يجوز الجهر بالتسبيح عقب الصلاة

يجوز الجهر بالتسبيح عقب الصلاة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ، صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيِّدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه من النبيين والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين

أما بعدُ، فقد قال اللهُ تبارك وتعالى في محكم التنزيل : ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ﴾ (سورة ءال عمران). صدق الله العظيم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَن رأى منكم منكرًا فليغيرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان » رواه مسلم.

قال رسول الله« إذا رأيتَ أُمّتي تَهاب أن تقولَ للظّالم يا ظَالم فقَد تُوُدِّع منهم » رواه الحاكم.

أنظر : أهميّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

نقول بتوفيق من الله: تحريم الذكر الجماعي أو الاجتماع على الذكر مخالف للدين معارض لما عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنبين ذلك إن شاء الله.

استحباب الدعاء عقب الصلوات المكتوبة

الدعاء عقب الصلوات المكتوبة مرغب فيه شرعا من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد روى الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: « قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل الأخير ودبر الصلاة المكتوبة » ومعنى أي الدعاء أسمع أي أقرب للإجابة، ومعنى دبر الصلاة المكتوبة أي بعد الصلاة المكتوبة.
وقد أخرج الطبري من رواية جعفر بن محمد الصادق قال : « الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة » ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في الفتح وسكت عنه في أثناء شرحه لكتاب الدعوات في صحيح البخاري (باب الدعاء بعد الصلاة)، ومما قاله ابن حجر رحمه الله في شرحه لهذا الباب: ” أي المكتوبة، وفي هذه الترجمة رد على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع ” انتهى كلامه رحمه الله. وتسمية البخاري رحمه الله لهذا الباب بهذا الاسم يدل على مشروعية الدعاء بعد الصلاة.

وقد أرشد كثير من العلماء إلى استحباب الدعاء بعد الصلاة المكتوبة في مصنفاتهم منهم الذين سبق ذكرهم وهم البخاري في جامعه وابن حجر في شرحه لصحيح البخاري والإمام ابن الجزري الدمشقي في كتابه (عدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين) ومنهم الإمام النووي في كتابه (الأذكار) وكتابه (المجموع شرح المهذب) وقد قال فيه: « فرع قد ذكرنا استحباب الذكر والدعاء للإمام والمأموم والمنفرد وهو مستحب عقب كل الصلوات بلا خلاف » ، فتأملوا رحمكم الله في قوله بلا خلاف.

ومن العلماء الذين نصوا على استحباب الدعاء بعد الصلاة الفقيه الحنبلي منصور البهوتي في كتابه (كشاف القناع على متن الإقناع) وابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه (المغني) ومنهم الإمام الونشريسي في كتابه (المعيار) وهو من علماء المالكية ، وغيرهم كثير ، هذا فيما يخص الدعاء على العموم.

أما بالنسبة للدعاء على وجه الخصوص ، فقد وردت كثير من الأحاديث النبوية الصحيحة التي ترغب في أدعية مخصوصة بعد الصلاة المكتوبة ، منها على سبيل المثال ما رواه البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة قال: « لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شي قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ».

ومنها ما رواه البخاري عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من دبر الصلاة بهؤلاء الكلمات: « اللهم إني أعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر ».

ومنها ما رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: « يا معاذ والله أني لأحبك » ثم قال « أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ».

وهذه الأدعية الواردة في هذه الأحاديث تستحب عقب كل صلاة مكتوبة من الصلوات الخمس كما يستحب عقب صلاة المغرب وعقب صلاة الصبح خاصة أن يضيف المصلي لما سبق الآتي: روى أبو داود عن مسلم بن الحارث رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أسر أليه فقال: « إذا انصرفت من صلاة المغرب فقل : اللهم أجرني من النار سبع مرات ، فإنك إن قلت ذلك ثم مت من ليلتك كتب لك جوار منها ، وإذا صليت الصبح فقل كذلك فإنك إن مت من يومك كتب لك جوار منها ».

وروى البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: « دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ قَالَ أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ فَدَعَا لأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا » الحديث. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاري : ” وفيه مشروعية الدعاء عقب الصلاة “.

وروى البخاري عن عمرو بن ميمون الأودي قال: « كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر ». فحدثت به مصعبا فصدقه .اهـ

وروى النسائي عن مسلم ابن أبي بكرة: أنه كان سمع والده يقول في دبر الصلاة اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر، فجعلت أدعو بهن فقال: يا بني إني علمت هؤلاء الكلمات؟ قلت: يا أبتي سمعتك تدعو بهن في دبر الصلاة فأخذتهن عنك، قال: فالزمهن يا بني، فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يدعوا بهن في دبر الصلاة.

حكم الجهر بالدعاء والذكر

بقيت مسألة تتعلق بالذكر جهرا والدعاء جماعة بعد الصلوات، فمن العلماء من كرهه ومنهم من أباحه ومنهم من قال إنه مستحب.

ولم يحرم ذلك على الإطلاق أحد من العلماء المعتبرين، فمن حرمه قيد ذلك بما إذا تسبب ذلك في تشويش على مصل أو قارئ للقرءان، وهذا لا يحصل بين ركعات التراويح.

فممن قال بالجواز المطلق منصور البهوتي الحنبلي كما في كتابه (كشاف القناع)، ووردت فتاوى لبعض علماء المالكية كذلك ذكرها الإمام الونشريسي في كتابه (المعيار)، ولا سيما إذا أراد الإمام تعليم المأمومين بأن الدعاء مشروع بعد الصلاة فيجهر بذلك ويبسط يديه كما قال الشافعي في كتابه الأم.

ونستأنس لذلك بما ورد عن الصحابي الجليل حبيب بن مسلمة الفهري، وكان مجاب الدعوة قال: سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: « لا يجتمع ملأ، فيدعو بعضهم، ويؤمن البعض، إلا أجابهم الله » رواه الحاكم.

وقد ورد في السنة ما يدل على الجهر بالذكر عقب الصلاة ؛ فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : « كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ » ، وفي لفظ : « كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بِالتَّكْبِيرِ ».

وروى النسائي في سننه بإسناد صحيح من حديث أُبَيِّ بن كعب وعبد الرحمن بن أَبْزَى رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ، فإذا سلّم قال : « سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ » ثلاثَ مرات ، زاد عبد الرحمن في حديثه : يرفع بها صوته ، وفي رواية : يرفع صوته بالثالثة. فلو لم يكن إلا هذا الحديث لكفى دليلا على جواز الجهر بالذكر بعد الصلاة.

ويكفي كذلك في بيان استحباب ذكر الله جماعة ما رواه مسلم والترمذي عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: « ما يجلسكم ؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده فقال: إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة » فكيف يكون ما مدحه الرسول صلى الله عليه وسلم بدعة سيئة ؟

وكذا ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه »، قال الإمام السيوطي في رسالته المسماة “نتيجة الفكر في الجهر بالذكر”: والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر.

من أقوال العلماء في الجهر بالدعاء والذكر

وقد ناقش الإمام النووي رحمه الله هذه المسألة منتصرا لمشروعيتها فقال في كتابه “المجموع شرح المهذب” ج3 ص 469 ما نصه: « (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا اسْتِحْبَابَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَقِبَ كُلِّ الصَّلَوَاتِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ أَوْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ مِنْ تَخْصِيصِ دُعَاءِ الْإِمَامِ بِصَلَاتَيْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ: إنْ كَانَتْ صَلَاةً لَا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا كَالصُّبْحِ وَالْعَصْرِ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ وَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ وَدَعَا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُتَنَفَّلُ بَعْدَهَا كَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَيُخْتَارُ أَنْ يَتَنَفَّلَ فِي مَنْزِلِهِ، وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ التَّخْصِيصِ لَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ الصَّوَابُ اسْتِحْبَابُهُ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى النَّاسِ فَيَدْعُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ». اهــ

وقد قال الشرنبلالي الحنفي في كتابه “مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح” في أمر الإسرار بالذكر والدعاء والجهر بهما ما نصه: « إن ذلك يختلف بحسب الأشخاص، والأحوال، والأوقات، والأغراض، فمتى خاف الرياء أو تأذى به أحد كان الإسرار أفضل، ومتى فُقِد ما ذُكِر كان الجهر أفضل » اهـ

قال العلامة الطحطاوي في حاشيته على مراقي الفلاح: « لا يمنع من الجهر بالذكر في المساجد احترازا عن الدخول تحت قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّـهِ أَن يُذْكَرَ‌ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَ‌ابِهَا ﴾ [البقرة /114]. وأورد الإمام الغزالي في كتابه “مكاشفة القلوب المقرّب إلى علام الغيوب” في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُ‌وا اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ﴾ [النساء/103]، قولَ ابن عباس رضي الله عنهما: ” أَيْ بالليل والنَّهار في البرِّ والبَحرِ والسَّفَر والحَضَر والغنى والفقر والمرض والصحة والسرّ والعلانية ” ».

ويقول الإمام الطاهر بن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير” ج 5 ص 1020 في تفسير الآية السابقة: « والمراد من الذكر هنا ذكر اللسان والتحميد، فَقَد كَانُوا فِي الأَمن يجلسونَ إلى أَن يَفرغُوا من التسبيح وَنَحوهِ، فرخّص لهم حين الخوف أن يذكروا الله على كل حال ».

ولشدة النـزاع في المسألة فقد خصص لها عدد من العلماء رسائل، منهم الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي الذي ألف رسالة أسماها “نتيجة الفكر في الجهر بالذكر”، وابن لب فرج بن قاسم المتوفي سنة 782هـــ كما في “نيل الابتهاج” وأشار إليه الشيخ عبد الصمد كنون المغربي في شرح العمل الفاسي ص140 واسم هذه الرسالة “لسان الأذكار والدعوات مما شرع في أدبار الصلوات” و نقل الونشريسي صاحب المعيار جزءا منها في المجلد الأول ص 297.

ومنهم الشيخ أحمد بن الصديق الغماري رحمه الله، والشيـخ محمـد هاشم التتوي السندي، والشيـخ محمـد بن عبد الرحمن الأهدل اليمني، وقد جمع هذه الرسائل الثلاث العلامة الشيخ عبد الفتاح أبوغدة ونشرها بعنوان: “ثلاث رسائل في استحباب الدعاء ورفع اليدين فيه بعد الصلوات المكتوبة” نشرها مكتب المطبوعات الإسلامية، وهي مما يتأكد الاطلاع عليها بالنسبة لأئمة المساجد خاصة.

كما نقل الونشريسي أجوبة لعدد من العلماء في هذه المسألة وبالكيفية الجاري بها العمل في المساجد عندنا، ومن هذه الأجوبة جواب ابن عرفة – رحمه الله – قال في آخره: « والله حسيب أقوام ظهر بعضهم ولا يعلم له شيخ، ولا لديهم مبادئ العلم الذي يفهم به كلام العرب والكتاب والسنة، يفتون في دين الله بغير نصوص السنة ».

فتوى دار الإفتاء المصرية

هذا وقد أثار الوهابية في مصر في بداية شهر رمضان الحالي نفس البلبلة التي أثاروها عندنا بسبب هذه المسألة، لكن دار الإفتاء المصرية لم تكتف بدور المتفرج كما في بلادنا وردت الفعل وأصدرت بيانا أجازت فيه أن يقوم المصلون بالذكر بين الركعات في صلاة التراويح في رمضان، مشيرة إلى أنه من المقرر شرعاً أن أمر الذكر والدعاء على السعة.

وأوضحت الفتوى أن الأمر المطلق يستلزم عموم الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة ؛ فإذا شرع الله تعالى أمراً على جهة الإطلاق وكان يحتمل في فعله وكيفية أدائه أكثر من وجه، فإنه يؤخذ على إطلاقه وسعته، ولا يصح تقييده بوجه دون وجه إلا بدليل ، وإلا كان ذلك بابًا من الابتداع في الدين بتضييق ما وسَّعَه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

وأضافت الفتوى أن التسبيح بخصوصه مستحب عقب الفراغ من الصلاة وعقب قيام الليل؛ فقد أمر الله تعالى به في قوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ﴾ [النساء/103].

واستندت الفتوى إلى ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفعله عقب الوتر ويرفـع به صوته الشريف؛ فقد روى النسائي في سننه بإسناد صحيح كما قدمنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ، فإذا سلّم قال : « سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ » ثلاثَ مرات ، زاد عبد الرحمن في حديثه: يرفع بها صوته.

وأشارت الفتوى إلى أنه من جهر بالتسبيح والدعاء فقد أصاب السُّنَّة ، ومن أسَرَّ أيضا فقد أصاب السُّنَّة ؛ فالكل فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا ينبغي أن نتحجر واسعا ، بل الصواب ترك الناس على سجاياهم ؛ فأيما جماعة في مسجد رأت أن تجهر فلها ذلك، وأيما جماعة أخرى تعودت على الإسرار فلها ذلك ، والعبرة في ذلك حيث يجد المسلم قلبه ، وليس لأحد أن ينكر على أخيه في ذلك ما دام الأمر واسعا.

وشددت الفتوى على أنه يجب على المسلمين أن لا يجعلوا ذلك مثار فرقة وخلاف بينهم ؛ فإنه لا إنكار في مسائل الخلاف ، والصواب في ذلك أيضًا ترك الناس على سجاياهم فمن شاء جهر ومن شاء أسر ؛ لأن أمر الذكر على السعة ، والعبرة فيه حيث يجد المسلم قلبه.

حديث: إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر

ونختم بهذا الحديث الذي رواه البخاري: « إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً وأكثر لك تسبيحاً، قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يسألونك الجنة، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم » فهذا الحديث شوكة في حلق كل مبتدع يحرم ما أحله الله.

الخلاصة

من شاء جهر بالذكر بعد الصلاة ومن شاء أسر، فهذا جائز وهذا جائز، فليتق الله الذين يفتون بغير علم ويحرمون ما أحل الله، لأنهم بذلك يفترون على الله وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب، وكفى به إثما مبينا، والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

مقالات ذات صله

  1. Sunni

    وأما ما روي عن الإمام مالك رحمه الله في كراهة الاجتماع للدعاء عقب الصلاة، فإنها كراهة مذهبية تزول بزوال دواعيها، كما أجيب عن ذلك بأجوبة أخرى كما نقل النفراوي في الفواكه الدواني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني فقال: ” قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ صِفَةِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِأَثَرِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ الذِّكْرُ، وَأَمَّا الِاشْتِغَالُ بِالدُّعَاءِ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ بِدْعَةٌ لَمْ يَرِدْ بِهِ عَمَلٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَلِذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ: كَرِهَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ الدُّعَاءَ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ، فَيَحْصُلُ لِلْإِمَامِ بِذَلِكَ نَوْعٌ مِنْ الْعَظَمَةِ بِسَبَبِ نَصْبِ نَفْسِهِ وَاسِطَةً بَيْنَ الرَّبِّ وَعَبْدِهِ مِنْ تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِمْ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الدُّعَاءِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ نَاجِي: قُلْت وَقَدْ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى جَوَازِهِ عِنْدَنَا بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ لَقِيته يُصَرِّحُ بِأَنَّ الدُّعَاءَ وَرَدَ الْحَثُّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ “. اهـــــ

  2. Sunni

    وأما أثر الصحابي ابن مسعود رضي الله عنه فلا حجة فيه من وجوه أكتفي بذكر بعض الأمور منها:

    – الأول: أنه لو ثبت فهو معارِضٌ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والاجتهاد لا يصح مع وجود نص.

    – الثاني: قال الإمام السيوطي: هذا الأثر عن ابن مسعود يحتاج إلى بيان سنده ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم وعلى تقدير ثبوته فهو معارض بالأحاديث الكثيرة الثابتة المتقدمة وهي مقدمة عليه عند التعارض. انتهى

    – الثالث: أن الصحابي أبا موسى الأشعري قال: وما رأيت إلا خيرا. وهو من مجتهدي الصحابة، فلو كان بدعة معروفة عندهم لأنكره من دون الرجوع إلى ابن مسعود، لكن العلة في أولئك الناس أنهم كانوا أصحاب أوصاف مذمومة ظهر شرهم فيما بعد كما تقول الرواية، هذا إن صحت الرواية ولا نص على صحتها.

التعليقات مغلقه