خطبة الجمعة عن أَهْوال يَوْمِ القِيامَة

خطبة الجمعة عن أَهْوال يَوْمِ القِيامَة

بِسمِ اللهِ الرَّحمـنِ الرَّحِيم

الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ

إِنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَهْدِيهِ ونَشْكُرُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيْه، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا ومِنْ سَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَن يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ ولا مَثِيلَ ولا شَبِيهَ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ ولا جِسْمَ ولا أَعْضاءَ ولا هَيْئَةَ ولا صُورَةَ ولا مَكانَ لَهُ، جَلَّ رَبِّي هُوَ الواحِدُ الأَحَدُ الفَرْدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا وحَبِيبَنا وعَظِيمَنا وقائِدَنا وقُرَّةَ أَعْيُنِنا محمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وصَفِيُّهُ وحَبِيبُهُ، بَلَّغَ الرِّسالَةَ وأَدَّى الأَمانَةَ ونَصَحَ الأُمَّةَ، فَجَزاهُ اللهُ عَنّا خَيْرَ ما جَزَى نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيائِه، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ وأَنْعِمْ عَلى سَيِّدِنا محمَّدٍ الْمُعَلِّم، وعَلى ءالِهِ وأَصْحابِهِ الطاهِرِينَ ومَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسانٍ إِلى يَوْمِ الدِّين.

أَمّا بَعْدُ عِبادَ اللهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله، اتَّقُوا اللهَ وَٱسْتَقِيمُوا عَلى هُداهُ فَقَدْ قالَ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ إِنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ هُوَ يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي تُوَفَّى فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ في الدُّنْيا، ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي جاءَ فِيهِ أَنَّ مِقْدارَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ وٱعْلَمُوا أَنَّهُ وَرَدَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ الـمَشْهُورِ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ إِلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِيُعَلِّمَ النّاسَ أُمُورَ دِينِهِمْ فَسَأَلَهُ أَمامَ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ عَنِ الإِيمانِ فَقالَ الإِيمانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ اهـ

فَٱعْلَمُوا أَحِبَّتِي أَنَّهُ يَجِبُ الإِيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ أَيْ بِيَوْمِ القِيامَةِ فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ دائِرَةِ الإِسْلام. واللهُ تَعالى أَخْبَرَنا في كِتابِهِ العَزِيزِ عَمّا يَحْصُلُ مِنْ أَهْوالٍ في هَذا اليَوْمِ العَظِيمِ فَٱسْتَمِعُوا مُتَدَبِّرِينَ مُتَنَبِّهِينَ وتَذَكَّرُوا أَنَّكُمْ سَتَشْهَدُونَ هَذا اليَوْمَ فَٱعْمَلُوا الخَيْرَ بِإِخْلاصٍ لِتُنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الخَطَرِ العَظِيم، لِتَكُونُوا سالِمِينَ غانِمِينَ ءامِنِينَ مُطْمَئِنِّين. قالَ تَعالى في سُورَةِ الجُمُعَةِ ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عالَمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

فَاللهُ تَعالى خَلَقَكُمْ وهُوَ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ ويُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قالَ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وأَنَّهُ يُحْىِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَن فِي القُبُورِ (٧)﴾سورة الحج

أَحِبَّتِي إِنَّ مَواقِفَ القِيامَةِ خَمْسُونَ مَوْقِفًا وكُلُّ مَوْقِفٍ مِقْدارُهُ أَلْفُ سَنَةٍ مِنْ سَنَواتِ الدُّنْيا قالَ تَعالى ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾سورة المعارج لَكِنَّها تَكُونُ عَلَى التَّقِيِّ أَقَلَّ مِنْ مِقْدارِ الصَّلاةِ الـمَكْتُوبَةِ قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَقِيلَ لَهُ ما أَطْوَلَ هَذا اليَوْمَ فَقالَ عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ – أَيِ الكامِلِ – حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا اهـ رَواهُ ابْنُ حِبّان. فَمَنْ صَبَرَ في الدُّنْيا عَلَى أَداءِ الواجِباتِ وٱجْتِنابِ الْمُحَرَّماتِ يُخَفَّفُ عَنْهُ في ذَلِكَ اليَوْم، فَٱحْرِصْ عَلى أَنْ تَكُونَ مِنَ الكُمَّلِ الَّذِينَ طَلَّقُوا الدُّنْيا وٱتَّخَذُوا صالِحَ الأَعْمالِ لِلْعُبُورِ ولِوِقايَةِ النَّفْسِ مِنْ أَهْوالِ ذَلِكَ اليَوْم. فَسارِعُوا لِلْخَيْراتِ في هَذِهِ الأَيّامِ القِصارِ لِتِلْكَ الأَيّامِ الطِّوالِ لِتَفُوزُوا بِالْمَقاماتِ العالِياتِ، فَإِنَّ مَشَقَّةَ الصَّبْرِ عَلى الْمَعاصِي في الدُّنْيا في مُقابَلَةِ ما يَتَجَنَّبُهُ الإِنْسانُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنْ عَذابِ يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ كَلاَ شَىْءٍ، كَلا مَشَقَّةٍ لِكَوْنِ الفَوْزِ الَّذِي يَلْقاهُ الإِنْسانُ في الآخِرَةِ بِصَبْرِهِ عَنِ الـمَعاصِي في الدُّنْيا كَبِيرًا جِدًّا، لِكَوْنِهِ يَفُوزُ بِجَنَّةٍ فِيها ما لا عَيْنٌ رَأَتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَر.

فَالبَعْثُ هُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنَ القُبُورِ بَعْدَ إِعادَةِ الجَسَدِ الَّذِي أَكَلَهُ التُّرابُ إِنْ كانَ مِنَ الأَجْسادِ الَّتِي يَأْكُلُها التُّرابُ وهِيَ أَجْسادُ غَيْرِ الأَنْبِياءِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ “إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ” رواه ابن ماجه وغيرهوكَذَلِكَ شُهَداءُ الْمَعْرَكَةِ الَّذِينَ ماتُوا في قِتالِ الكُفّارِ وبَعْضُ الأَوْلِياءِ لا تَأْكُلُ الأَرْضُ أَجْسادَهُمْ لِما تَواتَرَ مِنْ مُشاهَدَةِ ذَلِك.

ثُمَّ يُجْمَعُ النّاسُ إِلى أَرْضِ الـمَحْشَرِ فَيُحْشَرُونَ قالَ اللهُ تَعالى ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾سورة الكهف أَيْ جَمَعْناهُمْ إِلى الـمَوْقِفِ فَلَمْ نَتْرُكْ مِنْهُمْ أَحَدًا ويَكُونُ حَشْرُ النّاسِ عَلى ثَلاثَةِ أَقْسامٍ قِسْمٌ كاسُونَ راكِبُونَ عَلى نُوقٍ رَحائِلُها مِنْ ذَهَبٍ طاعِمُونَ شارِبُونَ وهُمُ الأَتْقِياءُ وقِسْمٌ حُفاةٌ عُراةٌ وهُمُ العُصاةُ وقِسْمٌ يُحْشَرُونَ حُفاةً عُراةً عَلى وُجُوهِهِمْ وهُمُ الكُفّارُ فَفِي سُنَنِ النَّسائِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قالَ إِنَّ الصّادِقَ الـمَصْدُوقَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ حَدَّثَنِي أَنَّ النّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلاثَةَ أَفْواجٍ فَوْجٌ راكِبِينَ طاعِمِينَ كاسِينَ وَفَوْجٌ تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ عَلى وُجُوهِهِمْ وتَحْشُرُهُمُ النّارُ وَفَوْجٌ يَمْشُونَ ويَسْعَوْنَ اهـ وفِيها أَيْضًا عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ يُبْعَثُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلاً فَقالَتْ عائِشَةُ فَكَيْفَ بِالعَوْراتِ قالَ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾سورة عبس اهـ وقَدْ صَحَّ أَنَّ الشامَ هِيَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ فَيَخْرُجُ النّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ ويُوَجَّهُونَ إِلى أَرْضِ الشامِ ثُمَّ يُنْقَلُونَ عِنْدَ دَكِّ الجِبالِ إِلى ظُلْمَةٍ عِنْدَ الصِّراطِ ثُمَّ يُرَدُّونَ بَعْدَ تَبْدِيلِ صِفاتِ الأَرْضِ إِلَيْها وهِيَ الأَرْضُ الْمُبَدَّلَةُ وصِفَتُها أَنَّها بَيْضَاءُ كَالفِضَّةِ لَيْسَ عَلَيْها شَجَرٌ ولا وَهْدَةٌ ولا جَبَلٌ وعَلَيْها يَكُونُ الحِسابُ فَتُعْرَضُ الأَعْمالُ عَلى العِبادِ كُلُّ واحِدٍ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ما عَمِلَ في الدُّنْيا.

ثُمَّ تُوزَنُ أَعْمالُ العِباد، قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ﴿وَالوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ(٩)﴾سورة الأعراف والْمِيزانُ الَّذِي تُوزَنُ عَلَيْهِ الأَعْمالُ ذَلِكَ اليَوْمَ شَبِيهٌ بِمِيزانِ الدُّنْيا فَلَهُ قَصَبَةٌ وكَفَّتانِ لَكِنَّهُ عَظِيمُ الجِرْمِ كَبِيرُ الحَجْمِ فَتُوضَعُ صَحائِفُ الحَسَناتِ في كَفَّةٍ وصَحائِفُ السَّيِّئاتِ في كَفَّةٍ ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ(٦)﴾سورة القارعة أَيْ رَجَحَتْ صَحائِفُ حَسَناتِهِ عَلى صَحائِفِ سَيِّئاتِهِ ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ(٧)﴾سورة القارعة فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الَّذِينَ ظَفِرُوا ورَبِحُوا فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِلا عَذابٍ حَيْثُ العَيْشُ الهَنِيءُ الـمُرْضِي ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ(٨)﴾سورة القارعة أَيْ رَجَحَتْ صَحائَفُ سَيِّئاتِهِ عَلَى صَحائِفِ حَسَناتِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ بِالْمَرَّةِ وهُوَ الكافِرُ ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ(٩)﴾سورة القارعة أَيْ فَمَصِيرُهُ إِلى جَهَنَّمَ وسُمِّيَتْ هاوِيَةً لأَنَّهُ يُهْوَى فِيها مَعَ بُعْدِ قَعْرِها فَأَمّا الكافِرُ فَيَصِلُ إِلى القَعْرِ وأَمّا الـمُسْلِمُ الَّذِي يُعَذَّبُ فِيها فَلا يَصِلُ إِلَيْهِ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ(٧)﴾سورة القارعة تَعْظِيمٌ لِشِدَّتِها فَقَدْ وَرَدَ في الحَدِيثِ أَنَّهُ أُوقِدَ عَلَيْها أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْها أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْها أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ(.١)﴾سورة القارعة أَيْ حَرُّها شَدِيدٌ. فَقَدْ رَوَى البُخارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كانَتْ لَكَافِيَةً قالَ فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا اهـ

ثُمَّ يَجُزَوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى حَسَناتِهِمْ وعَلى سَيِّئاتِهِم، كُلٌّ عَلَى حَسَبِ ما عَمِلَ فَالْمُؤْمِنُ الَّذِي وُزِنَتْ أَعْمالُهُ فَرَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلَى حَسَناتِهِ في خَطَرٍ شَدِيد، هُوَ تَحْتَ الـمَشِيئَةِ إِنْ شاءَ اللهُ عَذَّبَهُ في النّارِ عَذابًا أَلِيمًا وإِنْ شاءَ عَفا عَنْهُ وأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ لَكِنَّهُ إِذا دَخَلَ النّارَ بِمَعاصِيهِ فَلا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْها بَعْدَ مُدَّةٍ بِسَبَبِ إِيمانِهِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَنْ قالَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٌ مِنْ إِيمانٍ اهـ رَواهُ البُخارِيّ.

وٱعْلَمُوا أَنَّ أَعْمالَنا تَجْرِي بِنا فَتُوضَعُ عَلَى الْمِيزانِ وكُلُّ واحِدٍ مِنّا يَنْظُرُ ويَنْتَظِرُ حُكْمَ اللهِ فِيه، فَٱتَّقُوا هَذا اليَوْم، اليَوْمَ العَظِيمَ الَّذِي تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ يَفِرُّ الـمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وأُمِّهِ وأَبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ اتَّقُوا هَذا اليَوْم. وتَقْوَى هَذا اليَوْمِ وبَلائِهِ يَكُونُ بِطاعَةِ اللهِ ذَلِكَ اليَوْمَ تَذْهَلُ فِيهِ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وتَرَى النّاسَ سُكارَى وما هُمْ بِسُكارَى ولَكِنَّ عَذابَ اللهِ شَدِيدٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي تَشَقَّقُ فِيهِ السَّماواتُ وتَشْتَعِلُ فِيهِ البِحارُ، فَٱعْمَلُوا وٱجْتَهِدُوا في الطاعاتِ وتَعَلَّمُوا وعَلِّمُوا الخَيْراتِ فَإِنَّ الدُّنْيا دارُ العَمَل، والآخِرَةَ دارُ الجَزاءِ عَلَى العَمَلِ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ شَدّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ قالَ “الكَيِّسُ مَنْ دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ الْمَوْت، والعاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنَّى عَلَى اللهِ” الكَيِّسُ أَيِ العاقِلُ الْمُتَبَصِّرُ في الأُمُورِ النّاظِرُ في العَواقِبِ مَنْ دانَ نَفْسَهُ أَيْ حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُّنْيا قَبْلَ أَنْ يُحاسَبَ يَوْمَ القِيامَةِ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَيْ عَمِلَ العَمَلَ الَّذِي يَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ أَيِ الطاعاتِ وتَرَكَ ما يَضُرُّهُ فِيها أَيِ الْمُحَرَّماتِ والعاجِزُ وهُوَ الَّذِي غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَقَصَّرَ في طاعَةِ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها أَيْ جَعَلَها تابِعَةً لِهَواها فَلَمْ يَكُفَّها عَنِ الشَّهَواتِ ولَمْ يَمْنَعْها عَنِ الوُقُوعِ في الْمُحَرَّماتِ وتَمَنَّى عَلَى اللهِ أَيْ يَقَعُ في الْمَعاصِي ويَطْلُبُ الجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ لَها.

ويُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أَنَّهُ قالَ حاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحاسَبُوا وتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ وإِنَّما يَخِفُّ الحِسابُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى مَنْ حاسَبَ نَفْسَهُ في الدُّنْيا. قالَ تَعالى ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ(١٨)﴾سورة الحاقة.

هَذا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لي ولَكُم.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا وَسَيِّئاتِ أَعْمالِنا، مَن يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ على سَيِّدِنا محمّدٍ الصادِقِ الوَعْدِ الأَمِينِ وعَلى إِخْوانِهِ النَّبِيِّينَ والْمُرْسَلِين؛ عِبادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فَٱتَّقُوهُ وخافُوهُ.

وَٱعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظيمٍ، أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلى نِبِيِّهِ الكريمِ فَقالَ وهُوَ أَصْدَقُ القائِلِينَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ على النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (٥٦)﴾سورةُ الأَحْزَاب 56، اَللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعَلى ءالِ محمدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ على إِبْراهِيمَ وعَلى ءالِ إِبْراهيمَ، وبارِكْ على محمَّدٍ وعَلى ءالِ محمدٍ، كَمَا بارَكْتَ عَلى إِبراهيمَ وعَلى ءالِ إِبْراهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ؛ يَقولُ تَعالى: ﴿يَا أَيُّها النَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ (٢)﴾سُورَةُ الْحَجِّ / 1-2 ، اَللَّهُمَّ إِنَّا دَعَوْناكَ فَٱسْتَجِبْ لَنَا دُعاءَنَا، فَٱغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنا ذُنوبَنَا، وَإِسْرافَنا في أَمْرِنا، وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا، وتَوَفَّنا وأَنْتَ راضٍ عَنّا، اللَّهُمَّ ٱغْفِرْ لِلْمُؤْمِنينَ وَالْمُؤْمِناتِ، الأَحْياءِ مِنْهُمْ وَالأَمْواتِ.

عِبادَ اللهِ ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإِحْسانِ وإِيتاءِ ذِي القُرْبَى ويَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ والْمُنكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، اُذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يُثِبْكُمْ، وَٱشْكُرُوهُ يَزِدْكُمْ، وَٱسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَٱتَّقُوهُ يَجْعَلْ لَكُمْ مِنَ أَمْرِكُمْ مَخْرَجًا؛ وَأَقِمِ الصَّلاةَ.

مقالات ذات صله