خطبة الجمعة عن شَرْح حَدِيثِ ما ءامَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعانَ وجارُهُ إِلى جَنْبِهِ جائِعٌ وهُوَ يَعْلَمُ بِه

خطبة الجمعة عن شَرْح حَدِيثِ ما ءامَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعانَ وجارُهُ إِلى جَنْبِهِ جائِعٌ وهُوَ يَعْلَمُ بِه

بِسمِ اللهِ الرَّحمـنِ الرَّحِيم

 الحَمْدُ للهِ ثُـمَّ الحَمْدُ للهِ، والحَمْدُ للهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، الحَمْدُ للهِ الواحِدِ الأَحَدِ الفَرْدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد. أَحْمَدُهُ وأَسْتَعِينُهُ وأَسْتَهْدِيهِ وأَشْكُرُهُ. لَهُ الـمِنَّةُ ولَهُ الفَضْلُ ولَهُ الثَّناءُ الحَسَن. لَكَ الحَمْدُ رَبَّنا عَلى ما أَنْعَمْتَ عَلَيْنا، الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانا الله.

الحَمْدُ للهِ والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا محمَّدٍ رَسُولِ اللهِ وعَلى ءالِهِ وصَحْبِهِ ومَنْ والاهُ حَمْدًا يُوافي نِعَمَهُ. الصَّلاةُ والسلامُ عَلى مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعالَـمِينَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا وداعِيًا إِلى اللهِ بِإِذْنِهِ سِراجًا وَهّاجًا وقَمَرًا مُنِيرًا.

أَمّا بَعْدُ أَيُّها الأَحِبَّةُ الـمُؤْمِنُونَ، أُوصِي نَفْسِي وإِيّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَظِيم. يَقُولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في القُرْءانِ الكَرِيـمِ ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (۱٦٠) ﴾ سُورَةُ الأعراف .

ويَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ “إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها وأَجَلَها فَأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ خُذُوا ما حَلَّ ودَعُوا ما حَرُمَ” اهـ أَوْ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام. وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ “ما ءامَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعانَ وجارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِهِ وهُوَ يَعْلَمُ بِهِ” اهـ رواه الطبراني في الـمعجم الكبير إِخْوَةَ الإِيـمانِ إِنَّ هَذِهِ الأَيّامَ العَصِيبَةَ الَّتِي تَـمُرُّ عَلى الـمُسْلِمِينَ يَتَمَيَّزُ فِيها الصادِقُ مَعَ اللهِ مِنْ غَيْرِ الصادِقِ وذَوُو التَّضْحِيَاتِ والإِخْلاصِ عَنِ الَّذِينَ يَسْتَغِلُّونَ الفُرَصَ بِأَنانِيّاتِهِمْ ويَتَمَيَّزُ الجَشِعُ عَنِ الَّذِي يُؤْثِرُ عَلى نَفْسِهِ ولَوْ كانَ بِهِ خَصاصَةٌ ويَتَمَيَّزُ ويَبْرُزُ فِيها الَّذِينَ يَهُمُّهُمْ ويَشْغَلُ بالَهُمْ مَشاكِلُ الـمُسْلِمِينَ ومَصالِحُهُم.

وقَوْلُ النَّبِيِّ صَلّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ “إِنَّ جِبْرِيلَ نَفَثَ في رُوعِي” أَيْ في قَلْبِي “أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها وأَجَلَها” وهَذا يَدُلُّ عَلى أَنَّ أَعْمارَنا مَحْدُودَةٌ وءاجالَنا مَحْتُومَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِه، وأَنَّ أَرْزاقَنا مَعْلُومَةٌ وأَنَّ غَيْرَنا لا يَنالُ شَيْئًا مِنْ رِزْقِنا وأَنَّ أَنْفاسَنا مَعْدُودَةٌ فَالإِصابَةُ لا تُعَجِّلُ في الأَجَلِ ودَوامُ الصِّحَّةِ والعافِيَةِ والشَّبابِ والقُوَّةِ لا يُؤَخِّرُ الأَجَلَ بَلْ كُلٌّ يَمُوتُ بِانْقِضاءِ أَجَلِهِ وكُلٌّ يَأْكُلُ رِزْقَهُ الَّذِي كُتِبَ لَهُ ولا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُؤَخِّرَ عَزْرائِيلَ ولا أَنْ يُعَجِّلَهُ. لِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُعَلِّمُنا القَناعَةَ بِقَوْلِهِ “خُذُوا ما حَلَّ ودَعُوا ما حَرُمَ“. وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ “يا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ إِنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ النارُ أَوْلَى بِهِ” اهـ رواه الحاكم في الـمستدرك فَالإِنْسانُ بِحَاجَةٍ إِلى اللهِ وَقْتَ الضَّرَّاءِ كَما هُوَ بِحاجَةٍ إِلَيْهِ وَقْتَ السَّرَّاءِ. الإِنْسانُ بِحاجَةٍ إِلى اللهِ وَقْتَ البَأْساءِ كَما هُوَ بِحاجَةٍ إِلَيْهِ وَقْتَ السَّرَّاءِ، لا أَحَدَ يَسْتَغْنِي عَنِ اللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَإِذا ما نَزَلَتْ بِغَيْرِكَ مُصِيبَةٌ أَوْ حَلَّتْ بِمَدِينَةِ غَيْرِكَ بَلِيَّةٌ فَلا تَكُنْ جَشِعًا وإِنَّـما كُنْ لَطِيفًا حَلِيمًا مِعْطاءً مُتَصَدِّقًا واسِعَ القَلْبِ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ “ما ءامَنَ بِي مَنْ باتَ شَبْعانَ وجارُهُ جائِعٌ إِلى جَنْبِهِ وهُوَ يَعْلَمُ بِهِ” اهـ أَيْ لا يَكُونُ إِيـمانُهُ كامِلاً مَنْ يَبِيتُ شَبْعانَ وجارُهُ مِنْ أَهْلِ الضَّرُوراتِ، جارُهُ الـمُؤْمِنُ مِنْ أَهْلِ الضَّرُوراتِ وهُوَ عالِمٌ بِحالِهِ فَكَيْفَ بِـمَنْ لا يَرْأَفُ بِهِ بَلْ يُثْقِلُ عَلَيْه. فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَرْأَفُوا بِإِخْوَتِكُمُ الـمُسْلِمِينَ إِذا ما مَرَّتْ عَلَيْهِمْ غُيُومٌ سَوْداءُ مُتَلَبِّدَةٌ بِفَتْحِ صُدُورِكُمْ وبُيُوتِكُمْ لَهُمْ وإِعانِتِهِمْ بِكُلِّ مُمْكِنٍ ومُسْتَطاعٍ فَإِنَّ البَأْساءَ والضَّرَّاءَ والكَرْبَ والشِّدَّةَ تَنْتَقِلُ كَحَجَرِ الشَّطْرَنْجِ مِنْ مُرَبَّعٍ إِلى ءاخَرَ فَلْيَتَعَلَّمْ كُلٌّ مِنّا مِنْ حَوادِثِ الـماضِي ودُرُوسِ الـماضِي فَالـمُؤْمِنُونَ كَالجَسَدِ الواحِدِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلا يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَغِلَّ ظُرُوفَ إِخْوانِكَ الـمُؤْمِنِينَ ولا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يُثْقِلُ عَلَيْهِمْ وقَدْ أَثْقَلَتْهُمْ ظُرُوفُ الحَرْبِ القاسِيَة. فَٱدْعُوا إِخْوانَكُمُ الَّذِينَ تَعْرِفُونَ فِيهِمُ السَّعَةَ في الـمالِ إِلى الرَّأْفَةِ بِأَهْلِ الفَقْرِ والحاجَةِ والبَأْساءِ والضَّرَّاءِ فَإِنَّ تَرْكَ سَدِّ الضَّرُوراتِ لِـمَنْ قَدَرَ عَلى سَدِّها مُنْكَرٌ يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ وإِنَّ البَلاءَ إِذا اشْتَدَّ قَدْ يُصِيبُ الصالِحَ والطّالِحَ ولَكِنَّ الصالِحَ يُحْشَرُ عَلى نِيَّتِهِ وقَدْ وَرَدَ في الأَثَرِ “إِنَّ الناسَ إِذا رَأَوُا الـمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقابٍ” اهـ رواه ابن حبان في صحيحه فَمَنِ ابْتُلِيَ مِنّا بِـمُصِيبَةٍ فَلْيَحْمَدِ اللهَ فَإِنَّ الـمُؤْمِنَ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ فَشَكَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ وإِنْ أَصابَهُ شَرٌّ فَصَبَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لي ولَكُم.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنا محمَّدٍ الأَمِينِ وعلى ءالِهِ وصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطاهِرِين. وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا محمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ فَصَلَّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا محمَّدٍ وعَلى كُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَه.

أَمّا بَعْدُ، فَٱتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ في السِّرِّ والعَلَنِ، يَقُولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى فِي القُرْءانِ العَظِيمِ ﴿يَا أَيُّها النَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ سورَةُ الحَجّ.

وَٱعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظيمٍ، أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلى نِبِيِّهِ الكريمِ فَقالَ ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ على النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ سورَةُ الأَحْزاب. اللَّهُمَّ صَلِّ على سَيِّدِنا محمدٍ وعلى ءالِ سَيِّدِنا محمدٍ كَمَا صَلَّيْتَ على سَيِّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سَيِّدِنا إِبراهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد. اللَّهُمَّ بارِكْ على سَيِّدِنا محمدٍ وعلى ءالِ سَيِّدِنا محمدٍ كَمَا بارَكْتَ على سَيِّدِنا إِبراهِيمَ وعلى ءالِ سَيِّدِنا إبراهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. اَللَّهُمَّ يا رَبَّنا إِنَّا دَعَوْناكَ فَٱسْتَجِبْ لَنَا دُعاءَنَا فَٱغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنا ذُنُوبَنَا وَإِسْرافَنا في أَمْرِنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا وأَنْتَ راضٍ عَنّا يا أَرْحَمَ الراحِمِين. اللَّهُمَّ انْصُرْنا عَلى القَوْمِ الظالِمِينَ. اللَّهُمَّ اخْزِهِمْ وَٱخْذُلْهُمْ بِقُدْرَتِكَ يا رَبَّ العالَمِينَ. اللَّهُمَّ اكْفِناهُمْ بِـما شِئْتَ فَإِنَّكَ عَلَيْهِمْ قادِرٌ يا أَرْحَمَ الراحِمِين. اللَّهُمَّ عَلِّمْنا ما جَهِلْنا وذَكِّرْنا ما نَسِينا وٱجْعَلِ القُرْءانَ رَبِيعَ قُلُوبِنا ونُورًا لِأَبْصارِنا وجَوارِحِنا وتَوَفَّنا على هَدْيِهِ وأَكْرِمْنا بِحِفْظِهِ وٱحْفَظْنا بِبَرَكَتِهِ وبَرَكَةِ نَبِيِّكَ محمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وٱرْزُقْنا شَفاعَتَهُ يا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ وٱغْفِرِ اللَّهُمَّ لِلْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ الأَحْياءِ مِنْهُمْ وَالأَمْواتِ إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَواتِ. عِبادَ اللهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. أُذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ وَٱسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ وَٱتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنَ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا.

وَأَقِمِ الصَّلاةَ.

 

مقالات ذات صله