تفسير وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى

تفسير وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين

قوله تعالى ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾[سورة الضحى آية 7] أي لم تكن تدري القرآن والشّرائع فهداك الله أي أرشدك إلى معرفة  القرآن وشرائع الإسلام قال تعالى: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِ‌ي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ﴾[سورة الشورى آية 25]، معناه ما كنت تعلم القرءان ولاتفاصيل الإيمان، فالرّسول قبل نزول الوحي كان مؤمنا بربِّه معتقدا توحيده بما ألهمه الله تعالى.

– قال المُفسّر أبو حيّان الأندلسي (المتوفى: 754 هـ) في تفسيره البحر المحيط:

﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا ﴾: لا يمكن حمله على الضلال الذي يقابله الهدى، لأن الأنبياء معصومون من ذلك. قال ابن عباس: هو ضلاله وهو في صغره في شعاب مكة، ثم رده الله إلى جده عبد المطلب. وقيل: ضلاله من حليمة مرضعته. وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب، ولبعض المفسرين أقوال فيها بعض ما لا يجوز نسبته إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولقد رأيت في النوم أني أفكر في هذه الجملة فأقول على الفور: ﴿ وَوَجَدَكَ ﴾ ، أي وجد رهطك، ﴿ ضَالًّا ﴾، فهداه بك. ثم أقول: على حذف مضاف، نحو: ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْ‌يَةَ ﴾ [يوسف: 82].

– قال المُفسّر أبو البركات عبد الله بن أحمد النسفي (المتوفى: 710هـ) في تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل :

﴿ وَوَجَدَكَ ضَالاًّ ﴾ أي غير عالم ولا واقف على معالم النبوة وأحكام الشريعة وما طريقة السمع ﴿ فَهَدَىٰ ﴾ فعرفك الشرائع والقرآن. وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب فرده إلى القافلة. ولا يجوز أن يفهم به عدول عن حق ووقوع في غي فقد كان عليه الصلاة السلام من أول حاله إلى نزول الوحي عليه معصوماً من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق والعصيان.

– قال المُفسّر علاء الدين علي بن محمد، المعروف بالخازن (المتوفى: 741هـ) في تفسيره لباب التأويل في معاني التنزيل:

ولا يلتفت إلى قول من قال إنه صلى الله عليه وسلم كان قبل النّبوة على ملة قومه، فهداه الله إلى الإسلام لأن نبينا صلى الله عليه وسلم، وكذلك الأنبياء قبله منذ ولدوا نشؤوا على التّوحيد، والإيمان قبل النّبوة وبعدها، وأنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بصفات الله تعالى وتوحيده ويدل على ذلك أن قريشاً لما عابوا النبي صلى الله عليه وسلم ورموه بكل عيب سوى الشّرك وأمر الجاهلية فإنهم لم يجدوا لهم عليه سبيلاً إذ لو كان فيه لما سكتوا عنه ولنقل ذلك فبرأه الله تعالى من جميع ما قالوه فيه وعيروه به. ويؤكد هذا ما روي في قصة بحير الرّاهب حين استحلف النبي صلى الله عليه وسلم باللاّت والعزى، وذلك حين سافر مع عمه أبي طالب إلى الشام فرأى بحيرا علامة النّبوة فيه وهو صبي فاختبره بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا تسألني بهما فوالله ما أبغضت شيئاً بغضهما “، ويؤكد هذا شرح صدره صلى الله عليه وسلم في حال الصغر واستخراج العلقة منه وقول جبريل هذا حظ الشيطان منك وملؤه حكمة وإيماناً وقوله تعالى: ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ﴾ [النجم: 2].

– قال المُفسّر محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393هـ) في تفسيره التحرير والتنوير:

وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالضَّلَالِ هُنَا اتِّبَاعَ الْبَاطِلِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ مِنَ الْإِشْرَاكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَائِنَا،

وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُنَا أَنَّ نَبِيَّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يُنَافِي أُصُولَ الدِّينِ قَبْلَ رِسَالَتِهِ وَلَمْ يَزَلْ عُلَمَاؤُنَا يَجْعَلُونَ مَا تَوَاتَرَ مِنْ حَالِ اسْتِقَامَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ عَنِ الرَّذَائِلِ قَبْلَ نُبُوءَتِهِ دَلِيلًا مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى رِسَالَتِهِ، بَلْ قَدْ شَافَهَ الْقُرْآنُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾[يُونُس: 16] وَقَوْلِهِ: ﴿ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾[الْمُؤْمِنُونَ: 69]، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُؤْثَرْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَفْحَمُوا النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَسَاوِي أَعْمَالِهِمْ بِأَنْ يَقُولُوا فَقَدْ كُنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَنَا.

– قال المُفسّر جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفى: 597هـ) في تفسيره زاد المسير في علم التفسير:

قوله تعالى: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾ [سورة الضحى آية 7] فيه ستة أقوال.

أحدها: ضالاً  (أي غافلا) عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، فهداك إليها، قاله الجمهور، منهم الحسن، والضحاك.

والثاني: أنه ضَلَّ وهو صبي صغير في شعاب مكة، فردَّه الله إلى جده عبد المطلب، رواه أبو الضحى عن ابن عباس.

والثالث: أنه لما خرج مع ميسرة غلام خديجة أخذ إبليس بزمام ناقته، فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل، فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى الحبشة، ورده إلى القافلة، فمنَّ الله عليه بذلك، قاله سعيد بن المسيب.

والرابع: أن المعنى: ووجدك في قوم ضُلاَّل، فهداك للتوحيد والنبوة، قاله ابن السائب.

والخامس: ووجدك نِسْيَاً، فهداك إلى الذِّكْر. ومثله: ﴿ أن تَضِلَّ إحداهما فتذكَّر إحداهما الأخرى ﴾ [البقرة: 282]، قاله ثعلب.

والسادس: ووجدك خاملاً لا تُذْكَر ولا تُعْرَف، فهدى الناس إليك حتى عرفوك، قاله عبد العزيز بن يحيى، ومحمد بن علي الترمذي.

والحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صله