شروط الإرضاع وشرح حديث إرضاع الكبير

شروط الإرضاع وشرح حديث إرضاع الكبير

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

شروط الإرضاع الذي تحرم به المرأة

الشرط للتحريم أي لتكون محرما له هو أن يكون الطفل دون السنتين وأن يرضع منها خمس رضعات متفرقات كما هو مذهب الشافعي رضي الله عنه.

فالرضاع الذي يثبت به التحريم هو ما كان في الصغر دون الكبر، والحد الفاصل بين الصغر والكبر مختلف فيه:

فيرى الشافعية والحنابلة والصاحبان من الحنفية: أن حد الصغر حولان.( أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري 3/416، ومغنى المحتاج للشيخ الخطيب الشربيني 5/127، 128، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 3/215، وكشاف القناع له أيضًا 5/455)

أما المالكية فالزيادة القريبة عن الحولين تدخل في التحريم، وحَدُّها شهر أو شهران على المعتمد عندهم.( شرح مختصر خليل للخرشي 4/178 )

بينما ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن حد الصغر ثلاثون شهرًا أي: عامين ونصف. وقال زفر بن الهذيل – من الحنفية -: إن حد الصغر ثلاثة أعوام.( بدائع الصنائع للكاساني 4/5، 6 بتصرف).

وقول الجمهور – من أن الرضاع الذي يثبت به التحريم هو ما كان في الصغر دون الكبر – هو قول أكثر أهل العلم، روي نحو ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم سوى عائشة، وإليه ذهب الشعبي، وابن شُبْرُمة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور (المغني لابن قدامة 8/142 ).

الأدلّة الشّرعية على أن الرضاع المـحَرِم هو ما كان في الصغر دون الكبر

استدل جمهور الفقهاء لما ذهبوا إليه – من أن الرضاع المـحَرِم هو ما كان في الصغر دون الكبر – بعدة أدلة:

1. قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ[البقرة: 233]، فجعل الحق تبارك وتعالى تمام الرضاعة في الحولين، فأفهم بأن الحكم بعدهما بخلافه.

وأخبرت هذه الآية الكريمة مع قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا[الأحقاف: 15] عن أقل مدة الحمل وكمال مدة الرضاع(كفاية الطالب الرباني لأبي الحسن علي بن خلف المنوفي المالكي 2/115، 116، أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري 3/416، ومغني المحتاج للشيخ الخطيب الشربيني 5/128، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 3/215، وكشاف القناع له أيضًا 5/455).

2. ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: “انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة”، فأشار صلى الله عليه وسلم إلى أن الرضاع في الصغر هو المـحَرِّم؛ لأنه حال الحاجة إلى الغذاء واللبن، وهو الذي يدفع الجوع، أما جوع الكبير فلا يندفع بالرضاع(بدائع الصنائع للكاساني 4/5، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 3/215 – والحديث متفق عليه: صحيح البخاري (4814)، وصحيح مسلم (1455) واللفظ للبخاري).

3. عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام”، ورضاع الصغير هو الذي يفتق الأمعاء لا رضاع الكبير؛ لأن أمعاء الصغير تكون ضيقة لا يفتقها إلا اللبن؛ لكونه من ألطف الأغذية، أما أمعاء الكبير فمنفتقة لا تحتاج إلى الفتق باللبن (بدائع الصنائع للكاساني 4/5، أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري 3/416، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 3/215، وكشاف القناع له أيضًا 5/455 – والحديث في سنن الترمذي (1152)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا).

4. حديث: “لا رضاع إلا ما كان في الحولين”(أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري 3/416، ومغني المحتاج للشيخ الخطيب الشربيني 5/128، 215، وكشاف القناع للبهوتي 5/455 – قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (4/8): “حديث: “لا رضاع إلا ما كان في الحولين” رواه الدارقطني (4/174) من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وقال: تفرد برفعه الهيثم بن جميل، عن ابن عيينة، وكان ثقة حافظًا، وقال ابن عدي في الكامل (7/104): يعرف بالهيثم، وغيره لا يرفعه، وكان يغلط، ورواه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة، فوقفه، وقال البيهقي في السنن الكبرى (7/462): الصحيح موقوف. وروى البيهقي عن عمر، وابن مسعود التحديد بالحولين، قال: ورويناه عن سعيد بن المسيب، وعروة والشعبي، ويحتج له بحديث فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام”).

5. ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم”، وذلك هو رضاع الصغير دون الكبير؛ لأن إرضاعه لا ينبت اللحم ولا ينشر العظم (بدائع الصنائع للكاساني 4/5 – قال الحافظ بن حجر في التلخيص الحبير (4/8): “حديث:”الإرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم”. أبو داود (السنن 2059) من حديث أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعود بلفظ: “لا رضاع إلا…”. وفيه قصة له مع أبي موسى في رضاع الكبير. وأبو موسى وأبوه; قال أبو حاتم (الجرح والتعديل 9/438): مجهولان. لكن أخرجه البيهقي (السنن الكبرى 7/461) من وجه آخر، من حديث أبي حصين، عن أبي عطية قال: جاء رجل إلى أبي موسى فذكر بمعناه”.).

وقد روي هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود، وذلك: أن رجلا من أهل البادية ولدت امرأته ولدًا فمات ولدها فورم ثدي المرأة فجعل الرجل يمصه ويمجه فدخلت جرعة منه حلقه فسأل عنه أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قد حرمت عليك، ثم جاء إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فسأله فقال: هل سألت أحدًا، فقال: نعم سألت أبا موسى الأشعري فقال: حرمت عليك، فجاء ابن مسعود أبا موسى الأشعري رضي الله عنهما فقال له: أما علمت أنه إنما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم(بدائع الصنائع للكاساني 4/5 – وهذا الأثر في سنن الدارقطني 4/173، وفي سنن البيهقي 7/460، 461).

6. ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا رضاع بعد فصال”(بدائع الصنائع للكاساني 4/5 – قال الزيلعي في نصب الراية (3/416، 417): “قال عليه السلام: “لا رضاع بعد الفصال” قلت: روي من حديث علي، ومن حديث جابر. فحديث علي: رواه الطبراني في معجمه الصغير (2/158): عن علي, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد حلم” انتهى. طريق آخر: رواه عبد الرزاق في مصنفه (6/416): عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا رضاع بعد الفصال” انتهى. ثم رواه عن الثوري عن جويبر به موقوفًا، قال العقيلي في كتابه الضعفاء (4/428): وهو الصواب – لكني لم أقف على الشاهد من الحديث فيه -، ورواه ابن عدي في الكامل (1/362، 363) – بلفظ: “لا رضاع بعد فطام” – من حديث أيوب بن سويد عن الثوري به مرفوعًا، وأعله بأيوب هذا، ثم قال: وهذا الحديث رواه عبد الرزاق: مرة عن معمر فرفعه، ومرة عن الثوري فوقفه – كما مر – انتهى. وأما حديث جابر: فرواه أبو داود الطيالسي في مسنده (1/243) حدثنا خارجة بن مصعب عن حرام بن عثمان عن أبي عتيق عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام” انتهى. ورواه ابن عدي في الكامل (2/447)، وأعله بحرام، ونقل عن الشافعي، وابن معين أنهما قالا: الرواية عن حرام حرام.انتهى. واعلم أن تمام الدلالة من الحديث من قوله تعالى: {وفصاله في عامين} انتهى”).

7. ما روي عن عبد الله بن عمر أن رجلا جاء إلى عمر رضي الله عنه فقال: كانت لي وليدة أطؤها فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها فدخلت عليها فقالت: دونك مقدور الله أرضعتها، فقال عمر رضي الله عنه: واقعها فهي جاريتك فإنما الرضاعة عند الصغر(بدائع الصنائع للكاساني 4/5 – و هذا الأثر في موطإ الإمام مالك 2/578، وفي سنن البيهقي 7/461).

حديث سهلة وسالم

وبعد، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن سالما مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت، تعني ابنة سهيل، النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال وعقل ما عقلوا، وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة، فرجعت فقالت: إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة. رواه مسلم، وابنة سهيل هي سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري، امرأة أبي حذيفة.

وقد أجاب جمهور أهل العلم عن قصة سالم بأجوبة: منها أنه حكم منسوخ، ومنها أنه خاص بسالم وامرأة أبي حذيفة.اهـ

ويدل على ذلك ما جاء في بعض الروايات عند مسلم عن ابن أبي مليكة أنه سمع هذا الحديث من القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة رضي الله عنها، قال ابن أبي مليكة: فمكثت سنة أو قريبا منها لا أحدث به وهبته، ثم لقيت القاسم فقلت له: لقد حدثتني حديثا ما حدثته بعد، قال: فما هو ؟ فأخبرته، قال: فحدثه عني أن عائشة أخبرتنيه.اهـ وفي رواية النسائي: فقال القاسم: حدث به ولا تـهابه.اهـ

قال ابن عبد البر في التمهيد: هذا يدلك على أنه حديث ترك قديما ولم يعمل به ولم يتلقه الجمهور بالقبول على عمومه بل تلقوه على أنه خصوص، والله أعلم، وممن قال: رضاع الكبير ليس بشيء، ممن رويناه لك عنه وصح لدينا عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وابن عمر وأبو هريرة وابن عباس وسائر أمهات المؤمنين غير عائشة وجمهور التابعين وجماعة فقهاء الأمصار منهم الثوري ومالك وأصحابه والأوزاعي وابن أبي ليلى وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبري ومن حجتهم قوله صلى الله عليه وسلم “إنما الرضاعة من المجاعة ولا رضاع إلا ما أنبت اللحم والدم“.اهـ

وفي شرح الزرقاني على الموطأ ما جاء في الرضاعة بعد الكبر: قال الحافظ ابن عبد البر: ” هذا يدل على أنه حديث ترك قديما ولم يعمل به، ولا تلقاه الجمهور بالقبول على عمومه، بل تلقوه على أنه خصوص، وقال ابن المنذر لا يبعد أن يكون حديث سهلة منسوخا “. اهـ

وقال الحافظ الدارمي عقب ذكره الحديث في سننه: ” هذا لسالم خاصة “.اهـ

وبذلك صرحت بعض الروايات، ففي صحيح مسلم عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول: أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا.اهـ  زاد أبو داود: حتى يرضع في المهد.اهـ

قال الإمام أبو عبد الله المـازري في الـمُعْلِم بفوائد مسلم، كتاب الرضاع، باب رضاعه الكبير، عن حديث: أرضعيه تـحـرُمي عليه: وحمله الجمهور على أن ذلك من خصائص سهلة، وقد ثبت أن أم سلمة وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم منعن أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحد، وقلن لعائشة: إنه خاص في رضاعة سالم وحده.اهـ

ثم قال عن حديث: إنما الرضاع ما فتق الأمعاء: وقد نبه صلى الله عليه وسلم على اعتبار ما فتق الأمعاء، وهذا يوجد في اللبن الواصل إلى الجوف صبًا في الحلق أو التقامًا للثدي، ولعله هكذا كان رضاع سالم، يصبه في حلقه دون مسه ببعض أعضائه ثدي امرأة أجنبية.اهـ

قال القاضي عياض في إكمال الـمُـعْلِم بفوائد مسلم، كتاب الرضاع، باب رضاعه الكبير (4/640-643): قوله في الحديث:” أرضعيه يذهب ما في نفس أبي حذيفة“، وفي الطريق الآخر:” تـحـرُمي عليه“: قد حملها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص كما تقدم، بدليل الكتاب لقوله: [حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ] البقرة:233، وبدليل الحديث الآخر، قوله:” لا رضاع بعد فطام “، وقوله: ” إنما الرضاعة من المجاعة “، ولأن الخطاب في سالم قضية في عين لم يأت في غيره، وسبق له تبنّ وصفة لا توجد بعد في غيره، فلا تقاس عليه، مع ما لأمهات المؤمنين من شدة الحكم في الحجاب واختصاصهن بالتغليظ في ذلك، وقد جاء في الموطأ والبخاري وغيرهما أن أبا حذيفة كان تبناه في الجاهلية.اهـ

ثم قال القاضي: قال بعضهم: وحملوا ما جاء في ذلك من حديث سالم على الخصوص أو على النسخ. اه

قال الزرقاني في شرحه على الموطأ : “إذ لا يجوز رؤية الثدي ولا مسه ببعض الأعضاء“.اهـ

وقد وردت بذلك رواية: أخرجها ابن سعد في الطبقات عن الواقدي عن محمد بن عبد الله عن أبيه قال: ” كانت سهلة تحلب في مسعط أو إناء قدر رضعته فيشربه سالم في كل يوم حتى مضت خمسة أيام، فكان بعد ذلك يدخل عليها وهي حاسر رأسها رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسهلة.اهـ وفي سندها الواقدي.

 وأخرج عبد الرازق في مصنفه، باب رضاع الكبير (7\458): عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يسأل، قال له رجل: «سقتني امرأة من لبنها بعدما كنت رجلا كبيرا، أأنكحها ؟». قال: «لا». قلت: «وذلك رأيك؟». قال: «نعم » قال عطاء: كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها».اهـ

وقال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (8/ 257): هكذا إرضاع الكبير كما ذكر يحلب له اللبن ويسقاه وأما أن تلقمه المرأة ثديها كما تصنع بالطفل، فلا، لأن ذلك لا يحل عند جماعة العلماء. وقد أجمع فقهاء الأمصار على التحريم بما يشربه الغلام الرضيع من لبن المرأة وإن لم يمصه من ثديها. انتهى

وقد عرف الشربيني الرضاع شرعا بأنه: « اسم لحصول لبن امرأة أو ما يحصل منه في معدة طفل أو دماغه ».اهـ

وفي كتاب الروض المربع للحنابلة: كتاب الرضاع، وشرعًا: مص من دون الحولين لبنا ثاب عن حمل أو شربه أو نحوه.اهـ

وقال القرطبي في “المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم” (4/ 188): وقد اعتضد الجمهور على الخصوصية بأمور، منها: – قاعدة الرضاع، فإن الله تعالى قد قال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة: 233]. فهذه أقصى مدة الرضاع المحتاج إليه عادة، المعتبر شرعا، فما زاد عليه بمدة مؤثرة غير محتاج إليه عادة، فلا يعتبر شرعا؛ لأنه نادر، والنادر لا يحكم له بحكم المعتاد- قاعدة تحريم الاطلاع على العورة، فإنه لا يختلف في أن ثدي الحرة عورة، وأنه لا يجوز الاطلاع عليه، لا يقال: يمكن أن يرضع ولا يطلع، لأنا نقول: نفس التقام حلمة الثدي بالفم اطلاع، فلا يجوز.اهـ

وقال الحافظ عبد الرحيم العراقي في طرح التثريب في شرح التقريب (7/349): وجعل أبو العباس القرطبي ذلك دليلا على الاختصاص به لأن القاعدة تحريم الاطلاع على العورة، ولا يختلف في أن ثدي الحرة عورة لا يجوز الاطلاع عليه، قال: ولا يقال يمكن أن يرضع، ولا يطلع لأنا نقول نفس التقام حلمة الثدي بالفم اطلاع فلا يجوز.اهـ ثم قال الحافظ العراقي: الحق ما ذكرناه أولا من شربه محلوبا، وقد قال ابن عبد البر بعد حكايته قول رجل لعطاء سقتني امرأة من لبنها، وأنا رجل، هكذا رضاع الكبير كما ذكر عطاء يحلب له اللبن، ويسقاه، وأما أن تلقمه المرأة ثديها كما يصنع بالطفل فلا؛ لأن ذلك لا يحل عند جماعة العلماء. وقد أجمع فقهاء الأمصار على التحريم بما يشربه الغلام الرضيع من لبن المرأة، وإن لم يمصه من ثديها. انتهى

وقال ابن قتيبة الدينوري في كتابه: تأويل مختلف الحديث ( ص308 ):  فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحلها عنده وما أحب من ائتلافهما ونفي الوحشة عنهما أن يزيل عن أبي حذيفة هذه الكراهة ويطيب نفسه بدخوله فقال لها: أرضعيه، ولم يرد ضعي ثديك في فيه كما يفعل بالأطفال ولكن أراد احلبي له من لبنك شيئا ثم ادفعيه إليه ليشربه ليس يجوز غير هذا لأنه لا يحل لسالم أن ينظر إلى ثدييها إلى أن يقع الرضاع فكيف يبيح له ما لا يحل له وما لا يؤمن معه من الشهوة. اهـ

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه على البخاري: (9/ 148): وذهب الجمهور إلى اعتبار الصغر في الرضاع المحرم وقد تقدم ضبطه، وأجابوا عن قصة سالم بأجوبة: منها أنه حكم منسوخ وبه جزم المحب الطبري في أحكامه.اهـ، ثم قال الحافظ: ومنها دعوى الخصوصية بسالم وامرأة أبي حذيفة، والأصل فيه قول أم سلمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: ما ترى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة، وقرره ابن الصباغ وغيره.اهــ

قال النووي في شرح مسلم كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير (ج/ص: 10/31): واختلف العلماء في هذه المسألة: فقالت عائشة وداود: تثبت حرمة الرضاع برضاع البالغ كما تثبت برضاع الطفل لهذا الحديث. وقال سائر العلماء من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار إلى الآن: لا يثبت إلا بإرضاع من له دون سنتين. إلا أبا حنيفة فقال: سنتين ونصف. وقال زفر: ثلاث سنين. وعن مالك رواية: سنتين وأيام. واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة: 233] وبالحديث الذي ذكره مسلم بعد هذا: “إنما الرضاعة من المجاعة“. وبأحاديث مشهورة، وحملوا حديث سهلة على أنه مختص بها وبسالم، وقد روى مسلم عن أم سلمة وسائر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهن خالفن عائشة في هذا، والله أعلم.اهـ

ثم قال- أي النووي- : قوله صلى الله عليه وسلم: (أرضعيه) قال القاضي-أي عياض-: لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها ولا التقت بشرتاهما، وهذا الذي قاله القاضي حسن.اهـ

وبعد كل هذه النصوص الصريحة والواضحة يظهر جليا لكل منصف أن الرضاع الذي يثبت به التحريم هو ما كان في الصغر دون الكبر، وأن ذاك الحديث الذي احتج به المعارض خاص بسالم دون غيره، وأنه يحرم الاطلاع على العورات، وأن ثدي الحرة عورة لا يجوز الاطلاع عليه، وبالأولى يحرم مسه من قبل أجنبي.

مقالات ذات صله