تفسير سورة الفلق

تفسير سورة الفلق

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلَّى الله على رسول الله وسلَّم وعلى ءاله وأصحابه الطيبين وبعد.

سورة النّاس مكية في قول جابر وعطاء وغيرهما ومدنية في أحد قولي ابن عباس وهي خمس ءايات

بسم الله الرحمن الرحيم

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)

روى مسلم والترمذي والنسائي وأحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “أُنزلت عليَّ ءايات لم أر مثلهن، المعوذتين”.

معنى «بسم الله» أي أبتدئ باسم الله، ولفظ الجلالة «الله» علم للذات المقدس المستحقِّ لنهاية التعظيم وغايةِ الخضوع، ومعناهُ من له الإلهية وهي القدرةُ على الاختراع أي إبرازِ المعدومِ إلى الوجودِ.

واسم الله علم غير مشتق قال الخليل بن أحمدَ الفراهيديُّ: اسم الذات المقدس الله ليس مشتقًا بل مرتجل، وحُكي عن سيبويه، هذا الذي اختاره الأكابر من اللغويين. وكلمة الإله خاصة بالله فمن استعملها لغير الله يكفر. أنظر: كَيْفَ يُحَافِظُ المُسْلِمُ عَلَى إيـمَانِهِ: إجْتِناب الوُقوع في الرّدّةِ والكُفْرِ

والرحمٰنِ معناه الكثيرِ الرحمة بالمؤمنين والكافرين في الدنيا وبالمؤمنين في الآخرة. أما الرحيم فمعناه الكثيرِ الرحمة بالمؤمنين.

قال الله تعالى: ﴿ وَرَ‌حْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [سورة الأعراف آية 156]. هذه الآيةُ دليلٌ على أنّ الله تعالى يرحمُ المؤمنين والكافرين في الدنيا وذلك بأن يُعطيَهُم الصحةَ والرزقَ والهواءَ العليلَ والماءَ الباردَ وما أشبهَ ذلكَ، أما في الآخرة فيخُصُّها للمؤمنين. ﴿ورحمتي وسعت كل شىء﴾ أي في الدنيا ﴿فسأكتبها﴾ أي في الآخرة ﴿للذين يتقون﴾ أي يجتنبون الشرك وجميع أنواع الكفر. كما جاء في الحديث الصحيح: « إن الله يعطي الدنيا لِمن يُحب ولِمن لا يُحب ولا يُعطي الإيمانَ إلا لِمن يُحب » وفي رواية « إن الله يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب ولا يعطي الإيمان إلا لمن يحب ». الله تبارك وتعالى فضلاً منه وكرمًا جعلَ رحمتَه في الدنيا عامة شاملة للمؤمنينَ والكافرينَ وجعلها خاصةً في الآخرةِ بالمؤمنينَ دونَ الكافرينَ عدلاً منهُ لأنه تبارك وتعالى ليس ملزمًا بشىء.

قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1)﴾ قال البخاري : “وقال مجاهد : الفلق : الصبح”، و﴿قُلْ﴾ أي يا محمد و﴿أَعُوذُ﴾ أستجير.

﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)﴾ في القرطبي : “هو عام، أي من شر كل ذي شر خلقه الله عزَّ وجلَّ” اهـ، وقد ذكر البخاري قوله تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2)﴾ في كتاب القدر من صحيحه، قال الحافظ ابن حجر : “يشير ـ أي البخاري ـ بذكر الآية إلى الرد على من زعم أن العبد يخلق فعل نفسه لأنه لو كان السوء المأمور بالاستعاذة بالله منه مختَرعًا لفاعله لما كان للاستعاذة بالله منه معنى، لأنه لا يصح التعوذ إلا بمن قدر على إزالة ما استعيذ به منه” اهـ.

وقرأ ابن يعمر : “خُلِق” بضم الخاء وكسر اللام.

﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3)﴾ قال البخاري : “وقال مجاهد : غَاسِقٌ : الليلُ، إذا وَقَبَ: غروبُ الشمس” اهـ. قال الراغب في المفردات : “وذلك عبارة عن النائبة بالليل كالطارق” اهـ، وقال القرطبي : “في الليل تخرج السباع من ءاجامِها والهوامُّ من أماكنها وينبعث أهل الشر على العبث والفساد” اهـ.
وروى الترمذي والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَظَرَ إلى القمر فقال لعائشة : “استعيذي بالله من شره فإنه الغاسق إذا وقب”، قال الترمذي : “هذا حديث حسن صحيح”.

﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4)﴾ هن السواحِر، والنفَّاثات جمع نفَّاثة مثال مبالغة، قاله السمين الحلبي، وفي المفردات : “النَّفْثُ قذف الريق القليل وهو أقل من التَّفْلِ” اهـ. ومعنى قوله تعالى : ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4)﴾ أي الساحرات اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يقرأن عليها.

﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)﴾ يعني الحاسد إذا أظهر حسده وهو كراهية النعمة للمسلم وتمني زوالها واستثقالُها له وعملٌ بمقتضاها، دينيةً كانت النعمة أو دنيويةً، فالحاسد لا يؤثر حسده إلا إذا أظهره بأن يحتال للمحسود فيما يؤذيه أما إذا لم يظهر الحسد فما يتأذى به إلا الحاسد لاغتمامه بنعمة غيره، وقيل : الحسد أول معصية عصي بها الله في الجنة أي حسد إبليس لنبي الله ءادم عليه السلام، وأول معصية عصي بها في الأرض أي حسد قابيل هابيل ثم قتل قابيل لهابيل، والله أعلم.

الحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صله