بسم الله الرحمن الرحيم

محبة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلمَ

الخطبة الأولى:
إنَّ الحَمدَ لله نحمدُهُ ونستعينهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنَا ومن سيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ الله فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلـهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ، ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرَّةَ أعينِنَا محمّدًا عبدهُ ورسولهُ وصفيُّه وحبيبُه صلّى الله وسلَّمَ عليهِ وعلى كلّ رسولٍ أرسلَهُ. الصلاةُ والسلامُ عليكَ سيّدي يا رسولَ الله، سيّدي يا حبيبَ الله يا أبا الزهراءِ يا أبا القاسِمِ يا محمَّد ، أدْرِكْنا يا رسولَ الله.

أمّا بعدُ عبادَ الله أحباب الرسول الأكرم، فإنّي أوصيكُمْ ونفسي بتقوى الله العليِّ العظيمِ. قالَ الله تعالى في كتابِهِ الكريمِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا *وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا *﴾ [سورة الأحزاب] .

كلامُنا اليومَ بإذنِ الله ربّ العالمينَ عن حُبّنا لمنْ أقسَمَ الله تعالى بحياتِهِ، فقالَ عزَّ مِنْ قائلٍ ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ *﴾ [سورة الحجر] . محمَّدٌ تَحِنُّ إليهِ الأَفْئِدَةُ وتَقَرُّ بِهِ العيونُ وتَأْنَسُ بِهِ القُلوبُ، فَكَلامُهُ نورٌ ومَدْخَلُهُ نورٌ ومَخْرَجُهُ نورٌ وعَمَلُهُ نورٌ، إِنْ سَكَتَ علاهُ الوَقارُ وإِنْ نَطَقَ أخَذَ بالقلوبِ والبَصائِرِ والأبصارِ.

إنّي عَشقْتُ محمَّدًا قُرَشِي **** حُبًّا يَفوقُ مَحَبّتي أَبَويّا
ماذا أُحَدّثُ عَنْ جَمَالِ محمَّدٍ **** أَرِني كَمِثْلِ الهاشِمِيّ ذَكِيّا

وكَيْفَ لا أَعْشَقُ محمّدًا، فهُوَ نبي الله وحبيب الله، كانَ يجالِسُ الفقراءَ والمساكينَ والعبيدَ والإماءَ ويعودُهُم ويزورُهُم ويَتَفَقَََّدُ حالهم ويَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ، وكَيْفَ لا أَعْشَقُ مُحَمّدًا وكلامُهُ بيّنٌ ظاهِرٌ يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقّ والباطِلِ، يَرْضَى بِما يَرْضاهُ القًُرءانُ، ويَتَأَدَّبُ بِآدابِهِ ويَتَخَلَّقُ بِأَخْلاقِهِ ويَلْتَزِمُ أَوامِرَهُ، ولا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ إلا إِذا ارتُكِبَتْ مَحَارِمُ الله، فإذا انْتُهِكَتْ مَحَارِمُ الله كانَ أشدَّ الناسِ غَضَبًا لله، وكيفَ لا أعشَقُ محمَّدًا وهوَ أكثرُ الناسِ حَياءً وأدبًا معَ ربّهِ ولا يقولُ في حالةِ الرّضا والغضَبِ إلا الحقَّ قَطْعًا لِعِصْمَتِهِ، فإنَّهُ مَعْصومٌ لا يَنْطِقُ إلا بالحَقّ، وكانَ يَعِظُ النَّاسَ، يخْطُبُهمْ باِلجِدّ والاجتهادِ إذا ذكَّرَهُمْ بآياتِ الله وخوَّفَهُمْ مِنْ عِقابِهِ، وكانَ إذا خَطَبَ احْمَرَّتْ عيناهُ وعَلا صَوْتُهُ واشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جيشٍ أيْ قومٍ يُصبّحُهم عدُوُّهم، وكانَ إذا سُرَّ اسْتَنارَ وَجْهُهُ مِنَ السُّرورِ بدْرًا أيْ قَمَرًا كامِلاً، وكَيْفَ لا أُحِبُّ مُحَمّدًا وَهُوَ كما قال الشاعر:

إنْ جاءَ يَرْحَمُ فَهْوَ أَشْفَقُ راحِم **** أَوْ جادَ كانَ الأَجْوَدَ العَرَبِيّا
وإلى هِرَقْلَ أتى رَسولُ مُحَمَّد **** بِرِسالَةٍ دَوَّتْ هُناكَ دَويّا
فانْظُرْ وأَخْبِرْني بِأَيّ شَجَاعَة **** بَعَثَ الرَّسولَ إلى هِرَقْلَ أُخَيّا
ومُحَمَّدٌ قَدْ ماتَ لكنْ لم يَزَل **** في قبرِهِ في أرضِ طابة حَيَّا

وكيفَ لا أعْشَقُ مُحمّدًا وهوَ الذي يَخْتَصُّ بالشفاعَةِ العُظمى وهي لا تَخْتَصُّ بِأُمَّتِهِ فقط بَلْ يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الشَّفاعَةِ غَيْرُ أُمَّتِهِ مِنَ المؤمنينَ، يَوْمَ القيامة مِن النَّاسِ مَنْ يقولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تعالوا لِنَذهَبَ إلى أبينا ءادمَ لِيَشْفَعَ لنا إلى رَبّنا، فَيَأتونَ إلى ءادمَ يقولونَ: يا ءادمُ أنتَ أبو البشرِ خلقَكَ الله بِيَدِهِ (أي خلقك بعنايته) وأَسْجَدَ لكَ ملائِكَتَهُ فاشفَعْ لنا إلى ربّنا، فَيَقولُ لَهُمْ: لَسْتُ فُلانًا (مَعْناهُ أنا لستُ صاحِبَ هذهِ الشَّفاعَةِ) اذهبوا إلى نوحٍ، فيَأْتونَ نوحًا فَيَطلُبونَ مِنْهُ ثُمَّ يقولُ لهم : إيتوا إبراهيمَ، فيأتونَ إبراهيمَ، ثمَّ إبراهيمُ يقولُ لهُمْ لستُ فلانًا (معناهُ لستُ صاحِبَ هذِهِ الشَّفاعَةِ) فيأتونَ سيّدنا موسى فيقولُ لهمْ : لستُ فلانًا إيتوا عيسى، فيقولُ لهمْ عيسى: لستُ فلانًا ولكنِ اذهبوا إلى محمَّدٍ، فيأتونَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيَسْجُدُ النبيّ لرَبّهِ فيُقالُ لهُ : ارفَعْ رَأْسَكَ واشْفَعْ تُشَفَّعْ وسَلْ تُعْطَ.

وكيفَ لا أَعْشَقُ مُحَمَّدًا وهوَ القائِلُ صلى الله عليه وسلم: « مَنْ رَءاني في المنامِ فَسَيراني في اليَقَظَةِ » . وقَدْ وَرَدَ بالإسنادِ المتَّصِلِ أنَّ رجلاً كانَ في عصرِ السلفِ أيْ في وقتٍ قريبٍ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بَعْدَ نحوِ مائةٍ وخمسينَ سَنَةً يُسمّى الحسَنَ بْنَ حَيّ، كانَ مِنَ العلماءِ العاملينَ مِنْ أَهْلِ الحديثِ الأتقياءِ وَلَهُ أخٌ مِثْلُهُ، هذا الحَسَنُ بْنُ حَيّ لَمّا كانَ على فراشِ الموتِ سَمِعَهُ أخوه يَقْرَأُ قولَ الله تعالى : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا *﴾ [سورة النساء] . فقالَ لهُ : يا أخي تَتْلو تِلاوةً أمْ ماذا ؟ قالَ : لا، أرَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم (أيْ وَهُوَ في قبرِهِ) يَضْحَكُ إليَّ ويُبَشّرُني بالجنَّةِ وأَرَى الملائِكَةَ وأرى الحورَ العينَ.

فالوعْدُ الذي وَرَدَ في الحديثِ: « فَسَيراني في اليَقَظَةِ » فإنَّهُ يُرادُ بِهِ الرؤيةُ في الدُّنْيا قَبْلَ الموْتِ، يَعْني مَنْ رَأَى رَسولَ الله محمّدًا في المنامِ فذلكَ بُشرى لهُ بأنَّهُ يموتُ على الإيمانِ. اللهمَّ ارْزُقْنا رؤيةَ الحبيبِ المصطفى والرسولِ الأكرم في المنامِ هذهِ الليلةَ وفي كلّ ليلةٍ وعِنْدَ الموْتِ يا ربَّ العالمينَ، يا أرحَمَ الراحمينَ يا الله. هذا وأسْتَغْفِرُ الله لي ولَكُم.

الخطبةُ الثانيةُ:
إنَّ الحمدَ لله نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، منْ يهدِ الله فلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ. والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا محمدِ ابنِ عبدِ الله وعلى ءالِهِ وصَحْبِهِ ومَنْ والاهُ.

أمّا بعدُ عبادَ الله، فإني أوصيكُم ونفسي بتقوى الله يقولُ الله تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ *﴾ [سورة الحشر] .

واعلَموا أنَّ الله أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾ اللّهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم، وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ، إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ *يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ *﴾ ، اللّهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ، ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ الله إنَّ الله يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون.اذكُروا الله العظيمَ يذكرْكُمْ، واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ، واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

لطبع