رسالة النبيّ محمد إلى كِسْرَى ملك الفرس

رسالة النبيّ محمد إلى كِسْرَى ملك الفرس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الأمين وبعد ،

في السنة السادسة للهجرة قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث عددًا من أصحابه الكرام إلى ملوك الأعاجم ليدعوهم إلى الإسلام، واختار لهذه المهمة ستّة من الصحابة، وكان من بينهم سيدُنا عبدُ الله بنُ حُذَافة السَّهْمِيّ الذي حمل رسالة النبيّ المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى كِسْرَى ملك الفرس الذي كان يحكم بلادًا كثيرة واسعة.

جهّز سيدنا عبد الله بن حُذَافَة ناقته، وودّع زوجته وولده، ومضى إلى غايته وحده بعد أن دعا له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وهو يحمل في قلبه إيمانًا ثابتًا، وقطع الصحارى وعبر البوادي وصعد الجبال حتى وصل بلاد فارس، فقصد قصر كسرى واستأذن بالدخول عليه، وأعلم أعوان الملك بالرسالة التي يحملها من النبيّ محمّد عليه الصلاة والسلام.

أمر كسرى بتزيين مكان جلوسه على عرشه وهو الإيوان، واستدعى وزراءه وأمراءه ليحضروا مجلسه فأتَوْا ثم أعطى الإذن لعبد الله بن حُذَافَة فدخل وقد لفّ جسمه بكساء رقيق، مرتديًا عباءة غليظة النسيج، رافعًا رأسه معتزًّا بإيمانه وإسلامه، قد انتصبت قامته المديدة، وأدار نظره على الجموع ثم صوّب نظره إلى على كسرى الجالس على عرشه.

أشار كسرى إلى أحد رجاله ليأتي بالرسالة فقال سيدنا عبد الله: لا، إنما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدفعها لك يدًا بيد، وأنا لا أخالف أمرًا لرسول الله فلما تُرجم ما قاله لكسرى أمرهم بأن يدعوه يقترب منه، فدنا من كسرى حتى ناوله الرسالة فأعطاها لترجمانه ليقرأها ففتحها وبدأ بقراءتها.

قرأ الترجمان الرسالة فقال: إنَّ فيها: “بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى…” وما إن سمع كسرى من الرسالة هذا المقدار اشتعلت نار الغضب في صدره، واحمرّ وجهه لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بدأ بنفسه، فجذب الرسالة من يد الترجمان وجعل يمزّقها دون أن يعلم ما فيها وهو يصيح: “أيكتب لي بهذا، وهو عبدي ؟” ثم أمر بسيدنا عبد الله أن يُخْرَجَ فخرج.

خرج سيدنا عبد الله رضي الله عنه وهو لا يدري ماذا سيفعلون به، ولكنه قال: والله ما أبالي على أيّ حال أكون بعد أن أدّيت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب راحلته وانطلق، ولما سكن غضب كسرى، أمر أن يُدْخَلَ عبد الله إليه فلم يجدوه، فلما قدم عبد الله على النبيّ عليه الصلاة والسلام أخبره ما كان من أمر كسرى وتمزيقه الرسالة، فما زاد عليه صلى الله عليه وسلم على أن قال: “مزّق الله ملكه“.

وكتب كسرى إلى نائبه “باذان” الذي كان حاكمًا على اليمن، أن يرسل جنديين إلى سيدنا “محمَّد” ويأتيا به إليه، فبعث “باذان” رجلين إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي أبقاهما عنده يومًا ءاخر، وفي اليوم التالي قال لهما رسول الله عليه الصلاة والسلام: “لن تلقيا كسرى بعد اليوم، فلقد قتله الله حيث سلط عليه ابنه “شيرويه” في ليلة كذا، من شهر كذا” فخرجا وعادا إلى “باذان” الذي كان وصلت إليه رسالة من “شيرويه” يخبره بأنه قتل والده وحلّ مكانه، فتأكّد عندها “باذان” من صدق النبيّ فقال أشهدُ أن لا إلهَ إلاّ الله وأشهدُ أنّ محمدًا رسول الله، وأسلَمَ من كان معه من الفرس في بلاد اليمن.

الحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صله