وأخطرها.

أما قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ﴾ [سورة النساء ءاية ٩٣]، فمعناه أنّ الذي يقتل المؤمن لإيمانه أي يقتله لأنّه مؤمن فهو كافر وجزاؤه جهنم خالدا فيها، كما قال الإمام الغزالي وغيره من المفسرين.

أما من يقتل نفسا بغير حق أو يقتل نفسه فلا يكون كافرا مخلدا في النار بل هو مسلم مذنب من أهل الكبائر.

يقول الإمام النسفي (ت 710 هـ) في تفسيره  مدارك التنزيل وحقائق التأويل: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً ﴾ حال من ضمير القاتل أي قاصداً قتله لإيمانه وهو كفر أو قتله مستحلاً لقتله وهو كفر أيضاً ﴿ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَـٰلِداً فِيهَا ﴾ أي إن جازاه. قال عليه السلام ” هي جزاؤه إن جازاه ” والخلود قد يراد به طول المقام. وقول المعتزلة بالخروج من الإيمان يخالف قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾ [البقرة: 178].

أخي المسلم، ما أجمل العيش في رحاب الإيمان. وما أجمل أن يكون المرء بين الخوف والرجاء: الخوف من عذاب الله ورجاء رحمة الله. وتذكر أنّك إن استرسلت في المعاصي ثم مت قبل التوبة لا تدري إن كنت ستكون ممن يغفر الله لهم ويعفو عنهم. فسارع إلى التوبة قبل الفوات.

قال الإمام أبو جعفر الطّحاوي (٣٢١ هـ) رضي الله عنه في عقيدته المعروفة بين علماء أهلِ السنّة قديما وحديثا منذُ ألف ومائة سنة، كتاب العقيدة الطحاوية معروفٌ بين علماءِ الإسلام، يقول : ” ولا نُكفّر أحَدًا مِن أهلِ القِبلة بذَنبٍ ما لم يستَحِلَّه “ يقول لمجرّد أنّ مسلمًا أَذنَب ذنبًا كبيرًا أو صغيرًا لا نكفّره بل نقولُ مؤمِن مسلم، ما لم يَستحلّه أي ما لم يعتَقد أن ذلكَ الذّنب حلال، أمّا إذا اعتقد أن ذلك الذنبَ حلال فنكفّره لأنّه كذّب اللهَ ورسولَه باستِحلاله، أمّا بفعلِه لا يكون تكذيبًا لله ورسوله إنما يكون عصيان، نقولُ عصى الله ورسولَه لا نقولُ كذّبَ اللهَ ورسولَه.

من عقيدة أهل السنة أن لا يكفروا أهل الكبائر من المسلمين ما لم يستحلوها، وما لم يدل الدليل الشرعي على أن هذا العمل كفر, قال الإمام أبوجعفر الطحاوي السلفي رحمه الله ((ولانكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)) ومعنى ذلك أن مرتكب الكبيرة كشارب الخمر أو نحوه لايحكم عليه بالكفر لمعصيته بل هو مسلم عاصي فاسق إلا أن يعتقد أو يقول باستحلال هذه المعصية لأنه يكون عاند الشرع وخالف النصوص ومخالفة النصوص كفرُ.

لا ينخلع الإيمان عن الإنسان إلا إذا وقع في نوع من أنواع الكفر الثلاثة: الكفر القولي أو الكفر الاعتقادي أو الكفر الفعلي.

وقال تاج الدين السبكي في طبقاته ما نصه : ولا خلاف عند الأشعري وأصحابه بل وسائر المسلمين أن من تلفظ بالكفر أو فعل أفعال الكفر أنه كافر بالله العظيم مخلد في النار وإن عرف بقلبه فلا يزول اسم الإيمان والإسلام بشرب الخمر أو الزنا أو الظلم أو السرقة أو شهادة الزور إلا إذا استحلها فإنه يصير كافرًا. قال الإمام الطحاوي في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة : “ولا نكفّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلَّه” اهـ أي لا يكفَّر المسلم بارتكاب المعاصي والذنوب والكبائر مهما كثرت طالما يعتقد حرمتها، إنما يعتبر مسلمًا عاصيًا ونسمّيه فاسقًا. فمن ترك الصلاة والصيام والزكاة مع اعتقاده فرضيتها هذا مؤمن ناقص الإيمان، قال النووي في شرح مسلم باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ما نصه: في باب قوله صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. قال النووي : القول الصحيح الذي قاله المحققون أنَّ معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان.

وهذا من الألفاظ التي تدل على نفي الشىء ويراد نفي كماله ومختاره كما يقال : لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة.

وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره : “من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق” رواه مسلم.

وفي حديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا إلى ءاخره ثم قال لهم صلى الله عليه وسلم: فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئًا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته ومن فعل ولم يُعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذّبه.

فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله عز وجل مع إجماع أهل الحق ان شارب الخمر والسارق والزاني لا يكفَّرون.

قال النّووي في شرح صحيح مسلم : وَأَمَّا قَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : ( فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ) فَفِيهِ : دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ غَيْرَ مُشْرِكٍ بِاللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُخَلَّدْ فِي النَّارِ وَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ دَلَائِلُهُ وَبَيَانُهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.

صحيح مسلم بشرح النووي – كِتَاب الْإِيمَانِ – إثبات الشفاعة (بَابُ إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ وَإِخْرَاجِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ)

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ – رَحِمَهُ اللَّهُ – : مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ عَقْلًا وَوُجُوبُهَا سَمْعًا بِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعَالَى : يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا وَقَوْلِهِ : وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَأَمْثَالِهِمَا ، وَبِخَبَرِ الصَّادِقِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ، وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ الَّتِي بَلَغَتْ بِمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُرَ بِصِحَّةِ الشَّفَاعَةِ فِي الْآخِرَةِ لِمُذْنِبِي الْمُؤْمِنِينَ .

وَأَجْمَعَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَيْهَا ، وَمَنَعَتِ الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهَا ، وَتَعَلَّقُوا بِمَذَاهِبِهِمْ فِي تَخْلِيدِ الْمُذْنِبِينَ فِي النَّارِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ وَهَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْكُفَّارِ .

وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ بِكَوْنِهَا فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فَبَاطِلٌ ، وَأَلْفَاظُ الْأَحَادِيثِ فِي الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ صَرِيحَةٌ فِي بُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ وَإِخْرَاجِ مَنِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ.

قال النسفي (ت 710 هـ) في تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل عند تفسير سورة النّساء آية 12 ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا ﴾: ولا تعلق للمعتزلة بالآية فإنها في حق الكفار إذ الكافر هو الذي تعدى الحدود كلها، وأما المؤمن العاصي فهو مطيع بالإيمان غير متعدٍ حد التوحيد ولهذا فسر الضحاك المعصية هنا بالشرك. وقال الكلبي: ومن يعص الله ورسوله بكفره بقسمة المواريث ويتعد حدوده استحلالاً.

الحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صله