تفسير سورة البقرة آية 24

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

من تفسير الإمام النسفي (ت 710 هـ) مدارك التنزيل وحقائق التأويل:

{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} لَمّا أَرشَدَهُم إلى الجِهَةِ التي مِنهَا يتَعَرَّفُونَ صِدْقَ النَّبيّ علَيهِ السَّلام ، قالَ لهم : فإذَا لم تُعَارِضُوهُ (أي بالمثلِ وإلا فَهُم عَارَضُوا) وبَانَ عَجْزُكُم ووَجَبَ تَصدِيقُه فآمِنُوا وخَافُوا العَذابَ الْمُعَدَّ لِمَنْ كَذّبَ وعَانَدَ.

وفِيهِ دَلِيلَانِ على إثبَاتِ النّبُوّةِ صِحَّةُ كَونِ المتَحَدَّى بهِ مُعجِزًا ، والإخبَارُ بأَنَّهم لن يَفعَلُوا وهوَ غَيبٌ لا يَعلَمُهُ إلا الله.

ولَمّا كانَ العَجزُ عن الْمُعَارضَةِ قَبلَ التّأَمُّلِ كالْمَشكُوكِ فيهِ لَدَيهِم لاتّكَالِهم على فصَاحَتِهِم واعتِمَادِهِم على بَلاغَتِهم ، سِيْقَ الكَلامُ معَهُم على حَسَبِ حُسبَانِهم فجِيءَ بـ " إنِ " الذي للشَّكّ دُونَ " إذَا " الذي للوُجُوبِ ، وعَبَّرَ عن الإتْيَانِ بالفِعْلِ لأنّهُ فِعلٌ مِنَ الأفعَالِ. والفَائِدَةُ فِيهِ أنّه جَارٍ مَجرى الكِنَايَةِ التي تُعطِيكَ اختِصَارًا.

(إنْ في اللُّغَةِ يُؤتَى بها في الأصلِ للشَّكّ أي للأمرِ غَيرِ المتَيقَّن أمّا إذا فلِلمُتَيقَّنِ هَذا لُغَةُ القُرءانِ، أمّا في هذه البلادِ إذَا بمعنى إنْ عِندَهُم، إنْ هيَ إذا عندَهُم كأنّها عَينُ إنْ، هذَا غَلَطٌ تَحريفٌ لِلُّغَةِ، إذَا للأمرِ المؤكَّدِ ليسَ للشَّكّ أمّا إنْ هيَ التي للشّكّ في الغَالِب، إنْ زُرتَني أَكرَمتُكَ ليسَ مُتَأكّدًا أنّهُ سيَزُورُه أمّا إذَا للتّأكِيدِ "إذَا الشَّمسُ كُوّرَت" هذا التّكويرُ محَقَّقٌ. كُوّرَت مَعنَاه ذَهَبَ ضَوؤها، يومَ القِيامَةِ الشّمسُ يَذهَبُ ضَوؤها بعدَ انتِهَاءِ مَواقِف القِيامَةِ وتُرمَى في جهَنّم، عندَ انتهاءِ الحسَاب تُلَفُّ ويُذهَبُ ضَوؤها وتُرمَى في جَهنّم والقَمَرُ كذَلكَ.)

وعندَ سِيبَويهِ (لن) حَرفٌ مَوضُوعٌ لتَأكِيدِ نَفيِ المستَقبَل ، وإنّما عُلِمَ أنّه إخبَارٌ عن الغَيبِ على ما هوَ بهِ حتى صَارَ مُعجِزَةً لأنّهم لو عَارَضُوهُ بشَيءٍ لاشْتَهَرَ فكَيفَ والطّاعِنُونَ فِيهِ أَكثَرُ عَدَدًا مِنَ الذّابّينَ عَنهُ، وشُرِطَ في اتّقَاءِ النّارِ انتِفَاءُ إتْيَانِهم بسُورَةٍ مِن مِثلِه لأنّهم إذا لم يَأتُوا بها وتَبَيَّنَ عَجزُهم عن المعَارضَةِ صَحَّ عِندَهُم صِدقُ الرّسولِ ، وإذَا صَحّ عِندَهُم صِدْقُه ثُمّ لَزِمُوا العِنَادَ وأَبَوُا الانقِيَادَ استَوجَبُوا النّارَ فقِيلَ لهم : إنِ اسْتَبَنتُمُ العَجْزَ فَاتْرُكُوا العِنَادَ ، فوُضِعَ فَاتَّقُوا النّارَ مَوضِعَهُ لأنّ اتّقَاءَ النّارِ سَبَبُ تَرْكِ العِنَادِ وهوَ مِن بابِ الكِنَايَةِ وهيَ مِن شُعَبِ البَلاغَةِ (أي جُزْءٌ مِن أَجْزَاءِ البَلاغَةِ) ، وفَائِدَتُه الإيجَازُ الذي هوَ مِن حِلْيَةِ القُرآن. (القُرءانُ امتَازَ مِن بَينِ الكُتُبِ السَّمَاويّةِ بأنّ فيهِ إيْجَازًا في الجُمَل)

والوَقُودُ مَا تُرفَعُ بهِ النّارُ يَعني الحَطَب ،

ومَعنى قَولِه تَعالى : {وَقُودُها النّاسُ والحِجَارَة} أنّها نَارٌ مُمتَازَةٌ عن غَيرِها مِنَ النّيرَانِ بأنّها تَتَّقِدُ بالنّاسِ والحِجَارَةِ وهيَ حِجَارَةُ الكِبرِيتِ ، فهيَ أشَدُّ تَوَقُّدًا وأَبْطَأُ خُمُودًا وأَنتَنُ رائِحَةً وأَلصَقُ بالبَدَنِ، أو الأصنَامُ المعبُودَةُ فَهيَ أشَدُّ تَحسِيرًا.

وإنّما قَرَنَ النّاسَ بالحِجَارَةِ لأنّهم قَرَنُوا بها أَنفُسَهُم في الدُّنيا حَيثُ عبَدُوهَا وجعَلُوهَا للهِ أنْدَادًا ونَحوُهُ قَولِه تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } أي حَطَبُها ، فقَرَنَهم بها مُحْمَاةً في نَارِ جَهنّمَ إبْلاغًا في إيْلامِهم (أي تَشدِيدًا في إيْلَامِهِم).

(في جَاهِليّةِ العَرَبِ كَانَ عِبَادَةُ الحِجَارَةِ كَثِيرًا فِيهِم حتى إنّ الرّجُلَ إذَا كانَ يَعبُد حَجَرًا ثم إذا لَقِيَ حَجَرًا أَحْسَنَ مِنهُ مَنظَرًا يَترُك الذي كانَ مَعه ويَأخُذُ هَذا الذي استَحلَاهُ فيَعبُدُه ولذَلكَ أَنْزَلَ الله" أَفرَأيْتَ مَنِ اتّخَذَ إلهَهُ هَواه")

{ أُعِدَّتْ لِلْكَـافِرِينَ } (24) هُيّئَتْ لهم.

وفيهِ دَلِيلٌ على أنّ النَّارَ مَخلُوقَةٌ خِلافًا لِمَا يَقُولُهُ جَهمٌ (جَهمُ بنُ صَفوانَ رَئيسُ الجَهمِيّةِ قُتِلَ في أيّامِ الأُمَوِيّينَ لِكُفرِه ، سُئلَ مَرّةً قَالُوا لهُ: مَا تَعبُدُ، أو مَا مَعبُودُكَ أو صِفْ لنَا مَعبُودَكَ، فَاخْتَلَى أيّامًا ثم خَرَج إلى النّاسِ فقَال: هوَ هَذا الهواءُ معَ كلّ شَىءٍ وفي كُلّ شَىءٍ وعلى كُلّ شَىءٍ، ولهُ مقَالاتٌ أُخرَى في الضّلالِ.)

سُنّةُ اللهِ في كِتَابِه أنْ يَذكُرَ التّرغِيبَ معَ التّرهِيبِ تَنشِيطًا لاكْتِسَابِ مَا يُزلِفُ (أي يُقَرّبُ) وتَثبِيطًا عن اقْتِرافِ مَا يُتلِفُ ،

https://www.islam.ms/ar/?p=452
سني أهل السنة دروس دينية إسلامية ثقافة إسلامية تفسير قرآن تفسير سورة البقرة تفسير النسفي منافقين منافق