وِلاَدَةُ نبي الله عِيسَى المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ

وِلاَدَةُ نبي الله عِيسَى المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضدَ ولا ندَّ له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، صلى الله وسلم عليه وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ القدير القائل في محكم كتابه: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً ومِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ ءال عمران 45-46.

قال الطبري (ت 310 هـ) في تفسيره جامع البيان في تفسير القرآن : والتبشير: إخبـار الـمرء بـما يسرّه من خبر. وقوله: { بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } يعنـي: برسالة من الله، وخبر من عنده، وهو من قول القائل: ألقـى فلان إلـيّ كلـمة سرّنـي بها، بـمعنى: أخبرنـي خبراً فرحت به، كما قال جلّ ثناؤه: { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَـٰهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ } يعنـي بشرى الله لمريـم بعيسى ألقاها إلـيها.

إخوة الإيمان، يطيب لنا اليوم أن نتكلم عن نبي كريم زاهد خَلَقَه اللهُ تعالى من غير أبٍ فقد جاء في القرءان العظيم: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ ءال عمران 59.

وأمُّه مريم التي وصفَها اللهُ تعالى في القرءان الكريم بالصدّيقة والتي نَشَأت نَشْأةَ طُهرٍ وعفافٍ وتربّتْ على التقوى تؤدّي الواجبات وتُكثر منْ نوافل الطاعات والتي بشّرتها الملائكة باصطفاءِ الله تعالى لها منْ بين سائرِ النساء وبتطهيرها من الأدناس والرذائل.

﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ ﴾ ءال عمران 42.

وذاتَ يومٍ خرجتْ مريمُ الصدّيقة مِن محرابها الذي كانتْ تعبدُ الله تعالى فيه فأرسل اللهُ إليها جبريلَ عليه السلام مُتشكّلاً بشكلِ شابٍّ أبيضَ الوجه.

قال لله تعالى : ﴿ وَاذْكُرْ‌ فِي الْكِتَابِ مَرْ‌يَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْ‌قِيًّا {16} فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْ‌سَلْنَا إِلَيْهَا رُ‌وحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرً‌ا سَوِيًّا {17}﴾ [سورة مريم]. ﴿ فَأَرْ‌سَلْنَا إِلَيْهَا رُ‌وحَنَا ﴾ أي جبريل الذي هو مشرّف عند الله ، فهذه إضافة التّشريف.

وللملاحظةِ إخوة الإيمان، الملائكةُ ليسوا ذُكورًا ولا إناثًا إنما يتشكّلونَ بهيئةِ الذُّكورِ من دونِ ءالةِ الذكورية ولا يأكلون ولا يشربون لا يتناكحون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون.

مريمُ لَمّا رأتْ جبريلَ عليه السلام مُتشكّلاً في صورةِ شابٍّ أبيض الوجه لم تعرفْه ففزِعتْ منه واضطَرَبَت وخافتْ على نفسِها منه وظنتْه إنسانا جاءَ ليعتدي عليها، فقالت ما أخبر الله به: ﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا ﴾ سورة مريم/18. أي إن كنت تقيا مطيعًا فلا تتعرضْ إليَّ بسوء.

فقالَ لها إنَّ اللهَ أرسلَه إليها ليهبَها ولدًا صالحًا طاهرًا منَ الذنوب. فقالت مريم: أنَّى يكون لي غلامٌ ولم يقربني زوجٌ ولم أكنْ فاجرةً زانية ؟ فأجابها جبريلُ عليه السلامُ عن تعجّبِها بأنّ خَلْقَ ولدٍ من غيرِ أبٍ سَهلٌ هيِّنٌ على الله تعالى، وجعلَه اللهُ علامةً للناس ودليلاً على كمالِ قدرته سبحانه وتعالى وليجعلَه رحمةً ونعمة لمن اتّبعه وصدّقه وءامن به.

يقول رب العزّة في القرءان العظيم: ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا . فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا . فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا . وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا . فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا ﴾ سورة مريم 22-23-24-25-26.

نفخ جبريل عليه السلام في جيبِ دِرعها وهي الفتحةُ عند العُنُق، فحملت بعيسى عليه السلام ثم تنحت بحملها بعيدًا خوف أن يعيّرَها الناس بولادتها من غير زوج، ثم ألجأها وجع الولادة إلى ساقِ نخلة يابسة وتمنّتِ الموت خوفًا من أذى الناس ، وناداها جبريلُ عليه السلام من مكان من تحتها من أسفل الجبل يُطمئنُها ويخبرها أنّ الله تبارك وتعالى جعل تحتها نهرًا صغيرا ويطلبُ منها أن تهُزَّ جذع النخلة ليتساقطَ عليها الرطب الجنيّ الطريّ وأن تأكل وتشرب مما رزقها الله وأن تقرّ عينُها وأن تقول لمن رءاها وسألها عن ولدها إني نذرت للرحمن أن لا أكلّم أحدًا.

أتتِ السيدة مريم عليها السلام قومَها تحمل مولودَها عيسى عليه السلام على يدِها في بيت لحم. كما أخبرنا الله عز وجل: ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴾ مريم/27.

قالوا لها: لقد فعلتِ فِعلة منكرةً عظيمة، ظنوا بها السوء وصاروا يوبخونها ويُؤذونها وهي ساكتة لا تجيب لأنها أخبرتهم أنها نذرت للرحمن صومًا، ولما ضاق بها الحال أشارت إلى عيسى عليه السلام، أنْ كلِّموه، عندها قالوا لها ما أخبر الله به بقوله: ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴾ مريم/29.

عند ذلك أنطق الله تعالى بقدرته سيّدَنا عيسى عليه السلام، وكان رضيعًا. ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ ءاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا . وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾. أوّلُ كلمة قالها عيسى عليه السلام، إني عبد الله، اعتراف بالعبودية لله العزيز القهار، هذا أوّلُ ما نطق به عليه السلام وهو في المهد قال: ﴿ إِنِّي عَبْدُ اللهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا ﴾ أي جعلني نفاعًا معلّمًا للخير حيثما توجهت.

إخوة الإيمان، يقول الله تعالى في القرءان العظيم: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ سورة الصف/6.

دعا عيسى قومَه إلى الإسلام إلى عبادة الله وحدَه وعدمِ الإشراك به شيئًا ولكنهم كذّبوه وحسدوه وقالوا عنه ساحر ولم يؤمن به إلا القليل.

قال الله تعالى : ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْ‌يَمَ رَ‌سُولُ اللَّـهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْ‌يَمَ وَرُ‌وحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرُ‌سُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرً‌ا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّـهُ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْ‌ضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ وَكِيلًا ﴾ [سورة النّساء آية 171].

قال فخر الدّين الرازي (ت 606 هـ) في تفسيره مفاتيح الغيب : والمراد من قوله { مِنْه } التشريف والتفضيل كما يقال: هذه نعمة من الله.

قال  السيوطي : { وَرُوحٌ } أي ذو روح { مِنْهُ } أضيف إليه تعالى تشريفاً له وليس كما زعمتم ابن الله أو إلهاً معه أو ثالث ثلاثة، لأن ذا الروح مركب والإِله منزه عن التركيب وعن نسبة المركب إليه.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يُثبتنا على نهج الأنبياء والمرسلين وأن يجمعنا يوم القيامة بهم، إنه على ما يشاء قدير وبعباده لطيف خبير.

تفسير من سورة مريم

يقولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالى ﴿ وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ ﴾ أَيْ اقْرَأ عَلَيْهِم يا محمد فِي القُرْءَانِ قِصَّةَ مَرْيَم لِيَقِفُوا عَلَيْهَا وَيَعْلَمُوا مَا جَرَى عَلَيْهَا

﴿ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴾ أَيِ اعْتَزَلَت أَيْ تَخَلَّت لِلْعِبَادَةِ فِي مَكَانٍ مِمَّا يَلِي شَرْقِيَّ بَيْتِ الـمَقْدِسِ. أَوْ مِن دَارِهَا مَعْتَزِلَةً عَنِ النَّاس. وَقِيلَ قَعَدَت فِي مَشْرُقَةٍ لِلاغْتِسَالِ مِنَ الحَيْض. وَفِيهِ أَنَّ الـمَقْصُودَ بِذِكْرِ مَرْيَم ذِكْرُ وَقْتِهَا هَذَا لِوُقُوعِ هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ فِيه.

﴿ فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا ﴾ جَعَلَت بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِهَا حِجَابًا يَسْتُرُهَا لِتَغْتَسِلَ وَرَاءَه

﴿ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا ﴾ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام، وَالإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيف. وَإِنَّمَا سُمِّيَ رُوحًا لِأَنَّ الدِّينَ يَحْيَا بِهِ وَبِوَحْيِه

﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا ﴾ أَيْ فَتَمَثَّلَ لَهَا جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ ءَادَمِيٍ شَابٍّ أَمْرَد وَضِيءِ الوَجْهِ جَعْدِ الشَّعَر

﴿ سَوِيًّا ﴾ مُسْتَوِ الخَلْق. وَإِنَّمَا مُثِّلَ لَهَا فِي صُورَةِ الإِنْسَان لِتَسْتَأْنِسَ بِكَلَامِه وَلَا تَنْفِرَ عَنْه، وَلَوْ بَدَا لَهَا فِي صُورَةِ الـمَلَائِكَةِ لَنَفَرَت وَلَمْ تَقْدِر عَلَى اسْتِمَاعِ كَلَامِه

﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذِ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ﴾ أَيْ إِنْ كَانَ يُرْجَى مِنْكَ أَنْ تَتَّقِيَ الله فِإِنِّي عَائِذَةٌ بِهِ مِنْك

﴿ قَالَ ﴾ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام

﴿ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ ﴾ أَمَّنَهَا مِمَّا خَافَت، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَدَمِيٍّ بَلْ هُوَ رَسُولُ مَن اسْتَعَاذَت بِه

﴿ لِأَهَبَ لَكِ ﴾ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ لِأَكُونَ سَبَبًا فِي هِبَةِ الغُلَامِ بِالنَّفْخِ فِي الدِّرع أي فُتحَةِ القَمِيص مِن جِهَةِ العُنُق

﴿ غُلَامًا زَكِيًّا ﴾ طَاهِرًا مِنَ الذُّنُوب، أَوْ نَامِيًا عَلَى الخَيْرِ وَالبَرَكَة

﴿ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ ﴾ كَيْفَ يكون لي ابن

﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ﴾ زَوْجٌ بِالنِّكَاح

﴿ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ﴾ فَاجِرَةً تَبْغِي الرِّجَال، أَيْ تَطْلُبُ الشَّهْوَةَ مِن أَيِّ رَجُلٍ كَان.

وَلَا يَكُونُ الوَلَدُ عَادَةً إِلَّا مِن أَحَدِ هَذَين

﴿ قَالَ ﴾ جِبْرِيل

﴿ كَذَلِكِ ﴾ أَي الأَمْرُ كَمَا قُلْتِ لَمْ يَمْسَسْكِ رَجُلٌ نِكَاحًا أَوْ سِفَاحًا أي بالزنا

﴿ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ أَيْ إِعْطَاءُ الوَلَدِ بِلَا أَبٍ عَلَيَّ سَهْلٌ

﴿ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِّلنَّاسِ ﴾ أَيْ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ فَعَلْنَا ذَلِك، أَو المعنى لِنُبَيِّنَ بِهِ قُدْرَتَنَا وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاس أَيْ عِبْرَةً وَبُرْهَانًا عَلَى قُدْرَتِنَا

﴿ وَرَحْمَةً مِّنَّا ﴾ لِمَنْ ءَامَنَ بِه

﴿ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا ﴾أي وكان خَلْقُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام مُقَدَّرًا مَسْطُورًا فِي اللوح. فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ إِلَى قَوْلِهِ دَنَا مِنْهَا فَنَفَخَ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا أَيْ فُتْحَةِ قَمِيصِهَا وَالرُّوحُ دَخَلَ مِنَ الفَمِ هَكَذَا قَالَ أبَيُّ ابنُ كَعَبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَوَصَلَتِ النَّفْخَةُ إِلَى بَطْنِهَا

﴿ فَحَمَلَتْهُ ﴾ أَيِ الـمَوْهُوبَ، وَكَانَت سِنُّهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ عَشْرًا أَوْ عِشْرِين

﴿ فَانتَبَذَتْ بِهِ ﴾ اِعْتَزَلَت وَهُوَ فِي بَطْنِهَا.

عَنِ ابنِ عَبًّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَانَت مُدَّةُ الحَمْلِ سَاعَةً وَاحِدَةً كَمَا حَمَلَتْهُ نَبَذَتْهُ. وَقِيلَ سِتَّةُ أَشْهُر وَقِيلَ سَبْعَة وَقِيلَ ثَمَانِيَة، وَقِيلَ حَمَلَتْهُ فِي سَاعَةٍ وَوَضَعَتْهُ فِي سَاعَة

﴿ مَكَانًا قَصِيًّا ﴾ بَعِيدًا عَن أَهْلِهَا وَرَاءَ الجَبَلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لَمَّا أَحَسَّت بِالحَمْلِ هَرَبَت مِن قَوْمِهَا مَخَافَةَ اللَّائِمَة

﴿ فَأَجَآءَهَا الـمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ جَاءَ بِهَا وَجَعُ الوِلَادَةِ، وَقِيلَ أَلْجَأَهَا وَهُوَ مَنْقُولٌ مِن جَاءَ

إلى جِذْع النّخلَةِ أي أَصْلِهَا، وَكَانَت يَابِسَةً وَكَانَ الوَقْتُ شِتَاءً. وَتَعْرِيفُهَا مُشْعِرٌ بِأَنَّهَا كَانَت نَخْلَةً مَعْرُوفَة، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلجِنْسِ، أَيْ جِذْعِ هَذِهِ الشَّجَرَة، كَأَنَّهُ تَعَالَى أَرْشَدَهَا إِلَى النَّخْلَةِ لِيُطْعِمَهَا مِنْهَا الرُّطَبَ لِأَنَّهُ خُرَسَةُ النُّفَسَاءِ أَيْ طَعَامُهَا، (وهوَ يُسَاعدُ على تَسهيلِ الوِلادَة)

إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُخْبِرُنَا عَن مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَام أَنَّهَا قَالَت

﴿ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا ﴾ قالت أي مريم مِن شِدّة حُزنها مِمَّا أَصَابَهَا يا لَيتَني مِتّ قَبلَ هذا اليَوْم

﴿ وَكُنْتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ﴾ شَيْئًا مَتْرُوكًا لَا يُعْرَفُ وَلَا يُذْكَر

﴿ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ ﴾ أَي الَّذِي تَحْتَهَا وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، لِأنَّهُ كَانَ بِمَكَانٍ مُنْخَفِضٍ عَنْهَا أَوْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام لِأَنَّهُ خَاطَبَهَا مِن تَحْتِ ذَيْلِهَا. وذَيْل المرأَة يقال لكلُّ ثوب تَلْبَسُه إِذا جرَّتهُ على الأَرض مِن خَلفِها. وَالهَاءُ فِي تَحْتِهَا لِلنَّخْلَةِ، وَلِشِدَّةِ مَا لَقِيَت سُلّيت بِقَوْلِه ﴿ أَلَّا تَحْزَنِي ﴾ أَيْ لَا تَهْتَمِّي بِالوَحْدَةِ وَعَدَمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَاب وَمَقَالَةِ النَّاس.

﴿ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ﴾ أي جَعلَ اللهُ بِقُرْبِكِ نَهَرًا صَغِيرًا، هكذا عِنْدَ الجُمْهُور، أَوْ تَحْتَ أَمْرِكِ إِنْ أَمَرْتِهِ أَنْ يَجْرِيَ جَرَى وَإِنْ أَمَرْتِهِ أَنْ يَقِفَ وَقَف

وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّرِيِّ فَقَال “هُوَ الجَدْوَلُ” رَوَاهُ الطَّبَرِيّ. وَعَنِ الحَسَنِ سَيِّدًا كَرِيمًا يَعْنِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، وَرُوِيَ أَنَّ خَالِدَ بنَ صَفْوَان قَالَ لَهُ إِنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الجَدْوَلَ سَرِيًّا، فَقَالَ الحَسَنُ صَدَقْتَ، وَرَجَعَ إِلَى قَوْلِه. وَقَال ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ضَرَبَ عِيسَى أَوْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِعَقِبِهِ الأَرْضَ فَظَهَرَت عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ فَجَرَى النَّهَرُ اليَابِسُ فَاخْضَرَّتِ النَّخْلَة وَأَثْمَرَت وَأَيْنَعَت ثَمَرَتُهَا، فَقِيلَ لَهَا ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ ﴾ حَرِّكِي إِلَى نَفْسِكِ ﴿ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ﴾ أَيْ هُزِّي جِذْعَ النَّخْلَة ﴿ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ ﴾ أَيْ يَتَسَاقَطُ عَلَيْكِ ﴿ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾ طَرِيًّا، وَقَالُوا التَّمْرُ لِلنُّفَسَاءِ عَادَةٌ مِنْ ذَلِكَ الوَقَت، وَقِيلَ مَا لِلنُّفَسَاءِ خَيْرٌ مِنَ الرُّطَبِ وَلَا لِلْمَرِيضِ مِنَ العَسَل

﴿ فَكُلِي وَاشْرَبِي ﴾كُلِي مِنَ الجَنِيِّ واشرَبي مِنَ السَّرِيِّ

﴿ وَقَرِّي عَيْنًا ﴾ بِالوَلَدِ الرَّضِيّ، أَيْ طِيْبِي نَفْسًا بِعِيسَى وَارْفُضِي عَنْكِ مَا أَحْزَنَكِ

﴿ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنسِيًّا ﴾ أَيْ فَإِنْ رَأَيْتِ ءَادَمِيًّا يَسْأَلُكِ عَن حَالِك فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَمْتًا وَإِمْسَاكًا عَنِ الكَلَام فلَن أكَلِّمَ اليومَ ءادَمِيًّا.

وَكَانُوا يَصُومُونَ فِي شَرِيعَةِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام عَنِ الكَلَام كَمَا يَصُومُونَ عَنِ الأَكْلِ وَالشُّرْب.

وَقِيلَ صِيَامًا حَقِيقَةً وَكَانَ صِيَامُهُم فِيهِ الصَّمْتُ فَكَانَ التِزَامُهُ أي التزامُ الصيامِ فيه التزامُ الصّمت.

وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَن صَوْمِ الصًّمْتِ فَصَارَ ذَلِكَ مَنْسُوخًا فِينَا.

وَإِنَّمَا أُمِرَت أَنْ تَنْذُرَ السُّكُوتَ لِأَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام يَكْفِيهَا الكَلَامَ بِمَا يُبَرِّىء بِهِ سَاحَتَهَا وَلِئَلَّا تُجَادِلَ السُّفَهَاء.

وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَنِ السَّفِيهِ مَطْلُوب، وَمَا قُدِع (أي كُفَّ ومُنِعَ) سَفِيهٌ بِمِثْلِ الإعْرَاض وَلَا أُطْلِقَ عِنَانُهُ بِمِثْلِ العِرَاض(العِرَاضُ عَكسُ الإعراض، فالإعراضُ عن السّفِيهِ يَرُدُّه وإعْرَاضُه أي الإقبالُ عليهِ يُغْرِيْهِ بالتّمَادِي في سَفَاهَتِه) . وَإِنَّمَا أَخْبَرَتْهُم بِأَنَّهَا نَذَرَتِ الصَّوْمَ بِالإِشَارَة وَقَدْ تُسَمَّى الإِشَارَةُ كَلَامًا وَقَوْلًا. وَقِيل كَانَ وُجُوبُ الصَّمْتِ بَعْدَ هَذَا الكَلَام، أَوْ سُوِّغَ لَهَا هَذَا القَدْرُ بِالنُّطْقِ

﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ﴾ أي فأتت بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام بَعْدَمَا طَهُرَت مِنْ نِفَاسِهَا ،أَيْ أَقْبَلَت نَحْوَهُم حَامِلَةً إِيَّاه، فَلَمَّا رَأَوْهُ مَعَهَا

﴿ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴾ بَدِيعًا عَجِيبًا. أي جئتِ بأمرٍ عَظِيم كالآتي بالشّىءِ يَفتَريْهِ.

﴿ يَآ أُخْتَ هَارُونَ ﴾ وَكَانَ أَخَاهَا مِن أَبِيهَا وَمِنْ أَفْضَلِ بَنِي إِسْرَائِيل. أَوْ هُوَ أَخُو مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَكَانَت مِن أَعْقَابِه وَبَيْنَهُمَا أَلْفُ سَنَة، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ يَا أَخَا هَمَدَان أَيْ يَا وَاحِدًا مِنْهُم

﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ ﴾ أي ما كانَ أبوكِ عِمْرَانُ زَانِيًا

﴿ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴾ أي وما كانت أمُّكِ حَنَّةَ زَانِيَة

﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ﴾ إِلَى عِيسَى أَنْ يُجِيبَهُم، وَذَلِكَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهَا لَا تَحْزَنِي وَأَحِيلِي بِالجَوَابِ عَلَيّ.

وَقِيلَ أَمَرَهَا جِبْرِيلُ بِذَلِك، وَلَمَّا أَشَارَت إِلَيْه غَضِبُوا وَتَعَجَّبُوا.

﴿ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الـمَهْدِ صَبِيًّا ﴾ قالوا كيفَ نُكَلِّمُ مَن حَدَثَ وَوُجِدَ في المهدِ الـمَعْهُود، وَمَهْدُ الصَّبِيِّ مَوْضِعُهُ الَّذِي يُهَيَّأُ لَه وَيُوَطَّأُ لِيَنَامَ فِيه.

﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ ﴾ وَلَمَّا اشْتَكَت بِأَمْرِ اللهِ لِسَانَهَا النَّاطِقَ أَنْطَقَ اللهُ لَهَا اللِّسَانَ السَّاكِتَ حَتَّى اعْتَرَفَ بِالعُبُودِيَّةِ وَهُوَ ابنُ أَرْبَعِينَ لَيْلَة، أَو ابنُ يَوْم. رُوِيَ أَنَّهُ أَشَارَ بِسَبَّابَتِهِ وَقَالَ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ “إِنِّي عَبْدُ الله“.

﴿ ءَاتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ ءاتانيَ الكتابَ أي الإنْجِيل، مَعْنَاهُ سَيُنَزِّلُ عَلَيَّ الكِتَابَ فِي الـمُسْتَقْبَل وَيَجْعَلُنِي نَبِيًّا فِي الـمُسْقَبَل.

﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ﴾ أي نَفَّاعًا حَيْثُ مَا كنْت، أَوْ مُعَلِّمًا لِلْخَيْر.

﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾ أي وَأَمَرَنِي بالصّلاةِ وبالزكاةِ إِنْ مَلَكْتُ مَالًا مُدَّةَ حَيَاتِي.

﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي ﴾ أَيْ بَارًّا بِهَا أُكْرِمُهَا وَأُعَظِّمُهَا.

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ أي ولم يَجعَلْني مُتَكَبِّرًا عَاقًّا.

﴿ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ أَيْ ذَلِكَ السَّلَامُ الـمُوَجَّهُ إِلَى يَحْيَى فِي الـمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ مُوَجَّهٌ إِلَيّ، أَيْ السَّلَامَةُ عَلَيَّ مِنَ اللهِ تَعَالَى ﴿ يَوْمَ وُلِدْتُ ﴾ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا ﴿ وَيَوْمَ أَمُوتُ ﴾ يَعْنِي فِي القَبْر ﴿ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ يَعْنِي فِي الآخِرَة فَسَلِمَ فِي أَحْوَالِهِ كُلِّهَا. وَقَالَ بَعْضُهُم ﴿ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ﴾ أَيْ السَّلَامَةُ عِنْدَ الوِلَادَةِ مِنْ طَعْنِ الشَّيْطَان ﴿ وَيَوْمَ أَمُوتُ ﴾ أَيْ عِنْدَ الـمَوْتِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ أَيْ مِن أَهْوَالِ يَوْمِ القِيَامَة.

﴿ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ أَيْ ذَلِكَ الَّذِي قَالَ إِنِّي كَذَا وَكَذَا عِيسَى ابنُ مَرْيَم، لَا كَمَا قَالُوا إِنَّهُ إِلَهٌ أَو ابْنُ الله.

﴿ قَوْلَ الحَقِّ ﴾ كَلِمَةَ الله، فَالْقَوْلُ الكَلِمَةُ وَالحَقُّ الله.

وَقِيلَ لَهُ كَلِمَةُ اللهِ لِأَنَّهُ وُلِدَ بِقَوْلِهِ ﴿كُنْ﴾ بِلَا وَاسِطَةِ أَبٍ. وَلَيْسَ مَعْنَى ﴿كُنْ﴾ هُنَا أَنَّ اللهَ يَنْطِقُ بِالكَافِ وَالنُّون كَمَا نَحْنُ نَنْطِق تَنَزَّهَ اللهُ عَنْ ذَلِك. أوِ الـمَعْنَى أَقُولُ قَوْلَ الحَقِّ هُوَ ابنُ مَرْيَم وَلَيْسَ بِإِلَهٍ كَمَا يَدَّعُونَه.

﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يَشُكُّون، مِنَ الـمِرْيَةِ الشَّكُّ، أَوْ يَخْتَلِفُون مِنَ الـمِرَاءِ أَيْ الجِدَال، فَقَالَتِ اليَهُودُ سَاحِرٌ كَذَّاب، وَقَالَ ءَاخَرُونَ ابْنُ اللهِ وَثَالِثُ ثَلَاثَة

﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ﴾ مَا يَنْبَغِي لَه إذ يَستَحِيلُ ذلكَ عليه، وجِيءَ بِـمِن لِتَأْكِيدِ النَّفِيّ ، نَزَّهَ ذَاتَهُ عَنِ اتِّخَاذِ الوَلَد.

﴿ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ أَيْ كَمَا قَالَ لِعِيسَى بكلامه الأزليّ الأبديّ الذي لا يُشبِهُ كلامَ العَالمين وليسَ حَرفًا ولا صَوتًا ولا لُغةً ولا يُبتَدَأ ولا يُختَتَم كُنْ فَكَانَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَمَنْ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَذَا كَانَ مُنَزَّهًا أَنْ يُشْبِهَ الحَيَوَان.

﴿ وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ﴾ وَهُوَ مِن كَلَامِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، أَيْ كَمَا أَنَا عَبْدُه فَأَنْتُم عَبِيدُه، عَلَيَّ وَعَلَيْكُم أَنْ نَعْبُدَه.

﴿ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ أي هذا الَّذِي ذَكَرْتُ الطّريقُ الحَقُّ فَاعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.

﴿ فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ ﴾ الحِزبُ الفِرقةُ المنفَردَةُ برَأيها عن غَيرها وهُم ثلاثُ فِرَقٍ نَسطُورِيّةٌ ويَعقُوبيّةٌ ومَلكَانيّةٌ ﴿ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ مِن بينِ أصحَابِه أو مِن بَين قَومِه أو مِن بَينِ النّاس، وذلكَ أنّ النّصَارى اختَلَفوا في عيسَى حِينَ رُفِع ثم اتّفَقُوا على أن يَرجِعُوا إلى قولِ ثَلاثةٍ كانُوا عندَهم أعلَم أهلِ زمَانِهم وهم يَعقوبُ ونَسطُورُ ومَلكَانُ، فقالَ يَعقوبُ هوَ اللهُ هبَط إِلى الأرض ثم صَعِدَ إلى السّماء، وقال نَسْطُورُ كانَ ابنَ اللهِ أظْهَرهُ مَا شاءَ ثم رفَعَه إليه، وقالَ الثّالثُ كذَبُوا كانَ عَبدًا مَخلُوقًا نَبيّا فتَبِعَ كُلَّ واحدٍ منهُم قَومٌ ﴿ فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ منَ الأحزاب إذِ الواحِدُ منهُم على الحقّ ﴿ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ هوَ يَومُ القِيامَةِ، أو مِن شُهودِهم هَولَ الحِسَاب والجزاء في يوم القيامَة، أو مِن شَهادَةِ ذلكَ اليَوم علَيهم وأنْ تَشهَدَ علَيهمُ الملائكةُ والأنبياء وجَوارِحُهم بالكفر، أو مِن مَكانِ الشّهادَة أو وَقتِها، أو المرادُ يومُ اجتِماعِهم للتّشَاوُر فيهِ، وجَعلُه عَظيمًا لفَظَاعَةِ ما شَهِدُوا به في عِيسَى ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ الجمهورُ على أنّ لَفظَهُ أمْرٌ ومَعناهُ التّعَجُّب واللهُ تعالى لا يُوصَفُ بالتّعَجُّب، ولكنّ المرادَ أنّ إسماعَهُم وإبْصَارَهم جَدِيرٌ بأنْ يُتَعجَّب مِنهُما بَعدَما كانوا صُمًّا وعُمْيًا في الدُّنيا عن سَماع الحَقّ، قال قتادةُ : إنْ عَمُوا وصُمُّوا عن الحَقّ في الدُّنيا فما أسْمَعَهُم وما أبْصَرَهم بالهُدَى يومَ لا يَنفَعُهُم ، ﴿ لَـكنِ الظَّـالِمُونَ الْيَوْمَ ﴾ أُقِيمَ الظّاهرُ مُقام المضمَر أي لكنّهمُ اليومَ في الدُّنيا بظُلمِهم أَنفُسَهُم حَيثُ تَركُوا الاستِماعَ والنّظَر حِينَ يُجدِي علَيهِم ووَضَعُوا العبادةَ في غَيرِ مَوضِعِها فعَبَدُوا غَيرَ الله ﴿ فِى ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴾ أي في ضَلالٍ عن الحَقّ ظَاهِر، وهوَ اعتِقادُهم عِيسَى إلهًا مَعبُودًا مع ظُهُورِ آثارِ الحَدَث فيهِ، إشْعارًا بأنْ لا ظُلمَ أشَدُّ مِن ظُلمِهم.

﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ﴾ خَوّفْهُم يومَ القِيامَةِ لأنّهُ يقَعُ فيه النّدَمُ على ما فاتَ ، وفي الحديث ” إذَا رأَوا مَنَازلَهُم في الجَنّةِ أنْ لو آمَنُوا “. الكافرُ يُعرَضُ عليهِ مَقعَدُه في الجنّة أنْ لو كانَ مؤمنًا ومَقعَدُه في النّار الذي يتَبوّؤه في الآخِرَة ﴿ إِذْ قُضِىَ الأمْرُ ﴾ فُرغَ مِنَ الحِسَاب وتَصَادَرَ الفَرِيقَانِ إلى الجنّةِ والنّار ﴿ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ ﴾ هُنا أي في الدُّنيا عن الاهتِمام لذلكَ المقَام ﴿ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لا يُصَدِّقُونَ بهِ، أي وأَنْذِرْهُم على هذا الحالِ غَافِلِينَ غَيرَ مؤمنِينَ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ أي نتَفَرَّدُ بالْمُلك والبَقاءِ عندَ تَعمِيم الهُلْكِ والفَنَاء، وذَكَر مَن لتَغلِيبِ العُقَلاء ﴿ وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ أي يُرَدُّونَ فيُجَازَونَ جَزاءً وِفَاقًا.

معجزاتُ سيّدنا عيسى عليه السلامُ المتوالياتُ

لما بلغَ سيدُنا عيسى المسيحُ عليهِ السلامُ الثلاثينَ من عُمْرِهِ، أوحَى الله تعالى إليهِ أن يدعُوَ الناسَ إلى عبادَةِ الله عزَّ وجلَّ، فخرجَ يجوبُ البلادَ، ويجولُ في القُرَى، يدعو إلى الإسلامِ قَائلا للناسِ: “اعبُدُوا الله وحدَهُ ولا تُشرِكوا بهِ شيئًا وءامنوا بأني رسولُ الله إليكم”، فآمنَ بهِ أولَ من ءامنَ اثنا عَشَرَ شخصًا يُسَمَّوْنَ “الحوارِيينَ”.

يُرْوَى أنه كانَ من أولِ معجزاتِ سيدِنا عيسى عليه السلامُ، أن والدتَهُ السيدةَ مريمَ عليها السلامُ دفعته مرات عديدة للقيام بأعمال شتى، وءاخِرُ مَنْ دفعتهُ إليهم كانوا جماعةَ صابِغي الثيابِ يُبيّضُونَها ويُلوِنُونَهَا، فأرادَ صاحبُ العمل السفرَ، فقالَ لسيدنا عيسى عليه السلام عِندي ثيابٌ كثيرةٌ مختلِفةُ الألوانِ، وقدْ علَّمتُكَ الصِـّبغةَ فاصبِغْ كلَّ واحدةٍ منها باللونِ الذي حدَّدتُهُ لكَ ووضعْتُ خيطًا من اللونِ المطلوبِ علَيْها، فَسَخَّنَ سيدُنا عيسى وعاءً واحدًا كبيرًا وَوَضَعَ فيه أَلْوانًا عديدةً، ثم وَضَعَ الثيابَ كُلَّها في هذا الوعاءِ وقال كوني بإذنِ الله على ما أُرِيدُهُ منك، فعادَ صاحبُ العملِ من السفرِ والثيابُ كلُّها في الوِعاءِ، فلما رَءَاها دُهِشَ وقال لقد أفسدْتَها، فأخرجَ سيدُنا عيسى ثوبًا أحمرَ وثوبًا أصفرَ وءاخرَ أخضرَ إلى غيرِ ذلك مما كانَ على كلِ ثوبٍ مكتوبٍ عليه صِبْغَتُهُ، فعجِبَ صاحبُ العملِ وعلمَ أن ذلكَ من الله فآمنَ بسيدنا عيسى عليهِ السلامُ وَدَعَا الناسَ إليه فآمنُوا به، وكان هذا الرجل من جُملةِ الحواريينَ الذين كانُوا يَشُدُّونَ أَزْرَ سيدِنا عيسى في دعوتِهِ إلى دينِ الله تعالى.

وتوالتِ المعجزاتُ، فمَرَّ يومًا بجماعةٍ يَصْطَادُونَ السَّمَكَ ورئيسُهُمْ يُدْعَى “شَمْعُونَ”، فقالَ لهمْ سيدُنا “عيسى”: “ما تصنعون؟” قالوا: “نَصِيدُ السَّمكَ”، قال: “أفلا تمشونَ حتى نصيدَ الناسَ؟” أي لنهديهم إلى الإسلام، قالوا: “ومَن أنتَ؟” فأجابَ: “أنَا عيسى ابنُ مريمَ عبدُ الله ورسولُه”، فسألُوه دليلا يدُلُّهم على صِدْقِهِ في ما قالَ، وكان “شمعونُ” قد رَمَى بِشَبَكَتِهِ في الماءِ تلكَ الليلةَ فما اصطادَ شيئا، فأمرَهُ سيدنا “عيسى” عليه السلامُ بإلقاءِ شَبَكتِهِ مرةً أُخرى ودعا الله تعالى متضرعًا إليه، فما هي إلا لحظاتٌ يسيرةٌ حتى اجتمعَ في تلكَ الشَّبَكَةِ من السَّمَكِ ما كادتْ تتمزَّقُ من كَثرتِهِ، فاستعانوا بأهلِ سفينةٍ أُخْرَى وملَئُوا السفينتَيْنِ منَ السَّمَكِ، فعندَ ذلك ءامنُوا بهِ وانطلقُوا معه، فصارُوا من جُمْلَةِ “الحواريّينَ” الذين كانوا يصطادونَ السمكَ، فلما ءامَنُوا بسيدنا عيسى عليهِ السلامُ صَارُوا يَصْطَادُونَ الناسَ ليَهْدُوهم إلى دينِ الإسلامِ، وسُمُّوا “بالحواريينَ” لبَيَاضِ ثيابِهم وقيلَ بل لأنَّهُمْ كانوا أنصارَ سيدنا عيسى عليهِ السلامُ وأعوانَهُ المخلصينَ في محبَّتِهِ وطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ.

لم يكنِ اليهودُ بعيدِينَ عن أخبارِ تلكَ المعجزاتِ الباهراتِ التي كانتْ تَظْهَرُ على سيدِنا عيسى المسيحِ، وشَعَرُوا وكأنَّ البِسَاطَ يُسْحَبُ من تَحْتِهِمْ وأنه يُهَدِدُ كراسِيَهُم ومناصِبَهُم، فكم غَرُّوا أُناسًا وأضلُّوهم وحَادُوا بهم عن طريقِ الحقِ لمآرِبِهِمُ الدنيئةِ الخبيثةِ، وها هوَ سيدُنا عيسى الثابتُ القويُّ بالحُجةِ والبرهانِ، يَفْضَحُ أسرارَهُمْ، ويَنْشُرُ بين الناسِ مَخَازِيَهُم، فأجمعوا أمرَهُمْ بينَهُمْ على محاربَتِهِ أينما حَلّ، وتكذيبِهِ حيثُمَا ذَهَبَ.

ويومًا قالوا له إن كنت صادقًا في قولك ودعوتك فصوِّر لنا خُفَّاشًا من الطين واجعله يطير، فقام سيدُنا عيسى متوكّلا على الله تعالى وأخذَ طِينًا وجعلَ مِنهُ خُفَّاشًا ثم نفخَ فيه فقامَ يطيرُ بإذنِ الله بينَ السماءِ والأرضِ وَسَطَ دَهْشَةِ الناظرينَ، ولكنهُ ما إنْ غابَ عن أعيُنِهِمْ حتى سَقَطَ مَيِتًا، فاغتاظَ اليهودُ إذْ طَلَبُوا الخُفَّاشَ لأنهُ مِنْ أَعْجَبِ وأغربِ الخَلْقِ، ومِنْ أكْمَلِ الطُّيُورِ خَلْقًا، لأنَّ لأنثاهُ ثَدْيَيْنِ وأسنانًا وأُذُنَيْنِ ومن عجائبِهِ أنه من لحمٍ ودم يطيرُ بغير ريشٍ، ويلدُ كما يلدُ الحيوانُ، ولا يبيضُ كما تبيضُ سائرُ الطيورِ، فيكونُ له الضَّرْعُ يَخْرُجُ منه اللبنُ ولا يُبْصِرُ في ضوءِ النهارِ ولا في ظُلْمَةِ الليلِ، وإنما يرى في ساعتينِ بعد غُرُوبِ الشمسِ ساعةً، وبعد طلوعِ الفجرِ ساعةً، ويضحَكُ كما يضحَكُ الإنسانُ، وتحيضُ أنثاهُ كما تحيضُ المرأةُ وكان تسويةُ الطينِ والنفخُ من سيدِنا عيسى والخَلْقُ من الله عزَّ وجلَّ.

وكان من معجزاتِهِ عليهِ السلامُ أَنَّهُ كان يُبْرِئُ الأكْمَهَ الذي يُولَدُ أَعْمَى، والأَبْرَصَ بإذنِ الله، والبَرَصُ مرضٌ يُصِيبُ الجلدَ ويكونُ على شكلِ بياضٍ يُغَطّي مِسَاحاتٍ من الجِسْمِ فَيَنْفِرُ الناسُ مِنْ صاحبِهِ، وخُصَّ هذانِ المرَضَانِ بالذِكْرِ لأنهما دَاءانِ مُعْضِلانِ، وكانَ الغالبُ على زَمَنِ سيدنا عيسى الطِبَّ، فأراهُمُ الله المعجزةَ على يديْ سيدنا عِيسى مِنْ جِنْسِ ذلكَ، وكانَ يُحْيِي الموْتَى بإذنِ الله، حتى قِيلَ إنهُ أحيا أربعةً من الخَلْقِ بمشيئةِ اللهِ وقدرتهِ، وكان سيدنا حزقيلُ قبل سيدنا عيسى أحيا ثمانيةً وهو نبيٌّ من أنبياءِ الله من بني إسرائيلَ كما أن سيدنا عيسى من بني إسرائيلَ.

ومن الذين أحياهُم سيدنا عيسى عليه السلام بإذنِ الله أحدُ أصدقائِه واسمُه عَازَرُ، إذ لمَّا مرضَ أرسلتْ أخْتُهُ إلى سيدنا عيسى عليهِ السلامُ أنَّ عازَرَ يموتُ فسارَ إليهِ وبينهما ثلاثةُ أيامٍ فوصلَ إليه فوجدَهُ قد ماتَ، فأَتى قبرَهُ فدعا الله عزَّ وجلَّ وقالَ قُمْ بإذنِ الله فقامَ عازرُ بإذنِ الله وعاشَ ووُلِدَ لهُ، ومنَ الذينَ أُحْيُوا بإذنِ الله على يَدَيْ سيدنا “عيسى المسيح” ابنُ العجوزِ فإنهُ مُرَّ بهِ محمولا على سريرِهِ فدَعَا له سيدنا “عيسى” عليه السلامُ أن يقوم بإذن الله، فقامَ ونزلَ عن أكتافِ الرجالِ ولَبِسَ ثيابَهُ ثم حَمَلَ سريرَهُ ورَجَعَ إلى أهلِهِ. وكذلك فَعَلَ مَعَ أحَدِ الملوكِ إذ كان محمولا وجرى معه ما جرى مع ابنِ العجوزِ.

ورُوِيَ أن سيدنا “عيسى” عليه السلامُ في إحيائهِ للموتى بإذنِ الله كان يَضرِبُ بعصاهُ الميِـّتَ أو القبرَ أو الجُمْجُمَةَ فيحيا الإنسانُ ويُكَلّمُهُ ويعيشُ.

ومن معجزاتِهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ كانَ يُنْبِئُ قومَهُ بما يأكلونَهُ ويدَّخِرُونَهُ في بيوتِهِمْ، وذلكَ أنه لما أَحْيا لهمُ الموتى بإذنِ الله طلبوا منه ءايةً أُخْرَى وقالوا: أَخبِرْنا بما نأكلُ في بيوتِنا وما ندَّخِرُ للغدِ، فأخبرَهُمْ، فقالَ: “يا فلانُ، أنتَ أكلتَ كذا وكذا، وأنتَ أكلتَ كذا وكذا وادّخرتَ كذا وكذا”.

والحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صله