تفسير سورة البقرة آية 27

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

من تفسير الإمام النسفي (ت 710 هـ) مدارك التنزيل وحقائق التأويل:

{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} النَّقْضُ : الفَسْخُ وفَكُّ التّركِيبِ. والعَهدُ : الْمَوثِقُ.

والمرادُ بهؤلاء النّاقضِينَ لِعَهدِ اللهِ أَحبَارُ اليَهُودِ الْمُتَعَنِّتُونَ أو مُنَافِقُوهُم أو الكُفّارُ جمِيعًا.

وعَهدُ اللهِ مَا رَكَزَ في عُقُولِهم مِنَ الحُجَّةِ على التّوحِيدِ كَأنّهُ أَمرٌ وَصّاهُم بهِ ووَثّقَه علَيهِم ، أو أَخَذَ الْمِيثَاقَ علَيهِم بأَنّهم إذَا بُعِثَ إلَيهِم رَسُولٌ يُصَدّقُهُ اللهُ بمعجِزَاتِه صَدّقُوهُ واتّبَعُوهُ ولم يَكتُمُوا ذِكْرَه ، أو أخَذَ اللهُ العَهدَ علَيهِم أنْ لا يَسفِكُوا دِماءَهُم ولا يَبغِي بَعضُهُم على بَعضٍ ولا يَقطَعُوا أَرحَامَهُم.

وقِيلَ : عَهدُ اللهِ إلى خَلقِه ثَلاثَةُ عُهُودٍ : العَهدُ الأوّلُ الذي أخَذَه على جمِيع ذُرّيّةِ آدمَ علَيهِ السّلام بأنْ يُقِرُّوا برُبُوبِيّتِه وهو قَولُه تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَـامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـذَا غَـافِلِينَ } (الأعراف : 172) الآيةَ ، وعَهدٌ خَصَّ بهِ النَّبِيّينَ أنْ يُبَلّغُوا الرّسَالَةَ ويُقِيمُوا الدّينَ وهوَ قَولُه تَعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيّينَ مِيثَـاقَهُمْ } (الأحزاب : 7) وعَهدٌ خَصَّ بهِ العُلمَاءَ وهو قولُه تعالى : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَـاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَـابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ }

{مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} أصْلُهُ مِنَ الوَثَاقَةِ وهيَ إحْكَامُ الشَّيء ، والضَّمِيرُ للعَهدِ وهوَ مَا وَثَّقُوا بهِ عَهدَ اللهِ مِن قَبُولِه وإلزامِه أَنفُسَهُم ، ويجُوز أنْ يَكُونُ بمعنى تَوثِقَتِه كَمَا أنّ الْمِيعَادِ بمعنى الوَعْدِ أو للهِ تَعالى أي مِن بَعدِ تَوثِقَتِه علَيهِم، و " مِن " لابْتِدَاءِ الغَايَةِ

{وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} هوَ قَطْعُهُم الأرحَامَ ومُوالاةَ المؤمنِينَ ، أو قَطْعُهُم مَا بَينَ الأنبِياءِ مِنَ الوُصْلَةِ والاجتِمَاعِ على الحقّ في إيمانِهم ببَعضٍ وكُفرِهم ببَعضٍ. (كمَا فعَلَتِ اليَهُودُ تَعتَرف بموسى أنّهُ نَبيّ وتُكَذّبُ عِيسَى ومحَمَّدًا)

والأمرُ طَلَبُ الفِعلِ بقَولٍ مَخصُوصٍ على سَبِيلِ الاستِعلاءِ ،

{وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} بقَطْعِ السَّبِيلِ والتَّعوِيقِ عن الإيمانِ

{أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)} أي المغبُونُونَ حَيثُ استَبدَلُوا النّقْضَ بالوَفاءِ والقَطْعَ بالوَصْلِ والفَسَادَ بالصَّلاحِ والعِقَابَ بالثَّوابِ.

https://www.islam.ms/ar/?p=455
سني أهل السنة دروس دينية إسلامية ثقافة إسلامية تفسير قرآن تفسير سورة البقرة تفسير النسفي منافقين منافق