تفسير سورة البقرة من آية 67 إلى 70

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

من تفسير الإمام النسفي (ت 710 هـ) مدارك التنزيل وحقائق التأويل:

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} أي واذْكُرُوا إذْ قالَ مُوسَى ، وهوَ مَعطُوفٌ على نِعمَتيَ في قَولِه {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} كأَنّهُ قالَ : اذْكُرُوا ذَاكَ واذْكُرُوا إذْ قالَ مُوسَى. وكذَلكَ هَذا في الظُّرُوفِ التي مَضَت أي اذكُرُوا نِعمَتي ، واذْكُرُوا وَقْتَ إنْجَائِنَا إيّاكُم ، واذْكُرُوا وَقتَ فَرَقْنَا ، واذْكُرُوا نِعمَتِيَ ، واذْكُرُوا وَقتَ اسْتِسقَاءِ مُوسَى رَبَّه لقَومِه. والظُّرُوفِ التي تَأتي إلى قَولِه {سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ} أي بأنْ {تَذْبَحُوا بَقَرَةً} قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : أوّلُ القِصّةِ مؤخَّرٌ في التّلاوَةِ وهوَ قَولُه تَعالى “وإذْ قَتَلتُم نَفْسًا فادّارَأتُم فِيهَا". وذلكَ أنّ رَجُلًا مُوسِرًا اسمُه " عَامِيلُ " قَتَلَهُ بَنُو عَمّه لِيَرِثُوهُ وطَرَحُوهُ على بابِ مَدِينَةٍ ثمّ جَاؤوا يُطَالِبُونَ بدِيَتِه، فأَمَرَهُمُ اللهُ أنْ يَذبَحُوا بَقرَةً ويَضرِبُوهُ ببَعضِهَا لِيَحْيَا فيُخبِرَهُم بقَاتِلِه.

{قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} أتَجعَلُنَا مَكَانَ هُزْءٍ أو أَهْلَ هُزْءٍ أو الهزْءَ نَفسَه لِفَرْطِ الاستِهزَاءِ.

{قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ} العِيَاذُ واللِّيَاذُ مِن وَادٍ واحِدٍ. {أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)} لأنّ الهُزْءَ في مِثلِ هَذا مِن بَابِ الجَهْلِ والسَّفَهِ ، وفِيهِ تَعرِيضٌ بِهم أي أنتُم جَاهِلُونَ حَيثُ نَسَبتُمُوني إلى الاستِهزَاءِ.

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} سؤالٌ عن حَالِها وصِفَتِها لأَنَّهم كَانُوا عَالِمِينَ بِمَاهِيَتِها ، لأنّ "مَا" وإنْ كانَت سُؤالًا عن الجِنْس ، و"كَيفَ" عن الوَصفِ ولكنْ قَد تَقَعُ "مَا" مَوقِعَ "كَيفَ" ، وذَلكَ أنّهم تَعَجَّبُوا مِن بَقَرةٍ مَيْتَةٍ يُضرَبُ بِبَعضِها مَيْتٌ فَيَحْيَا فَسَأَلُوا عن صِفَةِ تِلكَ البَقرَةِ العَجِيبَةِ الشّأنِ ،

{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ} مُسِنّةٌ ، وسُمِّيَت فَارِضًا لأنّها فَرَضَتْ سِنَّهَا أي قَطَعَتْها وبَلَغَتْ آخِرَهَا. وارْتَفَعَ فَارضٌ لأنّهُ صِفَةٌ لـ " بَقَرة " ، وقَولُه

{وَلَا بِكْرٌ} فَتِيَّةٌ عَطفٌ علَيهِ.

{عَوَانٌ} نَصَفٌ.

{بَيْنَ ذَلِكَ} بَينَ الفَارِضِ والبِكْر ، ولم يَقُل بَينَ ذَيْنِكَ معَ أنّ " بَينَ " يَقتَضِي شَيئَينِ فصَاعِدًا لأنّهُ أرَادَ بَينَ هَذا المذكُورِ ،

{فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)} أي تؤمَرُونَهُ بمعنى تؤمَرُونَ بهِ ، أو أَمْرُكُم بمعنى مَأمُورُكُم .

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} مَوضِعُ مَا رَفعٌ لأنّ مَعنَاهُ الاستِفهَامُ تَقدِيرُه : ادْعُ لنَا رَبَّكَ يُبَيّنْ لنَا أيَّ شَيءٍ لَونُها.

{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} الفُقُوعُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الصُّفْرَةِ وأَنْصَعُه، يُقَالُ في التّوكِيدِ أَصفَرُ فَاقِعٌ ، وهوَ تَوكِيدٌ لِصَفراءُ ولَيسَ خَبَرًا عن اللَّونِ إلا أنّهُ ارْتَفَع اللَّونُ بهِ ارتِفَاعَ الفَاعِل ، ولا فَرْقَ بَينَ قَولِكَ صَفرَاءُ فَاقِعَةٌ وصَفرَاءُ فَاقِعٌ لَونُها ، وفي ذِكْرِ اللَّونِ فَائِدَةُ التّوكِيدِ لأنَّ اللَّونَ اسمٌ لِلهَيئَةِ وهيَ الصُّفْرَةُ فكَأَنَّهُ قِيلَ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ صُفرَتُها فهوَ مِن قَولِكَ جَدَّ جِدُّهُ

{تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)} لِحُسْنِهَا. والسُّرُورُ لَذَّةٌ في القَلْبِ عندَ حُصُولِ نَفْعٍ أو تَوَقُّعِه.

عن عَلِيٍّ رضيَ اللهُ عَنهُ : "مَنْ لَبِسَ نَعْلًا صَفرَاءَ قَلَّ هَمُّه لقَولِه تَعالى : تَسُرُّ النّاظِرِينَ" ،

{قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} تَكرِيرٌ للسُّؤالِ عن حَالِها وصِفَتِها واسْتِكشَافٌ زَائِدٌ لِيَزدَادُوا بَيَانًا لِوَصْفِها ، وعن النّبيّ علَيهِ السَّلامُ "لَو اعْتَرضُوا أدْنَى بقَرَةٍ فذَبَحُوهَا لَكَفَتْهُم ولَكِن شَدَّدُوا فَشُدَّدَ اللهُ علَيهِم" رواه البزار وابن مردويه. والاستِقصَاءُ شُؤمٌ (هَذا إذَا كَانَ لِغَيرِ حَاجَةٍ أمّا إذَا كانَ لِحَاجَةٍ فَلَيسَ شُؤمًا، هؤلاءِ لِغَيرِ حَاجَةٍ تَشَدَّدُوا)

{إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} إنّ البَقَرَ الْمَوصُوفَ بالتَّعوِينِ والصُّفْرَةِ كَثِيرٌ فَاشْتَبَه علَينَا

{وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)} إلى البَقَرةِ الْمُرادِ ذَبحُها أو إلى مَا خَفِيَ عَلَينَا مِن أَمرِ القَاتِل ، وإنْ شَاءَ اللهُ اعتراضٌ بينَ اسمِ "إنّ" وخَبَرِها.

وفي الحَديثِ "لَو لم يَستَثنُوا لَمَا بُيِّنَت لَهم آخِرَ الأبَد"رواه الطبري لَكنَّهُ لَيسَ ثَابِتًا. أي لَو لم يَقُولُوا إنْ شاءَ الله.

https://www.islam.ms/ar/?p=477
سني أهل السنة دروس دينية إسلامية ثقافة إسلامية تفسير قرآن تفسير سورة البقرة تفسير النسفي منافقين منافق قصة البقرة تذبحوا بقرة