خطبة الجمعة عن الصبر على البلاء وتوكل على الله

خطبة الجمعة عن الصبر على البلاء وتوكل على الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، أحمده تعالى وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، والصلاة والسلام على سيدنا وعظيمنا وقرة أعيننا أحمد مَن بعثه الله رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه سراجا وهاجا وقمرا منيرا ، فهدى الله به الأمة وكشف به عنها الغمة وبّلغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة فجزاه الله عنا خير ما جزى به نبيا من أنبيائه وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد فيا عباد الله أوصي نفسي وإياكم بتقوى الله العظيم، فاتقوه.

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[سورة المائدة 23]، إن التوكل هو ثقة القلب بالله والمؤمن الكامل يُفَوِّضُ أمره إلى الله ويعمل بمقتضى قوله تعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[سورة آل عمران 173]،  فيصبر على ما ابتلاه الله به ولا يعترض على الله ولا يشك في حكمة الخالق ولا يشك في أن المؤمنين منصورون من حيث المعنى مهما حل بهم من المصائب والبلايا وأن الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه لذلك ثبت سيدنا خُبَيْبٌ على الإيمان والإسلام ّلما أراد المشركون قتله فصلى ودعا وقال :

 فلستُ أبالي حين أقتل مسلما  على أي جَنْبٍ كان في الله مصرعي

فلا يكون شأن البعض التحول عن الإيمان إلى الطغيان وعن الشكر إلى العصيان لوقوع المصيبة عليهم.

قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج 11].

وقال الله تعالى : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة 157 156 155]، إن هؤلاء المؤمنين الذين مدحهم الله تعالى من شأنهم أنهم في أيام الهرج (أي كثرة القتل) يلازمون طاعة الله تعالى قدر الإمكان، أي لا يعصونه في هذه الحال بترك الفرائض وارتكاب المعاصي بل هؤلاء يلزمون طاعته تبارك وتعالى في أوقات الهرج وقد صح الحديث في ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : ” العبادة في الهرج كهجرةٍ إلي “، طاعة الله في أيام الهرج أي أيام كثرة القتل كالذي هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في وقت كانت الهجرة فرضًا. أما بعد الهجرة، بعد الفتح، فتح مكة، سقطت فرضية الهجرة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: “لا هجرة بعد الفتح“.

فبالله عليك يا رفيع القدر بالتقوى  لا تبع عزها بِذلِّ المعاصي

إخوة الإيمان لقد جعل الله تبارك وتعالى هذه الدنيا دار بلاء دار شدة وامتحان واختبار ليست دار راحة ونعيم وجعل الصبر فيها على البلاء فيه أجر عظيم وجزاء حسن يوم القيامة كما أن بالصبر على البلاء وارتفاع درجات عند الله فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاب من قال له: يا رسول الله إني أحبك، قال له : ” انظر ماذا تقول” ، قال: إني أحبك، قال : ” انظر ماذا تقول “، قال : إني أحبك، فقال له عليه الصلاة والسلام : ” إن البلاء لينزل على من يحبني أسرع من السيل عند نزوله “، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ” أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه “.

فالأنبياء الذين هم أفضل خلق الله هم أشد الناس بلاء، فلما مات وَلدُ رسول الله إبراهيم جعلت عينا الرسول تدمع فقال عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله ؟ فقال: ” يا ابن عوف إنها رحمة “، ثم أتبعها بأخرى ثم قال: ” إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يُرضِي رَبَّنا “، فهذا حبيب الحق يعلمنا بقوله عليه الصلاة والسلام : ” ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ” التزام الطاعة وعدم الاعتراض على الله عز وجل لأن الاعتراض على الله خروج عن دين الله والعياذ بالله، والاعتراض على الله لا يرد نعمه ولا يرد ولدا ولا يرد ما فقد، إنما هو وبال على الذي اعترض وخُسران مُبين فقد قال صلى الله عليه وسلم: ” عِظَمُ الثواب مع عِظَمِ البلاء وإذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط “.

إخوة الإيمان هنيئا لمن ابتلي فصبر على ما ابتلاه الله وكان حاله اللجوء والتضرع إلى الله تبارك وتعالى فهذا إبراهيم عليه السّلام قومه تآمروا عليه وأوقدوا له تلك النار العظيمة وقيّدوه وكتَّفوه وهو يقول: ” لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك “، ولما ألقي في النار قال بلسان المتوكل على الله: ” حسبي الله ونعم الوكيل ” فأعطاه الله تعالى تلك المعجزة العظيمة فلم تحرقه النار ولم تصبه بأذى ولا حتى ثيابه.

وهذه المرأة التي هاجرت من مكة إلى المدينة لوجه الله تعالى ومحبًة بنبيه صلى الله عليه وسلم مات ولدها على الطريق فلجأت إلى الله تضرعت إلى الله رفعت يديها إلى السماء قبلة الدعاء سائلة ربّ السماء الذي أيقنت بوجوده بلا مكان بلا شك ولا ريب أنه موجود حي قادر على كل شىء لا يعجزه شئ أبدا قالت : ” اللهم إنك تعلم أني ما هاجرت إلا ابتغاء مرضاتك ومحبة بنبيك فلا تشمت بي الأعداء “، قالت : ” تحرّك ولدي من تحت الكفن قام من الموت وطعم وطعمنا إلى خلافة عمر “.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ معناه عرفوا واعتقدوا وجزموا بأنهم مِلك لله تعالى يفعل بهم ما يشاء وأنهم إليه راجعون أي أن مآلهم إلى الجزاء، وجزاء المؤمنين النعيم في البرزخ وفي الآخرة.

وليعلم أيها الأحبّة أن الله تعالى ذكر المصيبة بلفظ النكرة في الآية فقال: ” الذين إذا أصابتهم مصيبة ” ليفهمنا أن كل مصيبة تصيب المسلم إن كانت صغيرة وإن كانت كبيرة فإنها تفيده رفع درجات وتكفير سيئات إن صبر عليها أي تمحى عنه بعض ذنوبه لذلك قال بعضهم: إن الأولياء يفرحون بالبلايا كما يفرح الناس بالعطايا. فيا أخي المسلم إذا نزل عليك البلاء اصبر على ما ابتلاك الله والجأ وتضرّع إلى الله عزّ وجلّ وتذكّر حديث رسول الله: “ من يرد الله به خيرًا يُصِبْ منه ” أي يبتليه: يُكثر عليه من مصائب الدنيا ويحميه من المصيبة في الدِّين. فنسأل الله تعالى أن لا يجعل مصيبتنا في ديننا.

الحمد لله ربّ العالمين

مقالات ذات صله