أحكام البيع والمعاملات الإسلامية

أحكام البيع والمعاملات الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين لهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَن صَلَوَاتُ اللهِ البَرِّ الرَّحيم والملائِكَةِ الْمُقرَّبينَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ أشْرَفِ الـمُرسَلِين وحَبِيبِ رَبِّ العَالمين وعلى جميعِ إخوانِهِ مِنَ النَّبِيينَ والـمُرسَلِين وَءَالِ كُلٍّ والصَّالِحين وسلامُ اللهِ عليهم أجمعين

بيان أهمية تعلم أحكام البيع وغيره من المعاملات

هذا فصل معقود لبيان أهمية تعلم أحكام البيع وغيره من المعاملات.

يجبُ على كلِّ مسلم مكلّفٍ أنْ لا يدخلَ في شىءٍ حتَّى يعلمَ ما أحلَّ الله تعالى منهُ ومَا حرَّمَ لأنَّ الله سبحانَهُ تَعبّدَنا أي كلَّفَنا بأشياءَ فلا بُدَّ مِنْ مُرَاعاةِ ما تَعَبَّدَنَا

على العبد أن يطيع خالقه بأداء ما أمر به واجتناب ما نهى عنه لأنه أهل (أي يستحق) لأن يُطاع، وسواء في ذلك ما عُقِلَت الحكمة فيه لنا وما لم تعقل الحكمة فيه لنا لأن بعض ما تعبّدنا به معقول المعنى لنا وبعضًا غير معقول المعنى لنا، وذلك ابتلاءٌ منه لعباده واختبارٌ لأنّه من سلّم لله في كل شىء فهو العبد المطيع المسرع في الطاعة ومن لم يكن كذلك فليس كاملَ الطاعة. وقدْ أحلَّ البيعَ وحَرَّمَ الرِّبا، وَقَدْ قَيَّدَ الشرعُ هذا البيعَ بآلةِ التعريفِ لأنّهُ لا يَحِلُّ كلُّ بيعٍ إِلا ما استوفى الشروطَ والأركانَ فلا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا.

الشرح أن الله تبارك وتعالى لما ذكر في كتابه البيعَ الذي أحلّه وعرّفه بأداة التعريف وهي الِ العهديّة أي التي تفيد أن البيع الذي أحلَّه هو البيع المعهود في شرعه بالحلّ وجب على متعاطي البيع والشراء معرفةُ ما أحلّ الله من ذلك لأنه بدون هذه المعرفة لا يأمن على نفسه من الوقوع في البيع الذي لم يحلَّهُ الله.

قال السيوطي في الإتقان وقال الماوردي للشافعي في هذه الآية [يعني ءاية ﴿وأحل الله البيع﴾] أربعة أقوال أحدها أنها عامة فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع ويقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل وهذا القول أصحها عند الشافعي وأصحابه اﻫ ثم قال والقول الرابع أنها تناولت بيعًا معهودًا ونـزلت بعد أن أحل النبي صلى الله عليه وسلم بيوعًا وحرم بيوعًا فاللام للعهد اﻫ

والبيع شرعًا مقابلة مال بمال على وجه مخصوص كما ذكر الأنصاري في فتح الوهاب وغيره.

فمن شروط جواز البيع أي صحته أن يكون العوضان أي المبيع والثمن مباحين في الشرع فلا يجوز بيع المحرّم كبيعِ نَجِسِ العينِ كالدمِ ولحْمِ الميْتةِ وسائرِ أجزائها من عظمٍ وشعرٍ وغيرِ ذلك.ومنها أن يكون غير موقت أو معلّق فلا يصحُّ أن يقولَ له بِعْتُك هذا الغَرَضَ لسنةٍ أو أن يقول له إن جاء أبي من سفَرِه فقد بِعْتُكَ هذا الكتاب، ومنها أن يكون المعقود عليه أي كل من الثمن والمثمن طاهرًا وأن يكون معلومًا، وأن يكون البائع قادرًا على تسليمه، وأن لا يكون معدومًا كبناء لم يُبْنَ بعد.

فقد رَوى التّرمذيّ وابنُ ماجَه وغيرُهما مِن حديثِ أنَسِ بنِ مالِكٍ رضيَ الله عنهُ قالَ: غَلا السّعرُ على عهدِ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ! سَعِّرْ لنا فقال: « إنَّ اللهَ هو المسعِّرُ القابضُ الباسطُ الرَّزاقُ، وإنِّي لأرجُو أن ألقى ربِّي وليسَ أحدٌ منكُم يطلُبُني بمظلمةٍ في دمٍ ولا مالٍ ».

قولُه: إنّ اللهَ هوَ المسَعّرُ أي يُقَلِّبُ أَحوَالَ السِّعرِ مِنَ الرُّخصِ إلى الغَلاءِ وعَكسِه.

فلا يجوزُ تحريمُ رَفع السّعرِ ولا يجوزُ إجبارُ البَائعِ على تَحدِيدِ الرِّبحِ بثُلُثِ رَأسِ المالِ ولا نِصفِه ولا بالمثلِ.

وقَد جاءَ في حديثِ تَحريمِ الرِّبا أي الزِّيادة في بَيعِ نَقدٍ بنَقدٍ أو مَطعُومٍ بمطعُوم: « فإذَا اختَلفَتْ هذِه الأجناسُ فبِيعُوا كيفَ شِئتُم إذَا كانَ يَدًا بيَدٍ » رواه البخاري ومسلم. فقولُه عليه الصلاةُ والسّلام: “فبِيعُوا كيفَ شِئتُم” نَصٌّ على عَدمِ التّحديدِ في الرِّبح.

وأمّا مَا ذَكرَه بَعضُ الحنَابِلةِ عن الإمامِ أحمَد مِن أنّه قالَ: الغَبنُ الفَاحِشُ دُونَ إعلامِ المُشتَرِي حَرامٌ.

فهَذا القَول ليسَ قَولا مَشهُورًا عندَ الحنَابِلةِ، وإنْ صَحّ فمُرادُه إنْ رفَعَ السّعرَ فوقَ مَا هوَ مُعتَادٌ عندَ النّاسِ، أي فَوقَ ما اعتَادُوا أن يتغَابَنُوه وليسَ مجرّدَ رَفعِ السّعرِ، على أن هذِه الرِّوايةَ مُخالفةٌ للنَّص فلا يُعَوّلُ علَيها لأنها تُنافي قولَه صلى الله عليه وسلم: فإذَا اختَلفَتْ هذِه الأجناسُ فبِيعُوا كَيفَ شِئتُم” وقولَه: « إِنَّماَ الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ » رواه ابن ماجه، قال الحافظ البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله موثقون رواه ابن حبان في صحيحه.اهـ والقولُ المعتَمدُ الصّحيح حتى عندَ الإمام أحمدَ أنّ الغَبنَ ليسَ حَرامًا، إنما الحرامُ هوَ الغَشّ والكذبُ والإيهام خلافَ الحقيقةِ كأنْ أَوهمَه أنّ هذا هوَ سِعر السُّوق المعتاد وهو ليسَ كذلك.

والغَبنُ ليس عَيبًا مُثبِتًا للرَّدِّ لأنّ المشتَري هو الذي قَصّرَ في السّؤالِ قَبلَ أن يَشتَرِيَ. وقَد أجَازَ أحَدُ الصّاحِبَين وهو أبو يوسُف بيع فَلسٍ بألفِ فَلس.

مسئلةٌ: مَا يُعَدُّ غَبنًا فاحِشًا يختَلِفُ الفَرق فيه باختِلاف الأشياء على حسَبِ تعَارُفِ الناس عليه، فبَعضُ الأشياء زيادةُ ثلاثةِ أضعافٍ فيها يُعتَبرُ غَبنًا فاحِشًا وبعضُها أكثَر مِن ذلك.

وصَحّ عن عبد الله بنِ سَلام رضي الله عنه أنّه اشتَرى شيئًا بسبعمِائة وباعَهُ بأربَعةِ ءالاف. ذكرَه الحافظ ابنُ حجر في المطالِب العالية، وذكَر النوويّ في روضة الطالبين تحريمَ التّسعِير أي إلزام الناسِ بسِعرٍ مُعَيّن، وذكرَ أصحابُ المذاهب الثلاثة أيضًا ذلكَ واستَثنى بعضُهُم حَالَةَ اقتِضاءِ الضّرورةِ لذَلك.

فمما يجبُ الحذَرُ منهُ قولُ كثيرٍ منَ الناس لمن يَرفَعُ السِّعرَ في البَيع والشِّراء: حَرامي أي سَارق، لأن هذا مخالف لقَولِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم”إنما البَيعُ عن تَراض”رواه ابنُ ماجَه.

ومعنى الحديثِ أنّ الإنسانَ لهُ أن يَرفَع السِّعرَ كمَا يشَاءُ، فرَفع البائع السِّعرَ إلى الحدّ الذي يرِيدُه ولو كانَ مُجاوِزًا لسِعرِ البلَد أضعَافَ المرّات ليسَ حَرامًا إنْ لم يَكذب ويُوهِمُ المشتَرِي بما هو خِدَاع، فأمّا إنْ دخَلَ الكذِبُ والخِداع فالبائعُ ءاثم ولو كانَ رَفْعُه إلى حَدٍّ قَليل. لذلكَ مَهما رفَع الشّخصُ السِّعر لا يقالُ عنهُ حَرامِي أو هذَا حَرام. فمَن شَاءَ يَشتَرِي ومَن شَاءَ يَترُك، إنما الحرامُ أن يَغُشّ البائعُ ويَكذِب فيَقولُ هَذا رأسُ مالِه كذا وهو ليسَ كذلك، وكالذي يقولُ هَذا مِنَ الصِنفِ الجيّد وهو ليسَ مِنَ الصِّنفِ الجَيِّد هذا حَرام.

فائدة: قال الفقهاء: يستحب للبائع الرضى بالربح القليل.

فائدة: قيل لإبراهيم بن أدهم (المُتوفّى سنة 162 هجرية): إنّ اللّحم قد غَلاَ، فقال: أرخِصوه أي لا تشتروه وأنشد في ذلك:

وإذا غلا شيء عليّ تركته       فيكون أرخص ما يكون إذا غلا

كذا من صحيفة 8 من الرسالة القشيرية في علم التصوّف لعبد الكريم القشيري المتوفى سنة 465 هجرية رحمه الله.

قال المؤلف رحمه الله (فعلى مَنْ أرادَ البيعَ والشراءَ أن يتعلَّمَ ذلكَ وإِلا أَكلَ الرِّبا شاءَ أَمْ أبى. وقدْ قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم « التّاجرُ الصَّدوقُ يحشرُ يومَ القيامةِ معَ النبيين والصِّدِّيقينَ والشّهداءِ » رواه الترمذي في سننه باب ما جاء في التجار وتسمية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بلفظ التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء.

وما ذاك إِلا لأجلِ ما يلقاهُ مِنْ مجاهدةِ نفسِهِ وهواهُ وقهرِهَا على إجراءِ العقودِ على الطّريقِ الشرعيِّ وإِلا فَلا يَخْفَى ما تَوَعَّدَ اللهُ مَنْ تعدَّى الحدودَ.

الشرح لَما ذكر الله تبارك وتعالى إحلاله البيع وتحريمه الرِّبا علمنا أنه ليس كل بيع حلالا وأن السبيل لتجنّب الحرام وموافقة الأحكام الشرعيّة المتعلقةِ بالبيع والشراء وما يتبع ذلك التفقُّهُ في دينِهِ لأن من لَم يتعلّم ما يتعلق بذلك من الأحكام الشرعيّة يُخشى عليه أن يقع في الرِّبا الذي هو من أكبر الكبائر وفي غير ذلك من المعاملات المحرمة، وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنّه قال « لا يقعد في سوقِنا من لم يتفقَّهْ » رواه الترمذي (سنن الترمذي، باب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عن عمر بن الخطاب قال لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين).

وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم « التّاجرُ الصّدوقُ يُحشرُ يومَ القيامةِ معَ النبيين والصِّدِيقينَ والشهداءِ » بشارة لمن تعاطى التجارة واتّقى الله بتجنّب ما حرّم الله تعالى من أنواع التجارات المحرمة والخيانة والغِش والتدليس بأن يوهمَ المشتريَ خلاف الحقيقة والتزم الصدق في وصفه لبِضاعته وسلعته وفي إخباره بالثمن الذي اشترى به بضاعته إن ذكره بأنَّه من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأما من لم يكن كذلك فهو مستحق للعذاب الأليم.

قال المؤلف رحمه الله (ثمَّ إِنَّ بقيةَ العقودِ من الإجارةِ والقِرَاضِ والرَّهنِ والوَكالة والوديعةِ والعاريةِ والشركة والمساقاةِ كذلك لا بدَّ من مراعاة شُروطِها وأركانِها.)

الشرح أنَّ هذه المذكورات حكمُها حكم البيع في وجوب معرفة أحكامها الشرعيّة على من أراد تعاطيَها. وقول المؤلف “من الإجارة” يريد به أنه يجب تعلُّم أحكام الإجارة على من أراد تعاطيها فالإجارة منها ما هو جائز ومنها ما هو باطل والإجارة الصحيحة هي التي استوفت الشروط وتعريفها شرعًا أنها تمليك منفعة مباحة بعِوض مع بقاء العين على وجه خاص. والمراد بالمنفعةِ هنا المنفعةُ المعتبرةُ حِسًا وشرعًا، وتشترط فيها الصيغة عند الإمام الشافعي وأن تكون معلومة لا مجهولة بأن يكون كل من الأجرةِ والعملِ معلومًا.

وقول المؤلف “والقِراض” يريد به أنه يجب على من أراد تعاطيَ القراض معرفة ما يحتاج إليه من أحكامه. والقراض هو تفويض الشخص وإذنُهُ لشخص أن يعمل في ماله في نوع أو أنواع من التجارة على أن يكون الربح مشتركًا.

القراض هو تفويض الشخص وإذنُهُ لشخص أن يعمل في ماله في نوع أو أنواع من التجارة على أن يكون الربح مشتركًا.

القراض هو أن يدفع مالاً لشخص ليتجر به والربح مشترك. ولا يصح القراض إلا على الدراهم والدنانير دون ما عداهما ولا يصح إلا على جزء معلوم من الربح كالنصف والثلث. وإن شرط لأحدهما ربح يختص به كمائة درهم لم يصح لأنه قد لا يربح. ذكر كل ذلك السيوطي في شرح التنبيه في باب القراض.

وقول المؤلف “والرهن” يريد به أن من أراد تعاطي الرهن يجب عليه معرفة ما يحتاج إليه من أحكامه. والرهن هو جعل عين مالية وثيقة بدين يُستوفى منها الدين عند تعذُّر الوفاء، فمعناه أن يستمسكَ الدائنُ بشىءٍ من مالِ المدينِ ليستوفيَ من هذا حَقَّهُ إذا تعذّرَ عليه الإيفاءُ، ويكون الاستيفاء بطريق الحاكم.

ولا يصح الرهن إلا بدين بخلاف العين كالمغصوبة والمستعارة، ولا ينفك من الرهن شىء حتى يقضي جميع الدين ولا يتصرف الراهن في الرهن بما يبطل به حق المرتهن كالبيع والهبة ولا بما ينقص قيمة الرهن كلبس الثوب، ويجوز أن ينتفع الراهن بما لا ضرر فيه على المرتهن كركوب الدابة. ذكر ذلك الشيرازي في شرح التنبيه في باب الرهن.

وأمّا ما يسمِّيه بعض الناس استرهانًا وهو أن يدفع الشخص شيئا يملكه لمن أقرضه مبلغًا من المال على أن ينتفع به المقرض مجانًا إلى أن يوفيه دينه أو يشرط عليه أُجْرَةً مخفّفة له من أجل الدَّين فذلك حرام بالإجماع وهو نوع من أنواع الرِّبا وكثيرٌ من الناس واقعون فيه فهؤلاء وقعوا في هلاك عظيم لأنهم يستحقُّون العذاب بهذا العمل وهم مطالَبُونَ بدفع أجرة مثل هذا الشىء فإن كان المرهون الذي شَرَطَ الانتفاع به بسبب الدين بيتًا سكنه الدائن مجانًا أو دابةً أو سيارةً ركبها مجانًا وجب عليه أجرة المثل للقدر الذي استعمله فيه، وهذا منصوص عليه في كثير من مؤلّفات الفقهاء.

روى البيهقي في سننه، باب كل قرض جر منفعة فهو ربا عن النبي صلى الله عليه وسلم « كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا ».

وقول المؤلف “والوَكالةِ” يريد به أنه يجب على من أراد تعاطيَ الوكالة معرفة ما يحتاج إليه من أحكامها وهي تفويض شخصٍ إلى غيره تصرفًا على وجه خاص ليفعله حال حياته.

فيجوز التوكيل في حقوق الآدميين ومن العقود والفسوخ وغير ذلك، أما في العبادات فلا يجوز التوكيل إلا في دفع الزكاة وأداء الحج بشرطه كما ذكر الشيرازي في التنبيه في باب الوكالة.

وقول المؤلف “والوديعة” يريد به أنّه يجب معرفة أحكام الوديعة على من أراد تعاطيها. والوديعة هي ما يوضع عند غير مالكه لحفظه. ولا يجوز قبول الوديعة ممن يعلم من نفسه أنّه لا يستطيع حفظها، وتستحبّ لمن وثق بأمانة نفسه مع القدرة على حفظها.

ومتى قبل الوديعة لزمه حفظها في حرز مثلها، فإن تلفت فإن كان بتفريط منه ضمن وإلا لم يضمن كما ذكر الشيرازي في التنبيه.

وقول المؤلف “والعاريّة” يريد به أنّه يجب معرفة أحكام العارية على من أراد تعاطيها. والعارية هي إباحة الانتفاع بشىء مجانًا مع بقاء عينه ويشترط في الْمُعار أن يمكن الانتفاع به انتفاعًا مباحًا مع بقاء عينه فلا يصح إعارة مطعوم للأكل أو الشمعة للوقود.

وليس للمستعيرِ أن يُعيرَ غيره ما استعاره بدون إذن المعير. وإن تلفت العارية في يد المستعير وجب عليه قيمتها كما ذكر الشيرازي في التنبيه.

وقول المؤلف “والشركة” يريد به أنّه يجب معرفة أحكام الشركة على من أراد تعاطيها.

والشركة هي عقد يتضمن ثبوت الحقّ في شىء لاثنين فأكثر على جهة الشُّيوع. قال الشيرازي في التنبيه في باب الشركة ولا يصح من الشركة إلا شركة العِنان وهو أن يعقد على ما تجوز الشركة عليه وأن يكون مالُ أحدهما من جنس مال الآخر وعلى صفته فإن كان من أحدهما دراهم ومن الآخر دنانير أو من أحدهما صحاح ومن الآخر قراضة لم تصح الشركة وأن يُخلط المالان اﻫ ثم قال وما حصل من الربح يكون عليهما على قدر المالين وما حصل من الخسران يكون عليهما على قدر المالين اﻫ ثم قال وأما شركة البدن وهي الشركة على ما يكسبان بأبدانهما فهي باطلة ويأخذ كل واحد منهما أجرة عمله اﻫ

وقول المؤلف “والمساقاة” يريد به أنّه يجب معرفة أحكام المساقاة على من أراد تعاطيها. والمساقاة هي معاملة شخص على شجرٍ ليتعهده بنحو سقيٍ على أن تكون الثمرة بينهما. ويشترط في المساقاة أن يكون الشجر نخلا أو عنبًا مغروسًا مُعَيَّنًا. ولا تجوز المساقاة إلا إلى مدة معلومة ولا يجوز إلا على جزء معلوم من الثمرة كالثلث والربع وإن شرط له ثمرة نخلات بعينها أو ءاصُعًا معلومة من الثمرة لم يصح وعلى العامل أن يعمل ما فيه مستزاد أي زيادة في الثمرة من التلقيح وصرف الجريد أي قطعه إذا أضر بالنخل والسقي وعلى رب المال ما يحفظ به الأصل كحفر الأنهار وشراء الدولاب اﻫ ذكر ذلك الشيرازي في التنبيه في باب المساقاة.

قال المؤلف رحمه الله (وعقدُ النكاحِ يحتاج إلى مزيدِ احتياطٍ وتثبتٍ حذرًا مما يترتَّبُ على فَقدِ ذلكَ)

الشرح النكاح أشدُّ حاجة إلى معرفة أحكامه الشرعيّة من كثير من الأمور فإنّ من جهل أحكامه قد يظن ما ليس بنكاح نكاحًا فيتفرّع من ذلك مفاسدُ. فهو جدير بمزيد احتياط وتَثَبُّتٍ لأن حفظ النسب من الكُلِّيَّات الخمس التي اتفقت عليها الشرائع وهي حفظ النفس والمال والعِرض والعقل والنسب15.

هكذا عدَّها بعضهم وذكر ءاخرون النفس والمال والدين والعقل والنسب وعدَّها بعضهم ستة كما قال عليّ الشبراملسي قال وقد نظمها شيخنا اللقاني في عقيدته وزاد سادسًا في قوله

وحفظ نفسٍ ثم دينٍ مالْ نسبْ ومثلها عرض وعقـل قد وجب

في الشبراملسي على الرملي أن الكليات الخمس هي الأمور العامة التي لا تختص بواحد دون ءاخر اﻫ نقله عنه البجيرمي على الخطيب.

ولصحة النكاح شروط أحدها الصيغة كأن يقولَ الولي زوّجتك فلانة فيقولَ الزوج قبلت زواجَها.

الثاني لفظ زوّجت أو أنكحت أو ترجمتُهما عند الإِمام الشافعيّ،
وفي بعض المذاهب يصحّ بكل لفظٍ يدلّ على المقصود.

الثالث كون الزوج مسلمًا بالنسبة للمسلمة فلا يجوز تزوّج الكافر بمسلمة إن كان كتابيًّا وإن كان غير ذلك لقوله تعالى ﴿فإن عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمناٰتٍ فلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكفارِ لا هُنَّ حِلٌ لهم ولا هُمْ يَحِلُّونَ لهنّ﴾ [سورة الممتحنة/ الآية ١٠].

فلا يجوز تزويج مسلمة من المسلم الذي ارتدّ بسبب من أسباب الردّة كسبّ الله أو سبّ الرّسول أو الطعن في شريعة الله أو إنكار ما هو معلوم من الدين علمًا ظاهرًا بين الخواص والعوام من كل ما هو عائد إلى تكذيب الدّين.

الرابع كون الزوجة مسلمة أو كتابية يهودية أو نصرانيّة بالنسبة للمسلم.
الخامس كون الزوجة خلية من عِدةٍ لغير الزوج فلا يصحّ عقد النكاح على معتدةِ وفاةٍ أو معتدةِ طلاقٍ أو فسخٍ من غيره.

السادس عدم التأقيت فلو قال الولي زوّجتك بنتي إلى سنة مثلاً فهو فاسد، أمّا من نوى في قلبه أن يتزوّجَ امرأة ويعاشرَها سنة ثم يطلّقَها ولم يُدْخِلْ ذلك في صلب العقد فهو نكاح صحيح، وقد نصّ الشافعي رحمه الله على جواز ذلك في كتاب الأم فليس هذا من المتعة المحرمة.

قال الشافعي في الأم في باب نكاح المحلل ونكاح المتعة وإن قَدِمَ رجلٌ بلدًا وأحب أن ينكح امرأة ونيته ونيتها أن لا يمسكها إلا مقامه بالبلد أو يومًا أو اثنين أو ثلاثة كانت على هذا نيته دون نيتها أو نيتها دون نيته أو نيتهما معًا ونية الولي غير أنهما إذا عقدا النكاح مطلقًا لا شرط فيه فالنكاح ثابت ولا تُفْسِدُ النيةُ من النكاح شيئًا لأن النية حديثُ نفسٍ وقد وُضع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم وقد ينوي الشىء ولا يفعله وينويه ويفعله فيكون الفعل حادثًا غير النية وكذلك لو نكحها ونيته ونيتها أو نية أحدهما دون الآخر أن لا يمسكها إلا قدر ما يصيبها فيحللها لزوجها ثبت النكاح وسواء نوى ذلك الولي معهما أو نوى غيره أو لم ينوه ولا غيره والوالي والولي في هذا لا معنى له أن يفسد شيئًا ما لم يقع النكاح بشرط يفسده اﻫ

أخرجه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه.

وقدْ أشارَ القرءانُ الكريمُ إلى ذلكَ بقولِهِ تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة﴾ [سورة التحريم/ الآية ٦]. قَالَ عَطَاءٌ رَضِيَ الله عنهُ « أَنْ تَتَعَلَّمَ كَيْفَ تُصَلِّي وَكَيفَ تَصُومُ وَكَيفَ تبيعُ وَتَشتَرِي وَكَيفَ تَنكِحُ وَكَيْفَ تُطَلِّقُ »

نقل المروذي في الورع عن أحمد أن من كان جاهلاً لا يدري كيف يطلق ولا يصلي فطلبُ العلم له أفضل من المقام عند والدته اﻫ

هو عطاء بن أبى رباح القرشي مولى أبى خثيم الفهري واسم أبى رباح أسلم. كنيته أبو محمد مولده بالجند من اليمن ونشأ بمكة وكان أسود أعور أشل اعرج ثم عمي في ءاخر عمره وكان من سادات التابعين فقهًا وعلمًا وورعًا وفضلاً. روى عن أبى هريرة وابن عباس وجابر بن عبد الله ورافع بن خديج وجابر بن عمير وعائشة ومعاوية ابن أبي سفيان. لم يكن له فراش إلا المسجد الحرام إلى أن مات سنة أربع عشرة ومائة ﻫ وقد قيل إنه مات سنة خمس عشرة ومائة ﻫ وكان مولده سنة سبع وعشرين ﻫ. انظر الثقات لابن حبان والجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي.

الشرح أن من أهمل ذلك لم يحفظ نفسه ولا أهله من النار التي عظّم الله أمرها وهذا عطاء بن أبي رباح هو الإِمام المجتهد الذي تلقّى العلم من عبـد الله بن عبّاس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة.

مقالات ذات صله