الرّد على من أنكر رؤية الله تعالى في الآخرة

الرّد على من أنكر رؤية الله تعالى في الآخرة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلَّى الله على رسول الله وسلَّم وعلى ءاله وأصحابه الطيبين وبعد.

فقد دل الكتاب والسنة على أن المؤمنين يرون ربهم سبحانه وتعالى في الجنة، وعلى ذلك أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل الهدى.

روى البخاري في صحيحه: “أَنَّ الناسَ قالوا يا رسولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ قَالَ هَلْ تُمارُونَ (وَالْمِرْيَةُ الشَّكُّ) فِي القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قالُوا لا يَا رَسُولَ اللهِ قالَ فَهَلْ تُمارُونَ في الشَّمسِ ليسَ دُونَها سَحَابٌ قَالُوا لا قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ” قالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ فِي فَتْحِ البَارِي : قَولُهُ (تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ) المرادُ تَشْبِيهُ الرُّؤيةِ بِالرُّؤْيَةِ فِي الوُضُوحِ وَزَوَالِ الشَّكِ ورَفْعِ الْمَشَقَّةِ والاختِلافِ وقالَ البيهقيُّ سَمِعْتُ الشيخَ أبَا الطَّيِّبِ الصُعْلُوكيَّ يَقُولُ ’’لا تَضامُّونَ’’ بِتَشديدِ الميمِ يُريدُ لا تَجْتَمِعُونَ لِرُؤْيَتِهِ فِي جِهَةٍ ولا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُ -أَيِ اللهَ- لا يُرَى في جِهَة” اهـ فَرُؤْيتُنا للهِ تعالَى لَيْسَتْ كَرُؤْيَةِ المخلوقاتِ في جِهَةِ أَمَامٍ أَوْ خَلْفٍ أَوْ فَوقٍ أو تَحتٍ أو يمينٍ أو شِمالٍ بَلْ يَرَاهُ المؤمِنُونَ مِنْ غَيرِ أَنْ يَكُونَ سبحانَهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكونَ في كُلِّ الجِهَاتِ لأَنَّ الجهاتِ كلَّهَا مَخْلُوقَةٌ خَلَقَهَا اللهُ وكانَ قَبْلَهَا بِلا جِهَةٍ وَالأَمَاكِنَ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ خلقَها اللهُ وكانَ قبلَهَا بِلا مَكَانٍ وَهُوَ بَعْدَ خَلْقِ الجِهَاتِ وَالأَمَاكِنِ لا يَتَغَيَّرُ مَوْجُودٌ بِلا جِهَةٍ وَلا مَكَانٍ.

وقال صلى الله عليه وسلم: “إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته” رواه مسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه رؤيتنا لله من حيث عدم الشك برؤية القمر ليلة البدر، ولم يشبه الله تعالى بالقمر. قال ابن منظور في كتابه لسان العرب: لا تَضامُّون في رؤيته، يعني رؤية الله عز وجل، أَي لا يَنْضَمُّ بعضُكم إلى بعضٍ، (لأنّ الله ليس في جهة ولا مكان) ويُروى: لا تُضامُّونَ، على صيغة ما لم يسم فاعله ويروى: تُضامُونَ، من الضَّيْم، وهو مذكور في موضعه؛ قال ابن الأَثير: يروى هذا الحديث بالتشديد والتخفيف، فالتشديد معناه لا يَنْضَمُّ بعضكم إلى بعض وتَزْدحمون وقتَ النظر إليه، قال: ويجوز ضم التاء وفتحها على تُفاعَلون وتَفاعَلون، ومعنى التخفيف لا يَنالكم ضَيمٌ في رؤْيته فيراه بعضُكم دون بعض. والضَّيْمُ: الظُّلْم.

قال الإمام المجتهد أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه -المتوفى سنة 150 هـ- أحد مشاهير علماء السلف إمام المذهب الحنفي ما نصه : “والله تعالى يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كميّة، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة” اهـ. ذكره في [الفقه الأكبر]، وانظر [شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري ص/ 136- 137].

وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه [الوصية]: “ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حق” اهـ.

قال : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي (773 – 852 هـ)، الملقب بـأمير المؤمنين في الحديث : لِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا عَقْلًا عُضْوٌ مَخْصُوصٌ وَلَا مُقَابَلَةٌ وَلَا قُرْبٌ ، وَإِنَّمَا تِلْكَ أُمُورٌ عَادِيَّةٌ يَجُوزُ حُصُولُ الْإِدْرَاكِ مَعَ عَدَمِهَا عَقْلًا ، وَلِذَلِكَ حَكَمُوا بِجَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خِلَافًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ لِوُقُوفِهِمْ مَعَ الْعَادَةِ .

قال أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ) في كتابه شرح صحيح مسلم – كِتَاب الْإِيمَانِ – رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين : اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِأَجْمَعِهِمْ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ عَقْلًا ، وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى وُقُوعِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ الْكَافِرِينَ . وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ : الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ ، وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ مُسْتَحِيلَةٌ عَقْلًا ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنَيْنِ ، وَرَوَاهَا نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ، وَآيَاتُ الْقُرْآنِ فِيهَا مَشْهُورَةٌ وَاعْتِرَاضَاتُ الْمُبْتَدِعَةِ عَلَيْهَا لَهَا أَجْوِبَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ بَاقِي شُبَهِهِمْ وَهِيَ مُسْتَقْصَاةٌ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ وَلَيْسَ بِنَا ضَرُورَةٌ إِلَى ذِكْرِهَا هُنَا ، وَأَمَّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهَا مُمْكِنَةٌ ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهَا لَا تَقَعُ فِي الدُّنْيَا ، وَحَكَمَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ فُورَكَ أَنَّهُ حَكَى فِيهَا قَوْلَيْنِ لِلْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ : أَحَدُهُمَا : وُقُوعُهَا ، وَالثَّانِي لَا تَقَعُ ، ثُمَّ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قُوَّةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا اتِّصَالُ الْأَشِعَّةِ وَلَا مُقَابَلَةُ الْمَرْئِيِّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ ، لَكِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ فِي رُؤْيَةِ بَعْضِنَا بَعْضًا بِوُجُودِ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاتِّفَاقِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ ، وَقَدْ قَرَّرَ أَئِمَّتُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ الْجَلِيَّةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتُ جِهَةٍ – تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ – بَلْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ لَا فِي جِهَةٍ كَمَا يَعْلَمُونَهُ لَا فِي جِهَةٍ .

وفي كتاب [توضيح العقيدة] وهو مقرر السنة الرابعة الإعدادية بالمعاهد الأزهرية بمصر، ما نصه: “فنراه تعالى منزَّهًا عن الجهة والمقابلة وسائر التكيفات، كما أنّا نؤمن ونعتقد أنه تعالى ليس في جهة ولا مقابلاً وليس جسما” اهـ.

وفي كتاب [العقيدة الإسلامية] الذي يدرّس في دولة الإمارات العربية ما نصه: “وأنه تعالى لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، تقدس عن أن يحويه مكان، كما تنزه عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن يخلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان” اهـ. وفيه أيضا ما نصه: “وإن عقيدة النجاة المنقذة من أوحال الشرك وضلالات الفرق الزائفة هي اعتقاد رؤيته تعالى في الآخرة للمؤمنين بلا كيف ولا تحديد ولا جهة ولا انحصار” اهـ. هذه عقيدة أهل الحق قاطبة. وما ورد من الفوقية والعلو في حق الله فهو علو قدر ومكانة وعظمة وليس علو مكان وحد والعياذ بالله! ومن اعتقد الجسم في حق الله أو أن الله يحويه مكان أو جهة فعليه ترك هذه العقيدة الكفرية والنطق بالشهادتين للسلامة من الكفر.

وهذهِ الرُّؤْيةُ لِلْمُؤْمنينَ بعدَ دُخولِهِمُ الجنَّةَ ثَابِتَةٌ فِي الشَّرعِ مُجْمَعٌ علَيْهَا بَيْنَ أهْلِ السُّنةِ والجماعةِ فَلا يَجوزُ نَفْيُها ويَدُلُّ علَى ذلكَ قولُ اللهِ تعالَى ﴿وُجوهٌ يومَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة/22ـ23]، وهذه الآية صريحة لا داعي لتأويلها ، فقد قال الإمام الرّازي في كتابه المحصول : لا يجوز التّأويل إلاّ لدليل عقليٍّ قاطع أو نقليٍّ ثابتٍ.

قال العلامةُ حُجةُ الإسلامِ أبو جعفرٍ الوراقُ الطحاويُّ (227-324): والرؤيةُ حق لأهلِ الجنة، بغيرِ إحاطةٍ ولا كيفيَّةٍ، كما نطقَ به كتابُ ربّنا: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَ‌ةٌ {٢٢} إِلَىٰ رَ‌بِّهَا نَاظِرَ‌ةٌ {٢٣} ﴾. قالَ الله تعالى : « وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً » [سورة طه آية 110]، فالمخلوقاتُ لا تعرفُ حَقيقةَ اللهِ، فَنحنُ لا نعْرفُ حَقيقةَ اللهِ إنَّما نعرفُ اللهَ بصِفاتهِ، وبِتَنزِيههِ عَنْ صِفَاتِ الخَلْقِ وعَنْ كُلِّ ما لا يليقُ بِهِ تَعَالى. أنظر: اللهُ مَوْجُودٌ بِلاَ كَيْفٍ وَلاَ مَكَان

والنظر إذا عُدِّي بإلى كان ظاهرا في نظر الأبصار، يقول العلامة اللغوي أبو منصور الأزهري (المتوفى: 370هـ) في كتابه تهذيب اللغة ( 14/371 ) : ” ومن قال: إن معنى قوله : { إلى ربها ناظرة }: بمعنى منتظرة فقد أخطأ، لأن العرب لا تقول : نظرت إلى الشيء بمعنى انتظرته، وإنما تقول : نظرت فلاناً، أي : انتظرته، ومنه قول الحُطَيْئة :

وقد نظرتكم أبناء صادرة للورد طال بها حوزي وتنساسي

فإذا قلت: نظرت إليه لم يكن إلا بالعين، وإذا قلت: نظرت في الأمر احتمل أن يكون تفكراً وتدبراً بالقلب ” ا.هـ.

قال اللغوي جمال الدين ابن منظور الأنصاري (المتوفى: 711هـ) : وقوله تعالى : وُجُوهٌ يومئذ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ؛ الأُولى بالضاد والأُخرى بالظاءِ؛ قال أَبو إِسحق: يقول نَضِرَت بِنَعِيم الجنة والنَّظَرِ إِلى ربها.

وقال الله تعالى : تَعْرِفُ في وُجُوههم نَضْرَةَ النَّعِيم ؛ قال أبو منصور : ومن قال إِن معنى قوله إِلى ربها ناظرة يعني منتظرة فقد أَخطأَ، لأَن العرب لا تقول نَظَرْتُ إِلى الشيء بمعنى انتظرته، إِنما تقول نَظَرْتُ فلاناً أَي انتظرته ؛ ومنه قول الحطيئة : نَظَرْتُكُمُ أَبْناءَ صَادِرَةٍ لِلْوِرْدِ، طَالَ بها حَوْزِي وتَنْساسِي وإِذا قلت نَظَرْتُ إِليه لم يكن إِلا بالعين، وإِذا قلت نظرت في الأَمر احتمل أَن يكون تَفَكُّراً فيه وتدبراً بالقلب.

قال الإمام العلَّامة أبو بكر محمد بن الحسن ابن فورك (المتوفى 406) في تفسيره : معنى {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} رائية، والنظر المقرون بالوجه وإلى في اللغة لا تكون إلاّ بمعنى الرؤية.

قال اللغوي الفيروز آبادي (ت817 هـ) في تفسيره تفسير القرآن عند تفسير سورة القيامة ءاية ٢٣ : { وُجُوهٌ } وجوه المؤمنين المصدقين في إيمانهم { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { نَّاضِرَةٌ } حسنة جميلة ناعمة { إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } ينظرون إلى وجه ربهم [أي إلى الله] لا يحجبون عنه { وَوُجُوهٌ } وجوه الكافرين والمنافقين { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { بَاسِرَةٌ } كالحة يحجبون عن رؤية ربهم لا ينظرون إليه.

وقال عند تفسير سورة المطففين ءاية ١٥ : { كَلاَّ } حقاً يا محمد { إِنَّهُمْ } يعني المكذبين بيوم الدين { عَن رَّبِّهِمْ } عن النظر إلى ربهم { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لَّمَحْجُوبُونَ } لممنوعون والمؤمنون لا يحجبون عن النظر إلى ربهم.

وقال عند تفسير الأعراف ءاية ١٤٣ : { وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا } لميعادنا بمدين { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ } طمع في الرؤية { قَالَ } الله { لَن تَرَانِي } لن تقدر أن تراني في الدنيا يا موسى.

فليس من شرط الرُّؤية الجسميّة وإنّما من شرط الرُّؤية الوجود. وكذلكَ قولُه صلى الله عليه وسلم فيمَا رواهُ مُسلمٌ في صَحِيحِه إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَومَ القِيامَةِ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ ليلَةَ البَدْرِ لا تَضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ” أَيْ لا تَتَزَاحمُونَ في رُؤْيَتِهِ وذَلكَ لأَنَّ رؤيةَ اللهِ لا تَكُونُ بِالْمُقَابَلَةِ والْمُواجهَةِ إِنَّما اللهُ يَكْشِفُ الحِجَابَ عَنْ أَبْصَارِ الْمُؤْمِنِينَ أَي يُعْطِي المؤمِنِينَ فِي أَبْصَارِهِمْ قُوَّةً يَرَوْنَ بِهَا اللهَ بِلا جِهَةٍ وَلا مَكَانٍ كَمَا نَبَّهَ علَى ذلكَ الإمامُ أبو حنيفَةَ رَضِيَ الله عنه فإنهُ قالَ “وَلِقَاءُ اللهِ لأَهْلِ الجنَّةِ ـ أَيْ رؤيَتُهُمْ للهِ ـ بِلا جِهَةٍ ولا تَشْبِيهٍ وَلا كَيْفٍ حَقٌّ”. وليسَ معنَى قولِهِ صلى الله عليه وسلم “إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَومَ القِيامَةِ كَمَا تَرَوْنَ القَمَرَ ليلَةَ البَدْرِ” أَنَّ اللهَ سبحانَهُ يُشبِهُ القَمَرَ حَاشَا وَكَلا إِنَّما النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شبَّهَ رُؤْيَتَنَا للهِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الشَّكِّ بِرُؤْيَةِ القَمَرِ ليلَةَ البَدْرِ وَلَمْ يُشَبِّهِ اللهَ تعالَى بِالقَمَرِ، فكمَا أَنَّ مُبْصِرَ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ لا يَشُكُّ أَنَّ الذِي رَءاهُ هُوَ القَمَرُ كذَلِكَ المؤمِنونَ عندَمَا يَرَوْنَ اللهَ تعالَى يرَوْنَهُ رُؤْيَةً لا يَكُونُ عليهِمْ فِيهَا اشْتِبَاهُ فَلا يَشُكُّونَ هلِ الذِي رَأَوْهُ هو اللهُ أَوْ غَيْرُه لأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ، هذَا معنَى الحدِيثِ.

هذَا التَّفْسيرُ الذِي ذَكَرْنَاهُ نَصَّ عليهِ عُلماءُ أَهلِ السنةِ والجماعةِ وهو يُفْهَمُ مِنْ رِوايَةِ البُخَارِيِّ لِهَذَا الحديثِ فَفِيهِ “أَنَّ الناسَ قالوا يا رسولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ قَالَ هَلْ تُمارُونَ ـ وَالْمِرْيَةُ الشَّكُّ ـ فِي القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قالُوا لا يَا رَسُولَ اللهِ قالَ فَهَلْ تُمارُونَ في الشَّمسِ ليسَ دُونَها سَحَابٌ قَالُوا لا قَالَ فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ” قالَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ فِي فَتْحِ البَارِي : قَولُهُ (تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ) المرادُ تَشْبِيهُ الرُّؤيةِ بِالرُّؤْيَةِ فِي الوُضُوحِ وَزَوَالِ الشَّكِ ورَفْعِ الْمَشَقَّةِ والاختِلافِ وقالَ البيهقيُّ سَمِعْتُ الشيخَ أبَا الطَّيِّبِ الصُعْلُوكيَّ يَقُولُ ’’لا تَضامُّونَ’’ بِتَشديدِ الميمِ يُريدُ لا تَجْتَمِعُونَ لِرُؤْيَتِهِ فِي جِهَةٍ ولا يَنْضَمُّ بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُ –أَيِ اللهَ- لا يُرَى في جِهَة” اهـ

قال تعالى : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس آية 26] فقد ورد في حديث صهيب تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالرؤية، كما روى ذلك مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال : يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ ﴾).

قال الإمام النسفي (ت 710 هـ) في تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل عند تفسير سورة يونس آية 26:
{ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } آمنوا بالله ورسله { ٱلْحُسْنَىٰ } المثوبة الحسنى وهي الجنة { وَزِيَادَةٌ } رؤية الرب عز وجل كذا عن أبي بكر وحذيفة وابن عباس وأبي موسى الأشعري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم، وفي بعض التفاسير أجمع المفسرون على أن الزيادة النظر إلى الله تعالى. وعن صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا دخل أهل الجنة يقول الله تبارك وتعالى: أتريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ ـ قال: ـ فنرفع الحجاب فينظرون إلى الله تعالى فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ” ثم تلا ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ

فَرُؤْيتُنا للهِ تعالَى لَيْسَتْ كَرُؤْيَةِ المخلوقاتِ في جِهَةِ أَمَامٍ أَوْ خَلْفٍ أَوْ فَوقٍ أو تَحتٍ أو يمينٍ أو شِمالٍ بَلْ يَرَاهُ المؤمِنُونَ مِنْ غَيرِ أَنْ يَكُونَ سبحانَهُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَكونَ في كُلِّ الجِهَاتِ لأَنَّ الجهاتِ كلَّهَا مَخْلُوقَةٌ خَلَقَهَا اللهُ وكانَ قَبْلَهَا بِلا جِهَةٍ وَالأَمَاكِنَ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ خلقَها اللهُ وكانَ قبلَهَا بِلا مَكَانٍ وَهُوَ بَعْدَ خَلْقِ الجِهَاتِ وَالأَمَاكِنِ لا يَتَغَيَّرُ مَوْجُودٌ بِلا جِهَةٍ وَلا مَكَانٍ.

قال الإمام المجتهد أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه -المتوفى سنة 150 هـ- أحد مشاهير علماء السلف إمام المذهب الحنفي ما نصه : “والله تعالى يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كميّة، ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة” اهـ. ذكره في [الفقه الأكبر]، وانظر [شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري ص/ 136- 137].

وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في كتابه [الوصية] : “ولقاء الله تعالى لأهل الجنة بلا كيف ولا تشبيه ولا جهة حق” اهـ.

وفي كتاب [توضيح العقيدة] وهو مقرر السنة الرابعة الإعدادية بالمعاهد الأزهرية بمصر، ما نصه: “فنراه تعالى منزَّهًا عن الجهة والمقابلة وسائر التكيفات، كما أنّا نؤمن ونعتقد أنه تعالى ليس في جهة ولا مقابلاً وليس جسما” اهـ.

وفي كتاب [العقيدة الإسلامية] الذي يدرّس في دولة الإمارات العربية ما نصه : “وأنه تعالى لا يحل في شيء ولا يحل فيه شيء، تقدس عن أن يحويه مكان، كما تنزه عن أن يحده زمان، بل كان قبل أن يخلق الزمان والمكان وهو الآن على ما عليه كان” اهـ. وفيه أيضا ما نصه : “وإن عقيدة النجاة المنقذة من أوحال الشرك وضلالات الفرق الزائفة هي اعتقاد رؤيته تعالى في الآخرة للمؤمنين بلا كيف ولا تحديد ولا جهة ولا انحصار” اهـ. هذه عقيدة أهل الحق قاطبة. وما ورد من الفوقية والعلو في حق الله فهو علو قدر ومكانة وعظمة وليس علو مكان وحد والعياذ بالله ! ومن اعتقد الجسم في حق الله أو أن الله يحويه مكان أو جهة فعليه ترك هذه العقيدة الكفرية والنطق بالشهادتين للسلامة من الكفر.

قال أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي (المتوفى: 710هـ) في تفسيره مدارك التنزيل وحقائق التأويل : { وُجُوهٌ } هي وجوه المؤمنين { يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } حسنة ناعمة { إِلَىٰ رَبّهَا نَاظِرَةٌ } بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة. وحمل النظر على الانتظار لأمر ربها أو لثوابه لا يصح لأنه يقال: نظرت فيه أي تفكرت، ونظرته انتظرته، ولا يعدى بـ «إلى» إلا بمعنى الرؤية مع أنه لا يليق الانتظار في دار القرار.

وقال : ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ ﻳﺪﺭﻙ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ اﻟﻠﻄﻴﻒ اﻟﺨﺒﻴﺮ (103) {ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ} ﻻ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﻪ ﺃﻭ ﺃﺑﺼﺎﺭ ﻣﻦ ﺳﺒﻖ ﺫﻛﺮﻫﻢ ﻭﺗﺸﺒﺚ اﻟﻤﻌﺘﺰﻟﺔ ﺑﻬﺬﻩ اﻵﻳﺔ ﻻ يستَتِبُّ ﻷﻥ اﻟﻤﻨﻔﻲ ﻫﻮ اﻹﺩﺭاﻙ ﻻ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻭاﻹﺩﺭاﻙ ﻫﻮ اﻟﻮﻗﻮﻑ ﻋﻠﻰ ﺟﻮاﻧﺐ اﻟﻤﺮﺋﻲ ﻭﺣﺪﻭﺩﻩ ﻭﻣﺎ ﻳﺴﺘﺤﻴﻞ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺤﺪﻭﺩ ﻭاﻟﺠﻬﺎﺕ ﻳﺴﺘﺤﻴﻞ ﺇﺩﺭاﻛﻪ ﻻ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﻓﻨﺰﻝ اﻹﺩﺭاﻙ ﻣﻦ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻣﻨﺰﻟﺔ اﻹﺣﺎﻃﺔ ﻣﻦ اﻟﻌﻠﻢ ﻭﻧﻔﻰ اﻹﺣﺎﻃﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﻘﺘﻀﻲ اﻟﻮﻗﻮﻑ ﻋﻠﻰ اﻟﺠﻮاﻧﺐ ﻭاﻟﺤﺪﻭﺩ ﻻ ﻳﻘﺘﻀﻰ ﻧﻔﻰ اﻟﻌﻠﻢ ﺑﻪ ﻓﻬﻜﺬا ﻫﺬا ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﻮﺭﺩ اﻵﻳﺔ ﻭﻫﻮ اﻟﺘﻤﺪﺡ ﻳﻮﺟﺐ ﺛﺒﻮﺕ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﺇﺫ ﻧﻔﻲ ﺇﺩﺭاﻙ ﻣﺎ ﺗﺴﺘﺤﻴﻞ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﻻ ﺗﻤﺪﺡ ﻓﻴﻪ ﻷﻥ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻻﻳﺮﻯ ﻻ ﻳﺪﺭﻙ ﻭﺇﻧﻤﺎ اﻟﺘﻤﺪﺡ ﺑﻨﻔﻲ اﻹﺩﺭاﻙ ﻣﻊ ﺗﺤﻘﻴﻖ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﺇﺫ اﻧﺘﻔﺎﺅﻩ ﻣﻊ ﺗﺤﻘﻖ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﺩﻟﻴﻞ اﺭﺗﻔﺎﻉ ﻧﻘﻴﺼﺔ اﻟﺘﻨﺎﻫﻲ ﻭاﻟﺤﺪﻭﺩ ﻋﻦ اﻟﺬاﺕ ﻓﻜﺎﻧﺖ اﻵﻳﺔ ﺣﺠﺔ ﻟﻨﺎ ﻋﻠﻬﻴﻢ. ولو أمعنوا اﻟﻨﻈﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﻻﻏﺘﻨﻤﻮا اﻟﺘﻘﺼﻲ ﻋﻦ ﻋﻬﺪﺗﻬﺎ، ومن ينفي الرؤية يلزمه نفي أنه معلوم موجود وإلا فكما يعلم موجوداً بلا كيفية وجهة بخلاف كل موجود لم يجز أن يرى بلا كيفية وجهة بخلاف كل مرئي، وهذا لأن الرؤية تحقق الشيء بالبصر كما هو، فإن كان المرئي في الجهة يرى فيها وإن كان لا في الجهة يرى لا فيها { وَهُوَ } للطف إدراكه { يُدْرِكُ الأَبْصَـٰرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ } أي العالم بدقائق الأمور ومشكلاتها { الْخَبِيرُ } العليم بظواهر الأشياء وخفياتها وهو من قبيل اللف والنشر.

وقال : فلما سمع كلامه طمع في رؤيته لغلبة شوقه فسأل الرؤية بقوله { قال ربّ أرني أنظر إليك } ثاني مفعولي { أرني } محذوف أي أرني ذاتك أنظر إليك يعني مكني من رؤيتك بأن تتجلى لي حتى أراك { أرني } مكني. وبكسر الراء مختلسة : أبو عمرو، وبكسر الراء مشبعة : غيرهما وهو دليل لأهل السنة على جواز الرؤية، فإن موسى عليه السلام اعتقد أن الله تعالى يرى حتى سأله واعتقاد جواز ما لا يجوز على الله كفر { قال لن تراني } بالسؤال بعين فانية بل بالعطاء والنوال بعين باقية، وهو دليل لنا أيضا لأنه لم يقل لن أرى ليكون نفياً للجواز، ولو لم يكن مرئياً لأخبر به بأنه ليس بمرئي إذ الحالة حالة الحاجة إلى البيان { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه } بقي على حاله { فسوف تراني } وهو دليل لنا أيضاً لأنه علق الرؤية باستقرار الجبل وهو ممكن، وتعليق الشيء بما هو ممكن يدل على إمكانه كالتعليق بالممتنع يدل على امتناعه، والدليل على أنه ممكن قوله { جعله دكاً } ولم يقل «اندك» وما أوجده تعالى كان جائزاً أن لا يوجد لو لم يوجده لأنه مختار في فعله، ولأنه تعالى ما أيأسه عن ذلك ولا عاتبه عليه ولو كان ذلك محالاً لعاتبه كما عاتب نوحاً عليه السلام بقوله : { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } [هود: 46] حيث سأل إنجاء ابنه من الغرق. { فلمّا تجلّىٰ ربّه للجبل } أي ظهر وبان ظهوراً بلا كيف. قال الشيخ أبو منصور رحمه الله : معنى التجلي للجبل ما قاله الأشعري إنه تعالى خلق في الجبل حياة وعلماً ورؤية حتى رأى ربه، وهذا نص في إثبات كونه مرئياً، وبهذه الوجزة يتبين جهل منكري الرؤية وقولهم بأن موسى عليه السلام كان عالماً بأنه لا يرى ولكن طلب قومه أن يريهم ربه كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهره } [البقرة: 55] فلطلب الرؤية ليبين الله تعالى أنه ليس بمرئي باطل إذ لو كان كما زعموا لقال أرهم ينظروا إليك ثم يقول له: لن يروني. ولأنها لو لم تكن جائزة لما أخر موسى عليه السلام الرد عليهم بل كان يرد عليهم وقت قرع كلامهم سماعه لما فيه من التقرير على الكفر، وهو عليه السلام بعث لتغييره لا لتقريره، ألا ترى أنهم لما قالوا له { اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة } لم يمهلهم بل رد عليهم من ساعته بقوله { إنكم قوم تجهلون }.

وقال في تفسير سورة البقرة ءاية ٥٥ {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} : وتعلقت المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية لأنه لو كان جائز الرؤية لما عذبوا بسؤال ما هو جائز الثبوت. قلنا : إنما عوقبوا بكفرهم لأن قولهم : إنك رأيت الله فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة كفر منهم. ولأنهم امتنعوا عن الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يروا ربهم جهرة، والإيمان بالانبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم ولا يجوز اقتراح الآيات عليهم. ولأنهم لم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت وعناد.

قال البغوي (ت 516 هـ) في تفسيره معالم التنزيل عند تفسير سورة الأنعام ءاية ١٠٣ {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} : وأمّا قوله: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَـٰرُ} فاعلم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو : الوقوف على كُنهِ الشيء والإحاطة به والرؤية : المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك، قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام : { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ }
[الشعراء: 61 ء 62]، وقال : { لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ } [طه: 77]، فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، فالله عزّ وجلّ يجوز أن يُرى من غير إدراك وإحاطة كما يُعرف في الدنيا ولا يُحاط به، قال الله تعالى : { وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } [طه: 110]، فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم، قال سعيد بن المسيَّب : لا تُحيط به الأبصار، وقال عطاء : كلّتْ أبصار المخلوقين عن الإحاطة به، وقال ابن عباس ومقاتل : لا تُدركه الأبصار في الدنيا، وهو يُرى في الآخرة.

وقال في تفسير سورة الأعراف ءاية ١٤٣ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ : قال السدي: .. وتعلقت نفاة الرؤية بظاهر هذه الآية، وقالوا : قال الله تعالى { لَن تَرَانِى } ، ولن تكون للتأبيد، ولا حجّة لهم فيها، ومعنى الآية : لن تراني في الدنيا أو في الحال، لإنه كان يسأل الرؤية في الحال و ” لن “ لا تكون للتأبيد ؛ كقوله تعالىٰ : { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً } [البقرة: 95]، إخباراً عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنّون الموت في الآخرة ؛ كما قال الله تعالى : { يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } [الزخرف: 77]، { يٰلَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ } [الحاقة: 27]، والدليل عليه أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية وأنه لم يقل إني لا أُرى حتى تكون لهم حجة بل علّق الرؤية على استقرار الجبل واستقرار الجبل عند التجلّي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوّة، والمُعلَّق بما لا يستحيل لا يكون محالاً.

وقال في تفسير سورة المطففين ءاية ١٥ : { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لَّمَحْجُوبُونَ } ، ..قال أكثر المفسرين : عن رؤيته.
قال الحسن : لو علم الزاهدون العابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا.
قال الحسين بن الفضل : كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
وسئل مالك عن هذه الآية فقال : لما حجب الله أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه.
وقال الشافعي رضي الله عنه في قوله : { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } : دلالة على أن أولياء الله يرون الله.

يقول محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفى: 1393هـ) في تفسيره التحرير والتنوير عند تفسير قوله تعالى : {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [سورة الأنعام ءاية ١٠٣] : “ﻭﻻ ﺩﻻﻟﺔ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻵﻳﺔ ﻋﻠﻰ اﻧﺘﻔﺎء ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ اﻟﻠﻪ ﻳﺮﻯ ﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ، ﻛﻤﺎ ﺗﻤﺴﻚ ﺑﻪ ﻧﻔﺎﺓ اﻟﺮﺅﻳﺔ” ثم قال : “ﻋﻦ ﻣﺎﻟﻚ- ﺭﺣﻤﻪ اﻟﻠﻪ- « ﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﺮ اﻟﻤﺆﻣﻨﻮﻥ ﺭﺑﻬﻢ ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﻟﻢ ﻳﻌﻴﺮ اﻟﻜﻔﺎﺭ ﺑﺎﻟﺤﺠﺎﺏ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﻛﻼ ﺇﻧﻬﻢ ﻋﻦ ﺭﺑﻬﻢ ﻳﻮﻣﺌﺬ ﻟﻤﺤﺠﻮﺑﻮﻥ [اﻟﻤﻄﻔﻔﻴﻦ: 15] . ﻭﻋﻨﻪ ﺃﻳﻀﺎ « ﻟﻢ ﻳﺮ اﻟﻠﻪ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻷﻧﻪ ﺑﺎﻕ ﻭﻻ ﻳﺮﻯ اﻟﺒﺎﻗﻲ ﺑﺎﻟﻔﺎﻧﻲ، ﻓﺈﺫا ﻛﺎﻥ ﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ ﻭﺭﺯﻗﻮا ﺃﺑﺼﺎﺭا ﺑﺎﻗﻴﺔ ﺭﺃﻭا اﻟﺒﺎﻗﻲ ﺑﺎﻟﺒﺎﻗﻲ ». ” …وَلَا نَشُكُّ فِي أَنَّهُ سَأَلَ رُؤْيَةً تَلِيقُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ مِثْلُ الرُّؤْيَةِ الْمَوْعُودِ بِهَا فِي الْآخِرَةِ.

وقال عند تفسير سورة البقرة ءاية ٥٥ {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} : …ﻭﺑﻪ ﺗﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﺇﺻﺎﺑﺔ اﻟﺼﺎﻋﻘﺔ ﻟﻬﻢ ﺩﻻﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺭﺅﻳﺔ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻣﺴﺘﺤﻴﻠﺔ … ﻛﻴﻒ ﻭﻗﺪ ﺳﺄﻝ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻣﻮﺳﻰ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ.

وقال عند تفسير سورة النساء ءاية ١٥٣ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ : ﻭﻫﻢ ﻟﻤﺎ ﺳﺄﻟﻮا ﻣﻮﺳﻰ ﺃﻥ ﻳﺮﻳﻬﻢ اﻟﻠﻪ ﺟﻬﺮﺓ ﻣﺎ ﺃﺭاﺩﻭا اﻟﺘﻴﻤﻦ ﺑﺎﻟﻠﻪ، ﻭﻻ اﻟﺘﻨﻌﻢ ﺑﺎﻟﻤﺸﺎﻫﺪﺓ، ﻭﻟﻜﻨﻬﻢ ﺃﺭاﺩﻭا ﻋﺠﺒﺎ ﻳﻨﻈﺮﻭﻧﻪ، ﻓﻠﺬﻟﻚ ﻗﺎﻟﻮا : ﺃﺭﻧﺎ اﻟﻠﻪ ﺟﻬﺮﺓ، ﻭﻟﻢ ﻳﻘﻮﻟﻮا : ﻟﻴﺘﻨﺎ ﻧﺮﻯ ﺭﺑﻨﺎ. ﻭﺟﻬﺮﺓ ﺿﺪ ﺧﻔﻴﺔ، ﺃﻱ ﻋﻠﻨﺎ، ﻓﻴﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺻﻔﺔ ﻟﻠﺮﺅﻳﺔ اﻟﻤﺴﺘﻔﺎﺩﺓ ﻣﻦ (ﺃﺭﻧﺎ) ، ﻭﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺣﺎﻻ ﻣﻦ اﻟﻤﺮﻓﻮﻉ ﻓﻲ (ﺃﺭﻧﺎ) : ﺃﻱ ﺣﺎﻝ ﻛﻮﻧﻚ ﻣﺠﺎﻫﺮا ﻟﻨﺎ ﻓﻲ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﻏﻴﺮ ﻣﺨﻒ ﺭﺅﻳﺘﻪ. ﻭاﺳﺘﻄﺮﺩ ﻫﻨﺎ ﻣﺎ ﻟﺤﻘﻬﻢ ﻣﻦ ﺟﺮاء ﺳﺆاﻟﻬﻢ ﻫﺬﻩ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻭﻣﺎ ﺗﺮﺗﺐ ﻋﻠﻴﻪ ﻓﻘﺎﻝ: ﻓﺄﺧﺬﺗﻬﻢ اﻟﺼﺎﻋﻘﺔ ﺑﻈﻠﻤﻬﻢ، ﻭﻫﻮ ﻣﺎ ﺣﻜﺎﻩ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﺳﻮﺭﺓ اﻟﺒﻘﺮﺓ [55] ﺑﻘﻮﻟﻪ: ﻓﺄﺧﺬﺗﻜﻢ اﻟﺼﺎﻋﻘﺔ ﻭﺃﻧﺘﻢ ﺗﻨﻈﺮﻭﻥ. ﻭﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺇﺭﻫﺎﺑﺎ ﻟﻬﻢ ﻭﺯﺟﺮا، ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻗﺎﻝ: ﺑﻈﻠﻤﻬﻢ. ﻭاﻟﻈﻠﻢ ﻫﻮ اﻟﻤﺤﻜﻲ ﻓﻲ ﺳﻮﺭﺓ اﻟﺒﻘﺮﺓ ﻣﻦ اﻣﺘﻨﺎﻋﻬﻢ ﻣﻦ ﺗﺼﺪﻳﻖ ﻣﻮﺳﻰ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻳﺮﻭا اﻟﻠﻪ ﺟﻬﺮﺓ، ﻭﻟﻴﺲ اﻟﻈﻠﻢ ﻟﻤﺠﺮﺩ ﻃﻠﺐ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻷﻥ ﻣﻮﺳﻰ ﻗﺪ ﺳﺄﻝ ﻣﺜﻞ ﺳﺆاﻟﻬﻢ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ : ﺣﻜﺎﻩ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺑﻘﻮﻟﻪ: ﻭﻟﻤﺎ ﺟﺎء ﻣﻮﺳﻰ ﻟﻤﻴﻘﺎﺗﻨﺎ ﻭﻛﻠﻤﻪ ﺭﺑﻪ ﻗﺎﻝ ﺭﺏ ﺃﺭﻧﻲ ﺃﻧﻈﺮ ﺇﻟﻴﻚ اﻵﻳﺔ ﻓﻲ ﺳﻮﺭﺓ اﻷﻋﺮاﻑ [143] .

قال شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ) في تفسيره الجامع لأحكام القرآن : [ﺳﻮﺭﺓ اﻷﻧﻌﺎﻡ (6) : ﺁﻳﺔ 103] ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ ﻳﺪﺭﻙ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ اﻟﻠﻄﻴﻒ اﻟﺨﺒﻴﺮ (103) ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ : ” ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ” ﺑﻴﻦ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﺃﻧﻪ ﻣﻨﺰﻩ ﻋﻦ ﺳﻤﺎﺕ اﻟﺤﺪﻭﺙ، ﻭﻣﻨﻬﺎ اﻹﺩﺭاﻙ ﺑﻤﻌﻨﻰ اﻹﺣﺎﻃﺔ ﻭاﻟﺘﺤﺪﻳﺪ، ﻛﻤﺎ ﺗﺪﺭﻙ ﺳﺎﺋﺮ اﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺎﺕ، ﻭاﻟﺮﺅﻳﺔ ﺛﺎﺑﺘﺔ. ﻓﻘﺎﻝ اﻟﺰﺟﺎﺝ : ﺃﻱ ﻻ ﻳﺒﻠﻎ ﻛﻨﻪ ﺣﻘﻴﻘﺘﻪ، ﻛﻤﺎ ﺗﻘﻮﻝ: ﺃﺩﺭﻛﺖ ﻛﺬا ﻭﻛﺬا، ﻷﻧﻪ ﻗﺪ ﺻﺢ ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ اﻷﺣﺎﺩﻳﺚ ﻓﻲ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ. ﻭﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ : ” ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ” ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻭﻳﺮاﻩ اﻟﻤﺆﻣﻨﻮﻥ ﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ، ﻹﺧﺒﺎﺭ اﻟﻠﻪ ﺑﻬﺎ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ : ” ﻭﺟﻮﻩ ﻳﻮﻣﺌﺬ * ﻧﺎﺿﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺭﺑﻬﺎ ﻧﺎﻇﺮﺓ “ ﻭﻗﺎﻝ اﻟﺴﺪﻱ. ﻭﻫﻮ ﺃﺣﺴﻦ ﻣﺎ ﻗﻴﻞ ﻟﺪﻻﻟﺔ اﻟﺘﻨﺰﻳﻞ ﻭاﻷﺧﺒﺎﺭ اﻟﻮاﺭﺩﺓ ﺑﺮﺅﻳﺔ اﻟﻠﻪ ﻓﻲ اﻟﺠﻨﺔ. ﻭﺳﻴﺄﺗﻲ ﺑﻴﺎﻧﻪ ﻓﻲ” ﻳﻮﻧﺲ “. ﻭﻗﻴﻞ : “ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ” ﻻ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﻪ ﻭﻫﻮ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﻬﺎ، ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﺃﻳﻀﺎ. ﻭﻗﻴﻞ : اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ ﺃﺑﺼﺎﺭ اﻟﻘﻠﻮﺏ، ﺃﻱ ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻟﻌﻘﻮﻝ ﻓﺘﺘﻮﻫﻤﻪ، ﺇﺫ ” ﻟﻴﺲ ﻛﻤﺜﻠﻪ ﺷﻲء “ ﻭﻗﻴﻞ اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ اﻟﻤﺨﻠﻮﻗﺔ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ، ﻟﻜﻨﻪ ﻳﺨﻠﻖ ﻟﻤﻦ ﻳﺮﻳﺪ ﻛﺮاﻣﺘﻪ ﺑﺼﺮا ﻭﺇﺩﺭاﻛﺎ ﻳﺮاﻩ ﻓﻴﻪ ﻛﻤﺤﻤﺪ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ، ﺇﺫ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﺟﺎﺋﺰﺓ ﻋﻘﻼ، ﺇﺫ ﻟﻮ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺟﺎﺋﺰﺓ ﻟﻜﺎﻥ ﺳﺆاﻝ ﻣﻮﺳﻰ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ ﻣﺴﺘﺤﻴﻼ، ﻭﻣﺤﺎﻝ ﺃﻥ ﻳﺠﻬﻞ ﻧﺒﻲ ﻣﺎ ﻳﺠﻮﺯ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻭﻣﺎ ﻻ ﻳﺠﻮﺯ، ﺑﻞ ﻟﻢ ﻳﺴﺄﻝ ﺇﻻ ﺟﺎﺋﺰا ﻏﻴﺮ ﻣﺴﺘﺤﻴﻞ.

وقال (ﻗﺎﻝ ﺭﺏ ﺃﺭﻧﻲ ﺃﻧﻈﺮ ﺇﻟﻴﻚ) ﺳﺄﻝ اﻟﻨﻈﺮ ﺇﻟﻴﻪ، ﻭاﺷﺘﺎﻕ ﺇﻟﻰ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﻟﻤﺎ ﺃﺳﻤﻌﻪ ﻛﻼﻣﻪ. ﻓ (ﻗﺎﻝ ﻟﻦ ﺗﺮاﻧﻲ) ﺃﻱ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ. ﻭﻻ ﻳﺠﻮﺯ اﻟﺤﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﺃﺭاﺩ : ﺃﺭﻧﻲ ﺁﻳﺔ ﻋﻈﻴﻤﺔ ﻷﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻗﺪﺭﺗﻚ، ﻷﻧﻪ ﻗﺎﻝ “ﺇﻟﻴﻚ” ﻭ ” ﻗﺎﻝ ﻟﻦ ﺗﺮاﻧﻲ”. ﻭﻟﻮ ﺳﺄﻝ ﺁﻳﺔ ﻷﻋﻄﺎﻩ اﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﺳﺄﻝ، ﻛﻤﺎ ﺃﻋﻄﺎﻩ ﺳﺎﺋﺮ اﻵﻳﺎﺕ. ﻭﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﻟﻤﻮﺳﻰ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻘﻨﻊ ﻋﻦ ﻃﻠﺐ ﺁﻳﺔ ﺃﺧﺮﻯ، ﻓﺒﻄﻞ ﻫﺬا اﻟﺘﺄﻭﻳﻞ. (ﻭﻟﻜﻦ اﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ اﻟﺠﺒﻞ ﻓﺈﻥ اﺳﺘﻘﺮ ﻣﻜﺎﻧﻪ ﻓﺴﻮﻑ ﺗﺮاﻧﻲ) ﺿﺮﺏ ﻟﻪ ﻣﺜﺎﻻ ﻣﻤﺎ ﻫﻮ ﺃﻗﻮﻯ ﻣﻦ ﺑﻨﻴﺘﻪ ﻭﺃﺛﺒﺖ. ﺃﻱ ﻓﺈﻥ ﺛﺒﺖ اﻟﺠﺒﻞ ﻭﺳﻜﻦ ﻓﺴﻮﻑ ﺗﺮاﻧﻲ، ﻭﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﺴﻜﻦ ﻓﺈﻧﻚ ﻻ ﺗﻄﻴﻖ ﺭﺅﻳﺘﻲ، ﻛﻤﺎ ﺃﻥ اﻟﺠﺒﻞ ﻻ ﻳﻄﻴﻖ ﺭﺅﻳﺘﻲ. ﻭﺫﻛﺮ اﻟﻘﺎﺿﻲ ﻋﻴﺎﺽ ﻋﻦ اﻟﻘﺎﺿﻲ ﺃﺑﻲ ﺑﻜﺮ ﺑﻦ اﻟﻄﻴﺐ ﻣﺎ ﻣﻌﻨﺎﻩ : ﺃﻥ ﻣﻮﺳﻰ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ ﺭﺃﻯ اﻟﻠﻪ ﻓﻠﺬﻟﻚ ﺧﺮ ﺻﻌﻘﺎ، ﻭﺃﻥ اﻟﺠﺒﻞ ﺭﺃﻯ ﺭﺑﻪ ﻓﺼﺎﺭ ﺩﻛﺎ ﺑﺈﺩﺭاﻙ ﺧﻠﻘﻪ اﻟﻠﻪ ﻟﻪ. ﻭاﺳﺘﻨﺒﻂ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻪ : “ﻭﻟﻜﻦ اﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ اﻟﺠﺒﻞ ﻓﺈﻥ اﺳﺘﻘﺮ ﻣﻜﺎﻧﻪ ﻓﺴﻮﻑ ﺗﺮاﻧﻲ”. ﺛﻢ ﻗﺎﻝ (ﻓﻠﻤﺎ ﺗﺠﻠﻰ ﺭﺑﻪ ﻟﻠﺠﺒﻞ ﺟﻌﻠﻪ ﺩﻛﺎ ﻭﺧﺮ ﻣﻮﺳﻰ ﺻﻌﻘﺎ) ﻭﺗﺠﻠﻰ ﻣﻌﻨﺎﻩ ﻇﻬﺮ، ﻣﻦ ﻗﻮﻟﻚ : ﺟﻠﻮﺕ اﻟﻌﺮﻭﺱ ﺃﻱ ﺃﺑﺮﺯﺗﻬﺎ. ﻭﺟﻠﻮﺕ اﻟﺴﻴﻒ ﺃﺑﺮﺯﺗﻪ ﻣﻦ اﻟﺼﺪﺃ، ﺟﻼء ﻓﻴﻬﻤﺎ. ﻭﺗﺠﻠﻰ اﻟﺸﻲء اﻧﻜﺸﻒ. ﻭﻗﻴﻞ : ﺗﺠﻠﻰ ﺃﻣﺮﻩ ﻭﻗﺪﺭﺗﻪ، ﻗﺎﻟﻪ ﻗﻄﺮﺏ ﻭﻏﻴﺮﻩ…

ﻓﻠﻤﺎ ﺃﻓﺎﻕ ﻗﺎﻝ ﺳﺒﺤﺎﻧﻚ ﺗﺒﺖ ﺇﻟﻴﻚ ﻗﺎﻝ ﻣﺠﺎﻫﺪ : ﻣﻦ ﻣﺴﺄﻟﺔ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ. ﻭﻗﻴﻞ: ﺳﺄﻝ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ اﺳﺘﺌﺬاﻥ، ﻓﻠﺬﻟﻚ ﺗﺎﺏ. ﻭﻗﻴﻞ: ﻗﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺟﻬﺔ اﻹﻧﺎﺑﺔ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ ﻭاﻟﺨﺸﻮﻉ ﻟﻪ ﻋﻨﺪ ﻇﻬﻮﺭ اﻵﻳﺎﺕ. ﻭﺃﺟﻤﻌﺖ اﻷﻣﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ اﻟﺘﻮﺑﺔ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻦ ﻣﻌﺼﻴﺔ، ﻓﺈﻥ اﻷﻧﺒﻴﺎء ﻣﻌﺼﻮﻣﻮﻥ. ﻭﺃﻳﻀﺎ ﻋﻨﺪ ﺃﻫﻞ اﻟﺴﻨﺔ ﻭاﻟﺠﻤﺎﻋﺔ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﺟﺎﺋﺰﺓ. ﻭﻋﻨﺪ اﻟﻤﺒﺘﺪﻋﺔ ﺳﺄﻝ ﻷﺟﻞ اﻟﻘﻮﻡ ﻟﻴﺒﻴﻦ ﻟﻬﻢ ﺃﻧﻬﺎ ﻏﻴﺮ ﺟﺎﺋﺰﺓ، ﻭﻫﺬا ﻻ ﻳﻘﺘﻀﻲ اﻟﺘﻮﺑﺔ. ﻓﻘﻴﻞ: ﺃﻱ ﺗﺒﺖ ﺇﻟﻴﻚ ﻣﻦ ﻗﺘﻞ اﻟﻘﺒﻄﻲ، ﺫﻛﺮﻩ اﻟﻘﺸﻴﺮﻱ. ﻭﻗﺪ ﻣﻀﻰ ﻓﻲ” اﻷﻧﻌﺎﻡ ” ﺑﻴﺎﻥ ﺃﻥ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﺟﺎﺋﺰﺓ. ﻗﺎﻝ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﻣﻬﺪﻱ اﻟﻄﺒﺮﻱ: ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﺳﺆاﻝ ﻣﻮﺳﻰ ﻣﺴﺘﺤﻴﻼ ﻣﺎ ﺃﻗﺪﻡ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻊ ﻣﻌﺮﻓﺘﻪ ﺑﺎﻟﻠﻪ، ﻛﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﺠﺰ ﺃﻥ ﻳﻘﻮﻝ ﻟﻪ ﻳﺎ ﺭﺏ ﺃﻟﻚ ﺻﺎﺣﺒﺔ ﻭﻭﻟﺪ. ﻭﺳﻴﺄﺗﻲ ﻓﻲ” اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ” ﻣﺬﻫﺐ اﻟﻤﻌﺘﺰﻟﺔ ﻭاﻟﺮﺩ ﻋﻠﻴﻬﻢ، ﺇﻥ ﺷﺎء اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ. ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: (ﻭﺃﻧﺎ ﺃﻭﻝ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ) ﻗﻴﻞ: ﻣﻦ ﻗﻮﻣﻲ. ﻭﻗﻴﻞ: ﻣﻦ ﺑﻨﻲ ﺇﺳﺮاﺋﻴﻞ ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻌﺼﺮ. ﻭﻗﻴﻞ: ﺑﺄﻧﻚ ﻻ ﺗﺮﻯ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻟﻮﻋﺪﻙ اﻟﺴﺎﺑﻖ، ﻓﻲ ﺫﻟﻚ.

وقال عند تفسير [ﺳﻮﺭﺓ اﻟﺒﻘﺮﺓ (2) : اﻵﻳﺎﺕ 55 اﻟﻰ 56] ﻭﺇﺫ ﻗﻠﺘﻢ ﻳﺎ ﻣﻮﺳﻰ ﻟﻦ ﻧﺆﻣﻦ ﻟﻚ ﺣﺘﻰ ﻧﺮﻯ اﻟﻠﻪ ﺟﻬﺮﺓ ﻓﺄﺧﺬﺗﻜﻢ اﻟﺼﺎﻋﻘﺔ ﻭﺃﻧﺘﻢ ﺗﻨﻈﺮﻭﻥ (55) ﺛﻢ ﺑﻌﺜﻨﺎﻛﻢ ﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﻣﻮﺗﻜﻢ ﻟﻌﻠﻜﻢ ﺗﺸﻜﺮﻭﻥ (56) ﻓﻴﻪ ﺧﻤﺲ ﻣﺴﺎﺋﻞ : اﻻﻭﻟﻰ- ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ : (ﻭﺇﺫ ﻗﻠﺘﻢ) ﻣﻌﻄﻮﻑ” ﻳﺎ ﻣﻮﺳﻰ ” ﻧﺪاء ﻣﻔﺮﺩ” ﻟﻦ ﻧﺆﻣﻦ ﻟﻚ” ﺃﻱ ﻧﺼﺪﻗﻚ” ﺣﺘﻰ ﻧﺮﻯ اﻟﻠﻪ ﺟﻬﺮﺓ” ﻗﻴﻞ: ﻫﻢ اﻟﺴﺒﻌﻮﻥ اﻟﺬﻳﻦ اﺧﺘﺎﺭﻫﻢ ﻣﻮﺳﻰ ﻭﺫﻟﻚ ﺃﻧﻬﻢ ﻟﻤﺎ ﺃﺳﻤﻌﻬﻢ ﻛﻼﻡ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻗﺎﻟﻮا ﻟﻪ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ” ﻟﻦ ﻧﺆﻣﻦ ﻟﻚ” [اﻟﺒﻘﺮﺓ: 55] ﻭاﻹﻳﻤﺎﻥ ﺑﺎﻷﻧﺒﻴﺎء ﻭاﺟﺐ ﺑﻌﺪ ﻇﻬﻮﺭ ﻣﻌﺠﺰاﺗﻬﻢ ﻓﺄﺭﺳﻞ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻧﺎﺭا ﻣﻦ اﻟﺴﻤﺎء ﻓﺄﺣﺮﻗﻬﻢ ﺛﻢ ﺩﻋﺎ ﻣﻮﺳﻰ ﺭﺑﻪ ﻓﺄﺣﻴﺎﻫﻢ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ” ﺛﻢ ﺑﻌﺜﻨﺎﻛﻢ ﻣﻦ ﺑﻌﺪ ﻣﻮﺗﻜﻢ” [اﻟﺒﻘﺮﺓ: 56] ﻭﺳﺘﺄﺗﻲ ﻗﺼﺔ اﻟﺴﺒﻌﻴﻦ ﻓﻲ اﻷﻋﺮاﻑ ﺇﻥ ﺷﺎء اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﻓﻮﺭﻙ ﻳﺤﺘﻤﻞ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﻌﺎﻗﺒﺘﻬﻢ ﻹﺧﺮاﺟﻬﻢ ﻃﻠﺐ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻘﻪ ﺑﻘﻮﻟﻬﻢ ﻟﻤﻮﺳﻰ” ﺃﺭﻧﺎ اﻟﻠﻪ ﺟﻬﺮﺓ” [اﻟﻨﺴﺎء: 153] ﻭﻟﻴﺲ ﺫﻟﻚ ﻣﻦ ﻣﻘﺪﻭﺭ ﻣﻮﺳﻰ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ. ﻭﻗﺪ اﺧﺘﻠﻒ ﻓﻲ ﺟﻮاﺯ ﺭﺅﻳﺔ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﺄﻛﺜﺮ اﻟﻤﺒﺘﺪﻋﺔ ﻋﻠﻰ ﺇﻧﻜﺎﺭﻫﺎ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭاﻵﺧﺮﺓ. ﻭﺃﻫﻞ اﻟﺴﻨﺔ ﻭاﻟﺴﻠﻒ ﻋﻠﻰ ﺟﻮاﺯﻫﺎ ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻭﻭﻗﻮﻋﻬﺎ ﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ ﻓﻌﻠﻰ ﻫﺬا ﻟﻢ ﻳﻄﻠﺒﻮا ﻣﻦ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻣﺤﺎﻻ ﻭﻗﺪ ﺳﺄﻟﻬﺎ ﻣﻮﺳﻰ ﻋﻠﻴﻪ اﻟﺴﻼﻡ. ﻭﺳﻴﺄﺗﻲ اﻟﻜﻼﻡ ﻓﻲ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻓﻲ” اﻷﻧﻌﺎﻡ” ﻭ” اﻷﻋﺮاﻑ” ﺇﻥ ﺷﺎء اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ.

قال محمد بن جرير الطبري (المتوفى: 310هـ) في تفسيره جامع البيان عن تأويل آي القرآن : اﻟﻘﻮﻝ ﻓﻲ ﺗﺄﻭﻳﻞ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ : {ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ ﻳﺪﺭﻙ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ اﻟﻠﻄﻴﻒ اﻟﺨﺒﻴﺮ (103) } ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺟﻌﻔﺮ: اﺧﺘﻠﻒ ﺃﻫﻞ اﻟﺘﺄﻭﻳﻞ ﻓﻲ ﺗﺄﻭﻳﻞ ﻗﻮﻟﻪ : “ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ ﻳﺪﺭﻙ اﻷﺑﺼﺎﺭ”. ﻓﻘﺎﻝ ﺑﻌﻀﻬﻢ : ﻣﻌﻨﺎﻩ ﻻ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ، ﻭﻫﻮ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﻬﺎ. * ﺫﻛﺮ ﻣﻦ ﻗﺎﻝ ﺫﻟﻚ : – ﺣﺪﺛﻨﻲ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺳﻌﺪ ﻗﺎﻝ، ﺣﺪﺛﻨﻲ ﺃﺑﻲ ﻗﺎﻝ، ﺣﺪﺛﻨﻲ ﻋﻤﻲ ﻗﺎﻝ، ﺣﺪﺛﻨﻲ ﺃﺑﻲ، ﻋﻦ ﺃﺑﻴﻪ، ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻗﻮﻟﻪ : “ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ ﻳﺪﺭﻙ اﻷﺑﺼﺎﺭ” ، ﻳﻘﻮﻝ : ﻻ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﺼﺮ ﺃﺣﺪ ﺑﺎﻟﻤﻠﻚ. – ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺑﺸﺮ ﻗﺎﻝ، ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻳﺰﻳﺪ ﻗﺎﻝ، ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺳﻌﻴﺪ، ﻋﻦ ﻗﺘﺎﺩﺓ ﻗﻮﻟﻪ : “ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ ﻳﺪﺭﻙ اﻷﺑﺼﺎﺭ” ، ﻭﻫﻮ ﺃﻋﻈﻢ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ. – ﺣﺪﺛﻨﻲ ﺳﻌﺪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﺤﻜﻢ ﻗﺎﻝ، ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺧﺎﻟﺪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ اﻟﺮﺣﻤﻦ ﻗﺎﻝ، ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺃﺑﻮ ﻋﺮﻓﺠﺔ، ﻋﻦ ﻋﻄﻴﺔ اﻟﻌﻮﻓﻲ ﻓﻲ ﻗﻮﻟﻪ : (ﻭﺟﻮﻩ ﻳﻮﻣﺌﺬ ﻧﺎﺿﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺭﺑﻬﺎ ﻧﺎﻇﺮﺓ) [ﺳﻮﺭﺓ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ : 22-23] ، ﻗﺎﻝ: ﻫﻢ ﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ، ﻻ ﺗﺤﻴﻂ ﺃﺑﺼﺎﺭﻫﻢ ﺑﻪ ﻣﻦ ﻋﻈﻤﺘﻪ، ﻭﺑﺼﺮﻩ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﻬﻢ، ﻓﺬﻟﻚ ﻗﻮﻟﻪ : “ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ” ، اﻵﻳﺔ.

ﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﺟﻌﻔﺮ : ﻭاﻋﺘﻞ ﻗﺎﺋﻠﻮ ﻫﺬﻩ اﻟﻤﻘﺎﻟﺔ ﻟﻘﻮﻟﻬﻢ ﻫﺬا، ﺑﺄﻥ ﻗﺎﻟﻮا : ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻗﺎﻝ : ” ﺣﺘﻰ ﺇﺫا ﺃﺩﺭﻛﻪ اﻟﻐﺮﻕ ﻗﺎﻝ ﺁﻣﻨﺖ ” ، (2) [ﻳﻮﻧﺲ: 90] ﻗﺎﻟﻮا : ﻓﻮﺻﻒ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺫﻛﺮﻩ اﻟﻐﺮﻕ ﺑﺄﻧﻪ ﺃﺩﺭﻙ ﻓﺮﻋﻮﻥ، ﻭﻻ ﺷﻚ ﺃﻥ اﻟﻐﺮﻕ ﻏﻴﺮ ﻣﻮﺻﻮﻑ ﺑﺄﻧﻪ ﺭﺁﻩ، ﻭﻻ ﻫﻮ ﻣﻤﺎ ﻳﺠﻮﺯ ﻭﺻﻔﻪ ﺑﺄﻧﻪ ﻳﺮﻯ ﺷﻴﺌﺎ. ﻗﺎﻟﻮا : ﻓﻤﻌﻨﻰ ﻗﻮﻟﻪ : “ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ” ﺑﻤﻌﻨﻰ : ﻻ ﺗﺮاﻩ، ﺑﻌﻴﺪ. ﻷﻥ اﻟﺸﻲء ﻗﺪ ﻳﺪﺭﻙ اﻟﺸﻲء ﻭﻻ ﻳﺮاﻩ، ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺟﻞ ﺛﻨﺎﺅﻩ ﻣﺨﺒﺮا ﻋﻦ ﻗﻴﻞ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﻣﻮﺳﻰ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻟﻤﻮﺳﻰ ﺣﻴﻦ ﻗﺮﺏ ﻣﻨﻬﻢ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﻓﺮﻋﻮﻥ : (ﻓﻠﻤﺎ ﺗﺮاءﻯ اﻟﺠﻤﻌﺎﻥ ﻗﺎﻝ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﻣﻮﺳﻰ ﺇﻧﺎ ﻟﻤﺪﺭﻛﻮﻥ) ، [ﺳﻮﺭﺓ اﻟﺸﻌﺮاء: 61] ، ﻷﻥ اﻟﻠﻪ ﻗﺪ ﻛﺎﻥ ﻭﻋﺪ ﻧﺒﻴﻪ ﻣﻮﺳﻰ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺃﻧﻬﻢ ﻻ ﻳﺪﺭﻛﻮﻥ، ﻟﻘﻮﻟﻪ : (ﻭﻟﻘﺪ ﺃﻭﺣﻴﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﻮﺳﻰ ﺃﻥ ﺃﺳﺮ ﺑﻌﺒﺎﺩﻱ ﻓﺎﺿﺮﺏ ﻟﻬﻢ ﻃﺮﻳﻘﺎ ﻓﻲ اﻟﺒﺤﺮ ﻳﺒﺴﺎ ﻻ ﺗﺨﺎﻑ ﺩﺭﻛﺎ ﻭﻻ ﺗﺨﺸﻰ) ، [ﺳﻮﺭﺓ ﻃﻪ: 77] . ﻗﺎﻟﻮا : ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ اﻟﺸﻲء ﻗﺪ ﻳﺮﻯ اﻟﺸﻲء ﻭﻻ ﻳﺪﺭﻛﻪ، ﻭﻳﺪﺭﻛﻪ ﻭﻻ ﻳﺮاﻩ، ﻓﻜﺎﻥ ﻣﻌﻠﻮﻣﺎ ﺑﺬﻟﻚ ﺃﻥ ﻗﻮﻟﻪ : “ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ” ، ﻣﻦ ﻣﻌﻨﻰ : ﻻ ﺗﺮاﻩ اﻷﺑﺼﺎﺭ، ﺑﻤﻌﺰﻝ ﻭﺃﻥ ﻣﻌﻨﻰ ﺫﻟﻚ : ﻻ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ، ﻷﻥ اﻹﺣﺎﻃﺔ ﺑﻪ ﻏﻴﺮ ﺟﺎﺋﺰﺓ. ﻗﺎﻟﻮا : ﻓﺎﻟﻤﺆﻣﻨﻮﻥ ﻭﺃﻫﻞ اﻟﺠﻨﺔ ﻳﺮﻭﻥ ﺭﺑﻬﻢ ﺑﺄﺑﺼﺎﺭﻫﻢ، ﻭﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ ﺃﺑﺼﺎﺭﻫﻢ، ﺑﻤﻌﻨﻰ : ﺃﻧﻬﺎ ﻻ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﻪ، ﺇﺫ ﻛﺎﻥ ﻏﻴﺮ ﺟﺎﺋﺰ ﺃﻥ ﻳﻮﺻﻒ اﻟﻠﻪ ﺑﺄﻥ ﺷﻴﺌﺎ ﻳﺤﻴﻂ ﺑﻪ. ﻗﺎﻟﻮا : ﻭﻧﻈﻴﺮ ﺟﻮاﺯ ﻭﺻﻔﻪ ﺑﺄﻧﻪ ﻳﺮﻯ ﻭﻻ ﻳﺪﺭﻙ، ﺟﻮاﺯ ﻭﺻﻔﻪ ﺑﺄﻧﻪ ﻳﻌﻠﻢ ﻭﻻ ﻳﺤﺎﻁ ﺑﻌﻠﻤﻪ، ﻭﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺟﻞ ﺛﻨﺎﺅﻩ : (ﻭﻻ ﻳﺤﻴﻄﻮﻥ ﺑﺸﻲء ﻣﻦ ﻋﻠﻤﻪ ﺇﻻ ﺑﻤﺎ ﺷﺎء) [ﺳﻮﺭﺓ اﻟﺒﻘﺮﺓ: 255] . ﻗﺎﻟﻮا : ﻓﻨﻔﻰ ﺟﻞ ﺛﻨﺎﺅﻩ ﻋﻦ ﺧﻠﻘﻪ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻧﻮا ﻳﺤﻴﻄﻮﻥ ﺑﺸﻲء ﻣﻦ ﻋﻠﻤﻪ ﺇﻻ ﺑﻤﺎ ﺷﺎء. ﻗﺎﻟﻮا : ﻭﻣﻌﻨﻰ “اﻟﻌﻠﻢ” ﻓﻲ ﻫﺬا اﻟﻤﻮﺿﻊ، اﻟﻤﻌﻠﻮﻡ. ﻗﺎﻟﻮا : ﻓﻠﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻲ ﻧﻔﻴﻪ ﻋﻦ ﺧﻠﻘﻪ ﺃﻥ ﻳﺤﻴﻄﻮا ﺑﺸﻲء ﻣﻦ ﻋﻠﻤﻪ ﺇﻻ ﺑﻤﺎ ﺷﺎء، ﻧﻔﻲ ﻋﻦ ﺃﻥ ﻳﻌﻠﻤﻮﻩ. ﻗﺎﻟﻮا : ﻓﺈﺫا ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻲ ﻧﻔﻲ اﻹﺣﺎﻃﺔ ﺑﺎﻟﺸﻲء ﻋﻠﻤﺎ ﻧﻔﻲ ﻟﻠﻌﻠﻢ ﺑﻪ، ﻛﺎﻥ ﻛﺬﻟﻚ، ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻲ ﻧﻔﻲ ﺇﺩﺭاﻙ اﻟﻠﻪ ﻋﻦ اﻟﺒﺼﺮ، ﻧﻔﻲ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﻟﻪ. ﻗﺎﻟﻮا : ﻭﻛﻤﺎ ﺟﺎﺯ ﺃﻥ ﻳﻌﻠﻢ اﻟﺨﻠﻖ ﺃﺷﻴﺎء ﻭﻻ ﻳﺤﻴﻄﻮﻥ ﺑﻬﺎ ﻋﻠﻤﺎ، ﻛﺬﻟﻚ ﺟﺎﺋﺰ ﺃﻥ ﻳﺮﻭا ﺭﺑﻬﻢ ﺑﺄﺑﺼﺎﺭﻫﻢ ﻭﻻ ﻳﺪﺭﻛﻮﻩ ﺑﺄﺑﺼﺎﺭﻫﻢ، ﺇﺫ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﻨﻰ “اﻟﺮﺅﻳﺔ” ﻏﻴﺮ ﻣﻌﻨﻰ “اﻹﺩﺭاﻙ”، ﻭﻣﻌﻨﻰ “اﻹﺩﺭاﻙ” ﻏﻴﺮ ﻣﻌﻨﻰ “اﻟﺮﺅﻳﺔ”، ﻭﺃﻥ ﻣﻌﻨﻰ “اﻹﺩﺭاﻙ”، ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ اﻹﺣﺎﻃﺔ، ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻓﻲ اﻟﺨﺒﺮ اﻟﺬﻱ ﺫﻛﺮﻧﺎﻩ ﻗﺒﻞ.

قال أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي (المتوفى: 745هـ) في تفسيره البحر المحيط : ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ ﻳﺪﺭﻙ اﻷﺑﺼﺎﺭ اﻹﺩﺭاﻙ ﻗﻴﻞ ﻣﻌﻨﺎﻩ اﻹﺣﺎﻃﺔ ﺑﺎﻟﺸﻲء ﻭﺑﺬﻟﻚ ﻓﺴﺮﻩ ﻫﻨﺎ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻭﻗﺘﺎﺩﺓ ﻭﻋﻄﻴﺔ اﻟﻌﻮﻓﻲ ﻭاﺑﻦ اﻟﻤﺴﻴﺐ ﻭاﻟﺰﺟﺎﺝ، ﻗﺎﻝ اﺑﻦ اﻟﻤﺴﻴﺐ ﻻ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ، ﻭﻗﺎﻝ اﻟﺰﺟﺎﺝ : ﻻ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﺤﻘﻴﻘﺘﻪ ﻭاﻹﺩﺭاﻙ ﻳﺘﻀﻤﻦ اﻹﺣﺎﻃﺔ ﺑﺎﻟﺸﻲء ﻭاﻟﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺃﻋﻤﺎﻗﻪ ﻭﺣﻮﺯﻩ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺟﻬﺎﺗﻪ ﺃﻭ ﻛﻨﻰ ﺑﺎﻷﺑﺼﺎﺭ ﻋﻦ اﻷﺷﺨﺎﺹ ﻷﻥ ﺑﻬﺎ ﺗﺪﺭﻙ اﻷﺷﺨﺎﺹ اﻷﺷﻴﺎء، ﻭﻛﺎﻥ اﻟﻤﻌﻨﻰ ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻟﺨﻠﻖ ﻭﻫﻮ ﻳﺪﺭﻛﻬﻢ ﺃﻭ ﻳﻜﻮﻥ اﻟﻤﻌﻨﻰ ﺇﺑﺼﺎﺭ اﻟﻘﻠﺐ ﺃﻱ ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ ﻋﻠﻮﻡ اﻟﺨﻠﻖ ﻭﻫﻮ ﻳﺪﺭﻙ ﻋﻠﻮﻣﻬﻢ ﻭﺫﻭاﺗﻬﻢ، ﻷﻧﻪ ﻏﻴﺮ ﻣﺤﺎﻁ ﺑﻪ ﻭﻫﻮ ﻋﻠﻰ ﻫﺬا ﻣﺴﺘﺤﻴﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﺪ اﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻭﻻ ﺗﻨﺎﻓﻲ اﻟﺮﺅﻳﺔ اﻧﺘﻔﺎء اﻹﺩﺭاﻙ… ﻗﺎﻝ اﻟﻤﺎﺗﺮﻳﺪﻱ : ﻭﻫﻮ ﻳﺪﺭﻙ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﺩﻻﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ اﻹﺩﺭاﻙ ﻻ ﻳﺮاﺩ ﺑﻪ ﻫﻨﺎ ﻣﺠﺮﺩ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﺇﺫ ﻟﻮ ﻛﺎﻥ ﻣﺠﺮﺩ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺑﺬﻟﻚ اﺧﺘﺼﺎﺹ ﻭﻻ ﺗﻤﺪﺡ، ﻷﻧﺎ ﻧﺤﻦ ﻧﺮﻯ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻓﺪﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻣﻌﻨﻰ اﻹﺩﺭاﻙ اﻹﺣﺎﻃﺔ ﺑﺤﻘﻴﻘﺔ اﻟﺸﻲء ﻓﻬﻮ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻻ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﺤﻘﻴﻘﺘﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ ﻣﺤﻴﻂ ﺑﺤﻘﻴﻘﺘﻬﺎ… ﻭﺗﻈﺎﻓﺮﺕ اﻷﺧﺒﺎﺭ ﻋﻦ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺑﺮﺅﻳﺔ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ اﻟﻠﻪ ﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ.

قال أبو حيان الأندلسي (ت 754 هـ) في تفسيره البحر المحيط عند تفسير سورة البقرة ءاية ٥٥ {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} : وقال أهل السنة: [الله يُرى] لا مقابلاً، ولا محاذياً، ولا متمكناً، ولا متحيزاً، ولا متلوناً، ولا على صورة ولا هيئة، ولا على اجتماع وجسمية، بل يراه المؤمنون، يعلمون أنه بخلاف المخلوقات كما علموه كذلك قبل. وقد استفاضت الأحاديث الصحيحة الثابتة في رؤية الله تعالى، فوجب المصير إليها. […] وليس في الآية ما يدل على ما ذهب إليه الزمخشري من استحالة الرؤية، لكن عادته تحميل الألفاظ ما لا تدل عليه، خصوصاً ما يجر إلى مذهبه الإعتزالي، نعوذ بالله من العصبية فيما لا ينبغي.

قال إبراهيم أبو إسحاق الزجاج (المتوفى: 311هـ) في تفسيره معاني القرآن وإعرابه : ﻗﻮﻟﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ : (ﻻ ﺗﺪﺭﻛﻪ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ ﻳﺪﺭﻙ اﻷﺑﺼﺎﺭ ﻭﻫﻮ اﻟﻠﻄﻴﻒ اﻟﺨﺒﻴﺮ (103) … ﻓﺎﻷﺑﺼﺎﺭ ﻻ ﺗﺤﻴﻂ ﺑﻪ (ﻭﻫﻮ اﻟﻠﻄﻴﻒ اﻟﺨﺒﻴﺮ). ﻓﺄﻣﺎ ﻣﺎ ﺟﺎء ﻣﻦ اﻷﺧﺒﺎﺭ ﻓﻲ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻭﺻﺢ ﻋﻦ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﻓﻐﻴﺮ ﻣﺪﻓﻮﻉ. ﻭﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻵﻳﺔ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺩﻓﻌﻪ، ﻷﻥ ﻣﻌﻨﻰ ﻫﺬﻩ اﻵﻳﺔ ﻣﻌﻨﻰ ﺇﺩﺭاﻙ اﻟﺸﻲء ﻭاﻹﺣﺎﻃﺔ ﺑﺤﻘﻴﻘﺘﻪ. ﻭﻫﺬا ﻣﺬﻫﺐ ﺃﻫﻞ اﻟﺴﻨﺔ ﻭاﻟﻌﻠﻢ ﻭاﻟﺤﺪﻳﺚ.

قال إبراهيم أبو إسحاق الزجاج (المتوفى : 311هـ) في تفسيره معاني القرآن وإعرابه : ﻭﻗﻮﻟﻪ ﺟﻞ ﺛﻨﺎﺅﻩ : {ﻛﻼ ﺇﻧﻬﻢ ﻋﻦ ﺭﺑﻬﻢ ﻳﻮﻣﺌﺬ ﻟﻤﺤﺠﻮﺑﻮﻥ (15)} ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻵﻳﺔ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ اﻟﻠﻪ ﻳﺮﻯ ﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ، ﻟﻮﻻ ﺫﻟﻚ ﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻵﻳﺔ ﻓﺎﺋﺪﺓ، ﻭﻻ [ﺧﺴﺖ] ﻣﻨﺰﻟﺔ اﻟﻜﻔﺎﺭ ﺑﺄﻧﻬﻢ ﻳﺤﺠﺒﻮﻥ ﻋﻦ اﻟﻠﻪ – ﻋﺰ ﻭﺟﻞ – ﻭﻗﺎﻝ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ : {ﻭﺟﻮﻩ ﻳﻮﻣﺌﺬ ﻧﺎﺿﺮﺓ (22) ﺇﻟﻰ ﺭﺑﻬﺎ ﻧﺎﻇﺮﺓ (23)} . ﻓﺄﻋﻠﻢ اﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ﺃﻥ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ، ﻭﺃﻥ اﻟﻜﻔﺎﺭ ﻳﺤﺠﺒﻮﻥ ﻋﻨﻪ .

قال جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ) في تفسيره زاد المسير في علم التفسير : قوله تعالى : { وجوه يومئذ ناضرة } أي : مشرقة بالنعيم { إلى ربها ناظرة } روى عطاء عن ابن عباس قال : إلى الله ناظرة. قال الحسن: حق لها أن تَنْضَر وهي تنظر إلى الخالق، وهذا مذهب عكرمة. ورؤية الله عز وجل حق لا شك فيها. والأحاديث فيها صحاح، قد ذكرتُ جملة منها في «المغني» و«الحدائق».

وقال : { قال رب أرني أنظر إليك } أي : أرني نفسك. قوله تعالى : { قال لن تراني } تعلق بهذا نُفاة الرؤية وقالوا : «لن» لنفي الأبد، وذلك غلط، لأنها قد وردت وليس المراد بها الأبد في قوله : { ولن يتمنَّوه أبداً بما قدمت أيديهم }[البقرة: 95] ثم أخبر عنهم بتمنِّيه في النار بقوله : { يا مالك ليقض علينا ربك } [الزخرف: 77] ولأن ابن عباس قال في تفسيرها : لن تراني في الدنيا. وقال غيره : هذا جواب لقول موسى : «أرني» ولم يُرد : أرني في الآخرة، وإنما أراد في الدنيا، فأُجيب عما سأل. وقال بعضهم : لن تراني بسؤالك. وفي هذه الآية دلالة على جواز الرؤية، لأن موسى مع علمه بالله تعالى، سألها، ولو كانت مما يستحيل لما جاز لموسى أن يسألها، ولا يجوز أن يجهل موسى مثل ذلك، لأن معرفة الأنبياء بالله ليس فيها نقص، ولأن الله تعالى لم ينكر عليه المسألة وإنما منعه من الرؤية، ولو استحالت عليه لقال : «لا أُرى»، ألا ترى أن نوحا لما قال : { إن ابني من أهلي } [هود: 45] أنكر عليه بقوله : { إِنه ليس من أهلك } [هود: 46]. ومما يدل على جواز الرؤية أنه علَّقها باستقرار الجبل، وذلك جائز غير مستحيل، فدل على أنها جائزة، ألا ترى أن دخول الكفار الجنة لما استحال علَّقه بمستحيل فقال : { حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط } [الأعراف: 40].

قال محمد بن عمر الرازي الملقب بفخر الدين الرازي (المتوفى: 606هـ) في تفسيره التفسير الكبير : [ﺳﻮﺭﺓ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ (75) : ﺁﻳﺔ 22] ﻭﺟﻮﻩ ﻳﻮﻣﺌﺬ ﻧﺎﺿﺮﺓ (22) ﺇﻟﻰ ﺭﺑﻬﺎ ﻧﺎﻇﺮﺓ (23) اﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﺟﻤﻬﻮﺭ ﺃﻫﻞ اﻟﺴﻨﺔ ﻳﺘﻤﺴﻜﻮﻥ ﺑﻬﺬﻩ اﻵﻳﺔ ﻓﻲ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺃﻥ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻳﺮﻭﻥ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻳﻮﻡ اﻟﻘﻴﺎﻣﺔ.

قال علاء الدين علي بن محمد المعروف بالخازن (المتوفى: 741هـ) تفسيره لباب التأويل في معاني التنزيل : قوله عز وجل : { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } [الأنعام ١٠٣] قال جمهور المفسرين معنى : الإدراك الإحاطة بكنه الشيء وحقيقته فالأبصار ترى البارئ جل جلاله ولا تحيط به كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به. وقال سعيد بن المسيب في تفسيره : قوله لا تدركه الأبصار، لا تحيط به الأبصار. وقال ابن عباس: كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به…

ومذهب أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وفي الجنة وأن رؤيته غير مستحيلة عقلاً واحتجوا لصحة مذهبهم بتظاهر أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تبارك وتعالى للمؤمنين في الآخرة قال الله تبارك وتعالى : { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [القيامة: 22-23] ففي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة وقال تعالى : { كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون } [المطففين: 15] قال الشافعي رحمه الله : حجب قوماً بالمعصية وهي الكفر فثبت أن قوماً يرونه بالطاعة وهي الإيمان وقال مالك : لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الكفار بالحجاب وقال تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [يونس: 26] وفسروا هذه الزيادة بالنظر إلى وجه الله [أي إلى الله] تبارك وتعالى يوم القيامة.

وأما دلائل السنة فما روي عن جرير بن عبد الله البجلي قال ” كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر وقال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } “ أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة : ” أن ناساً قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضامون في القمر ليلة البدر ؟ قالوا لا يا رسول الله قال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا لا يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنكم ترونه كذلك” أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي وليس عنده في أوله أن أناساً سألوا ولا في آخره ليس دونها سحاب. عن أبي رزين العقيلي قال : ” قلت يا رسول الله أكلنا يرى ربه مخلياً به يوم القيامة ؟ قال: نعم قلت وما آية ذلك من خلقه ؟ قال : يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً به قلت بلى قال : ” فالله أعظم إنما هو خلق من خلق الله يعني القمر فالله أجل وأعظم “.

و قال وقد تمسك من نفي الرؤية من أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة بظاهر هذه الآية وهو قوله تعالى: { لن تراني } قالوا لن تكون للتأبيد والدوام ولا حجة لهم في ذلك ولا دليل ولا يشهد لهم في ذلك كتاب ولا سنة وما قالوه في أن لن تكون للتأبيد خطأ بين ودعوى على أهل اللغة إذ ليس يشهد لما قالوه نص عن أهل أهل اللغة والعربية ولم يقل به أحد منهم ويدل على صحة ذلك قوله تعالى في صفة اليهود { ولن يتمنوه أبداً } [البقرة: 95] مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة يدل عليه قوله تعالى : { ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك } [الزخرف: 77] وقوله { يا ليتها كانت القاضية } [الحاقة: 27] فإن قالوا إن لن معناها تأكيد النفي كلا التي تنفي المستقبل قلنا إن صح هذا التأويل فيكون معنى لن تراني محمولاً على الدنيا أي لن تراني في الدنيا جمعاً بين دلائل الكتاب والسنة فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن المؤمنين يرون ربهم عز وجل يوم القيامة في الدار الآخرة وأيضاً فإن موسى عليه الصلاة والسلام كان عارفاً بالله تعالى وبما يجب ويجوز ويمتنع على الله عز وجل وفي الآية دليل على أنه سأل الرؤية فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها موسى عليه الصلاة والسلام فحيث سألها علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى وأيضاً فإن الله عز وجل علق رؤيته على أمر جائز والمعلق على الجائز جائز فيلزم من ذلك كون الرؤية في نفسها جائزة وإنما قلنا ذلك لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل وهو قوله تعالى : { ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني } وهو أمر جائز الوجود في نفسه وإذا كان كذلك ثبت أن رؤيته جائزة الوجود لأن استقرار الجبل غير مستحيل عند التجلي إذا جعل الله تعالى له قوة على ذلك والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالاً والله أعلم بمراده.

قال ناصر الدين البيضاوي (المتوفى: 685هـ) في تفسيره أنوار التنزيل وأسرار التأويل : [ﺳﻮﺭﺓ اﻷﻋﺮاﻑ (7) : ﺁﻳﺔ 143] ﻭﻟﻤﺎ ﺟﺎء ﻣﻮﺳﻰ ﻟﻤﻴﻘﺎﺗﻨﺎ ﻭﻛﻠﻤﻪ ﺭﺑﻪ ﻗﺎﻝ ﺭﺏ ﺃﺭﻧﻲ ﺃﻧﻈﺮ ﺇﻟﻴﻚ ﻗﺎﻝ ﻟﻦ ﺗﺮاﻧﻲ ﻭﻟﻜﻦ اﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ اﻟﺠﺒﻞ ﻓﺈﻥ اﺳﺘﻘﺮ ﻣﻜﺎﻧﻪ ﻓﺴﻮﻑ ﺗﺮاﻧﻲ ﻓﻠﻤﺎ ﺗﺠﻠﻰ ﺭﺑﻪ ﻟﻠﺠﺒﻞ ﺟﻌﻠﻪ ﺩﻛﺎ ﻭﺧﺮ ﻣﻮﺳﻰ ﺻﻌﻘﺎ ﻓﻠﻤﺎ ﺃﻓﺎﻕ ﻗﺎﻝ ﺳﺒﺤﺎﻧﻚ ﺗﺒﺖ ﺇﻟﻴﻚ ﻭﺃﻧﺎ ﺃﻭﻝ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ (143) … ﻗﺎﻝ ﺭﺏ ﺃﺭﻧﻲ ﺃﻧﻈﺮ ﺇﻟﻴﻚ ﺃﺭﻧﻲ ﻧﻔﺴﻚ ﺑﺄﻥ ﺗﻤﻜﻨﻨﻲ ﻣﻦ ﺭﺅﻳﺘﻚ، ﺃﻭ ﺗﺘﺠﻠﻰ ﻟﻲ ﻓﺄﻧﻈﺮ ﺇﻟﻴﻚ ﻭﺃﺭاﻙ. ﻭﻫﻮ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺟﺎﺋﺰﺓ ﻓﻲ اﻟﺠﻤﻠﺔ ﻷﻥ ﻃﻠﺐ اﻟﻤﺴﺘﺤﻴﻞ ﻣﻦ اﻷﻧﺒﻴﺎء ﻣﺤﺎﻝ، ﻭﺧﺼﻮﺻﺎ ﻣﺎ ﻳﻘﺘﻀﻲ اﻟﺠﻬﻞ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭﻟﺬﻟﻚ ﺭﺩﻩ ﺑﻘﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ: ﻟﻦ ﺗﺮاﻧﻲ ﺩﻭﻥ ﻟﻦ ﺃﺭﻯ ﺃﻭ ﻟﻦ ﺃﺭﻳﻚ ﺃﻭ ﻟﻦ ﺗﻨﻈﺮ ﺇﻟﻲ، ﺗﻨﺒﻴﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻪ ﻗﺎﺻﺮ ﻋﻦ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﻟﺘﻮﻗﻔﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﻌﺪ ﻓﻲ اﻟﺮاﺋﻲ ﻟﻢ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻴﻪ ﺑﻌﺪ، ﻭﺟﻌﻞ اﻟﺴﺆاﻝ ﻟﺘﺒﻜﻴﺖ ﻗﻮﻣﻪ اﻟﺬﻳﻦ ﻗﺎﻟﻮا: ﺃﺭﻧﺎ اﻟﻠﻪ ﺟﻬﺮﺓ ﺧﻄﺄ ﺇﺫ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﺖ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﻣﻤﺘﻨﻌﺔ ﻟﻮﺟﺐ ﺃﻥ ﻳُﺠَﻬِّﻠﻬﻢ ﻭﻳﺰﻳﺢ ﺷﺒﻬﺘﻬﻢ ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ ﺑﻬﻢ ﺣﻴﻦ ﻗﺎﻟﻮا: اﺟﻌﻞ ﻟﻨﺎ ﺇﻟﻬﺎ ﻭﻻ ﻳﺘﺒﻊ ﺳﺒﻴﻠﻬﻢ ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﻷﺧﻴﻪ ﻭﻻ ﺗﺘﺒﻊ ﺳﺒﻴﻞ اﻟﻤﻔﺴﺪﻳﻦ ﻭاﻻﺳﺘﺪﻻﻝ ﺑﺎﻟﺠﻮاﺏ ﻋﻠﻰ اﺳﺘﺤﺎﻟﺘﻬﺎ ﺃﺷﺪ ﺧﻄﺄ ﺇﺫ ﻻ ﻳﺪﻝ اﻹﺧﺒﺎﺭ ﻋﻦ ﻋﺪﻡ ﺭﺅﻳﺘﻪ ﺇﻳﺎﻩ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻻ ﻳﺮاﻩ ﺃﺑﺪا ﻭﺃﻥ ﻻ ﻳﺮاﻩ ﻏﻴﺮﻩ ﺃﺻﻼ ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺃﻥ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻰ اﺳﺘﺤﺎﻟﺘﻬﺎ ﻭﺩﻋﻮﻯ اﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﻓﻴﻪ ﻣﻜﺎﺑﺮﺓ ﺃﻭ ﺟﻬﺎﻟﺔ ﺑﺤﻘﻴﻘﺔ اﻟﺮﺅﻳﺔ. ﻗﺎﻝ ﻟﻦ ﺗﺮاﻧﻲ ﻭﻟﻜﻦ اﻧﻈﺮ ﺇﻟﻰ اﻟﺠﺒﻞ ﻓﺈﻥ اﺳﺘﻘﺮ ﻣﻜﺎﻧﻪ ﻓﺴﻮﻑ ﺗﺮاﻧﻲ اﺳﺘﺪﺭاﻙ ﻳﺮﻳﺪ ﺃﻥ ﻳﺒﻴﻦ ﺑﻪ ﺃﻧﻪ ﻻ ﻳﻄﻴﻘﻪ، ﻭﻓﻲ ﺗﻌﻠﻴﻖ اﻟﺮﺅﻳﺔ ﺑﺎﻻﺳﺘﻘﺮاﺭ ﺃﻳﻀﺎ ﺩﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ اﻟﺠﻮاﺯ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺃﻥ اﻟﻤﻌﻠﻖ ﻋﻠﻰ اﻟﻤﻤﻜﻦ ﻣﻤﻜﻦ، ﻭاﻟﺠﺒﻞ ﻗﻴﻞ ﻫﻮ ﺟﺒﻞ ﺯﺑﻴﺮ. ﻓﻠﻤﺎ ﺗﺠﻠﻰ ﺭﺑﻪ ﻟﻠﺠﺒﻞ ﻇﻬﺮ ﻟﻪ ﻋﻈﻤﺘﻪ ﻭﺗﺼﺪﻯ ﻟﻪ اﻗﺘﺪاﺭﻩ ﻭﺃﻣﺮﻩ. ﻭﻗﻴﻞ ﺃﻋﻄﻰ ﻟﻪ ﺣﻴﺎﺓ ﻭﺭﺅﻳﺔ ﺣﺘﻰ ﺭﺁﻩ. ﺟﻌﻠﻪ ﺩﻛﺎ ﻣﺪﻛﻮﻛﺎ ﻣﻔﺘﺘﺎ ﻭاﻟﺪﻙ ﻭاﻟﺪﻕ ﺃﺧﻮاﻥ ﻛﺎﻟﺸﻚ ﻭاﻟﺸﻖ، ﻭﻗﺮﺃ ﺣﻤﺰﺓ ﻭاﻟﻜﺴﺎﺋﻲ «ﺩﻛﺎء» ﺃﻱ ﺃﺭﺿﺎ ﻣﺴﺘﻮﻳﺔ ﻭﻣﻨﻪ ﻧﺎﻗﺔ ﺩﻛﺎء اﻟﺘﻲ ﻻ ﺳﻨﺎﻡ ﻟﻬﺎ. ﻭﻗﺮﺉ ﺩﻛﺎ ﺃﻱ ﻗﻄﻌﺎ ﺟﻤﻊ ﺩﻛﺎء. ﻭﺧﺮ ﻣﻮﺳﻰ ﺻﻌﻘﺎ ﻣﻐﺸﻴﺎ ﻋﻠﻴﻪ ﻣﻦ ﻫﻮﻝ ﻣﺎ ﺭﺃﻯ. ﻓﻠﻤﺎ ﺃﻓﺎﻕ ﻗﺎﻝ ﺗﻌﻈﻴﻤﺎ ﻟﻤﺎ ﺭﺃﻯ. ﺳﺒﺤﺎﻧﻚ ﺗﺒﺖ ﺇﻟﻴﻚ ﻣﻦ اﻟﺠﺮاءﺓ ﻭاﻹﻗﺪاﻡ ﻋﻠﻰ اﻟﺴﺆاﻝ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺇﺫﻥ. ﻭﺃﻧﺎ ﺃﻭﻝ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻣﺮ ﺗﻔﺴﻴﺮﻩ. ﻭﻗﻴﻞ ﻣﻌﻨﺎﻩ ﺃﻧﺎ ﺃﻭﻝ ﻣﻦ ﺁﻣﻦ ﺑﺄﻧﻚ ﻻ ﺗﺮﻯ ﻓﻲ اﻟﺪﻧﻴﺎ.

قال أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ) في كتابه شرح صحيح مسلم – كِتَاب الْإِيمَانِ – رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين :

اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِأَجْمَعِهِمْ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ عَقْلًا ، وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى وُقُوعِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ الْكَافِرِينَ . وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ : الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ ، وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ مُسْتَحِيلَةٌ عَقْلًا ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنَيْنِ ، وَرَوَاهَا نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ صَحَابِيًّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ، وَآيَاتُ الْقُرْآنِ فِيهَا مَشْهُورَةٌ وَاعْتِرَاضَاتُ الْمُبْتَدِعَةِ عَلَيْهَا لَهَا أَجْوِبَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَكَذَلِكَ بَاقِي شُبَهِهِمْ وَهِيَ مُسْتَقْصَاةٌ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ وَلَيْسَ بِنَا ضَرُورَةٌ إِلَى ذِكْرِهَا هُنَا ، وَأَمَّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهَا مُمْكِنَةٌ ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهَا لَا تَقَعُ فِي الدُّنْيَا ، وَحَكَمَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ فُورَكَ أَنَّهُ حَكَى فِيهَا قَوْلَيْنِ لِلْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ : أَحَدُهُمَا : وُقُوعُهَا ، وَالثَّانِي لَا تَقَعُ ، ثُمَّ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قُوَّةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا اتِّصَالُ الْأَشِعَّةِ وَلَا مُقَابَلَةُ الْمَرْئِيِّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ ، لَكِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ فِي رُؤْيَةِ بَعْضِنَا بَعْضًا بِوُجُودِ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاتِّفَاقِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ ، وَقَدْ قَرَّرَ أَئِمَّتُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ الْجَلِيَّةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتُ جِهَةٍ – تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ – بَلْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ لَا فِي جِهَةٍ كَمَا يَعْلَمُونَهُ لَا فِي جِهَةٍ .

قال : أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي (773 هـ – 852 هـ)، الملقب بـ أمير المؤمنين في الحديث :

لِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا عَقْلًا عُضْوٌ مَخْصُوصٌ وَلَا مُقَابَلَةٌ وَلَا قُرْبٌ ، وَإِنَّمَا تِلْكَ أُمُورٌ عَادِيَّةٌ يَجُوزُ حُصُولُ الْإِدْرَاكِ مَعَ عَدَمِهَا عَقْلًا ، وَلِذَلِكَ حَكَمُوا بِجَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خِلَافًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ لِوُقُوفِهِمْ مَعَ الْعَادَةِ .

فتح الباري شرح صحيح البخاري – كِتَاب تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ – سُورَةُ الْأَعْرَافِ – رؤية الله تعالى

قَوْلُهُ : ( بَابُ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ الْآيَةَ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَرِنِي أَعْطِنِي ) . وَصَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ أَعْطِنِي . وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ .

( تَكْمِلَةٌ ) : تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَنْ تَرَانِي نَفَاةُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالُوا لَنْ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا فَيَكُونُ النَّفْيُ عَلَى التَّأْيِيدِ . وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّ التَّعْمِيمَ فِي الْوَقْتِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، سَلَّمْنَا لَكِنْ خُصَّ بِحَالَةِ الدُّنْيَا الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْخِطَابُ ، وَجَازَ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّ أَبْصَارَ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا بَاقِيَةٌ فَلَا اسْتِحَالَةَ أَنْ يُرَى الْبَاقِي بِالْبَاقِي . بِخِلَافِ حَالَةِ الدُّنْيَا فَإِنَّ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا فَانِيَةٌ فَلَا يُرَى الْبَاقِي بِالْفَانِي ، وَتَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ النَّبَوِيَّةُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ وَبِإِكْرَامِهِمْ بِهَا فِي الْجَنَّةِ ، وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهَا فَوَجَبَ الْإِيمَانُ بِهَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ . وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ .

فتح الباري شرح صحيح البخاري – كِتَاب التَّوْحِيدِ – رؤية الله تعالى في الآخرة

جَمَعَ الدَّارَقُطْنِيُّ طُرُقَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ فَزَادَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ

قال الحافظ أبو الحسن علي بن عمر البغدادي الدارقطني (المتوفى: 385هـ) في كتابه رُؤيةُ الله : هَذَا كِتَابٌ حَافِلٌ جَمَعْتُ فِيهِ مَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَعَلِّقَةِ بِرُؤْيَةِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا، وَبَعْضِ أُمُورِ الْآخِرَةِ

يتبع إن شاء الله…

فَجَزَى اللهُ عنَّا عُلَمَاءَ أَهْلِ السُّنةِ الذينَ بَيَّنُوا خَيْرًا وجَزَى اللهُ عَنَّا نَبِيَّنَا محمَّدًا الدَّاعِيَ إلَى الحقِّ خَيْرًا وَجَمَعَنَا بهِ في عِلِّيِّينَ.

الحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صله

1 تعليقات

التعليقات مغلقه