فصل فيما يجوز أن يسمى الله به وما لا يجوز

فصل فيما يجوز أن يسمى الله به وما لا يجوز

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّـهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ {١٨٠}﴾[سورة الأعراف آية 180].

لا يجوز تسمية الله بما لم يَرِد به توقيف أي لم يرد الإذن به شرعًا في الكتاب والسنة، فلا يجوز تسميته جسمًا أو جوهرًا أو روحا أو سببا أو علة أو محركا أو عقلا أو أصلا. وتسمية الله بذلك كفر وخروج عن الإسلام. أنظر: كَيْفَ يُحَافِظُ المُسْلِمُ عَلَى إيـمَانِهِ: إجْتِناب الوُقوع في الرّدّةِ والكُفْرِ.

فيُعلم من ذلك حرمة إطلاق الروح على الله، وفساد قول بعض الناس ءاه اسم من أسماء الله لأن ءاه باتفاق علماء اللغة لفظ وضع للشكاية والتوجع. وقد قرر أهل المذاهب الأربعة أن الأنين والتأوه يفسد الصلاة، وءاه من جملة ألفاظ الأنين، وقد عدَّها الزبيدي في شرح القاموس اثنتين وعشرين كلمة.

وما يروى أن الأنين اسم من أسماء الله فلا أصل له أخرجه الرافعي في تاريخ قزوين بإسنادٍ تالفٍ وهو مناقض لقول الله تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾[سورة الأعراف آية 180]، فقد فسَّروا الحسنى بالدالة على الكمال، فلا يجوز أن يكون اسم من أسماء الله تعالى دالا على خلاف الكمال. وما يدل على العجز والشكاية والتوجع مستحيل أن يكون اسمًا لله تعالى، وذلك دليلُ أن الحديث المذكور موضوع.

وانظروا في قول الإمام “ركن الإسلام علي السغدي الحنفي” بتكفير من سمى الله تعالى سببًا أو علة. وأما الروح فقد ورد في بعض كتب جهلة المتصوفة اسمًا ولا عبرة بذلك لأن الروح اسم جامد ليس من الأوصاف، ولأنه يدل على النقص لأن الروح جسم لطيف محدَث يتعلق بالبدن والله منزه عن أن يكون كذلك، وتعالى الله أن يسمى جسمًا. أنظر: اللهُ مَوْجُودٌ بِلاَ كَيْفٍ وَلاَ مَكَان ولا يجري عليه زمان. توحيد الله

ولا يجوز أيضًا إطلاق الفم على الله أو الأذن أو نحو ذلك لأنها من قبيل الأجسام.

ويستحيل أن يكون الله تعالى جسمًا إذ لو كان جسمًا لجاز عليه ما يجوز على الأجسام من الفناء والتغير ونحو ذلك ووجب له ما يجب للأجسام كالحدوث، ولصحت الألوهية للشمس والقمر والسماء والملائكة والجن وغير ذلك، وذلك محال، وما أدى إلى المحال وهو كونه جسمًا محال.

وأما الوجه فقد ورد في القرءان إطلاقه على الله بمعنى الذات كقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالِْكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن 27].

وهنا يتعين تفسيره بالذات لأنه ورد مرفوعًا موصوفًا بذو الجلال والإكرام، وذو مرفوع أيضًا لأن الصفة تتبع الموصوف في الإعراب. والذات المقدَّس هو الموصوف بالجلال والإكرام. وليس في ذلك حجّة للمجسمة الذين يعتقدون أن الله تعالى له وجه بمعنى الجزء المعهود.

أما العين واليد إذا أضيفتا إلى الله فلا يراد بهما الجارحة التي للإنسان ونحوه. قال البيهقي في كتابه الاعتقاد وغيره إنهما صفتان ليستا جارحتين، قال أبو حنيفة: ولكن يده صفته بلا كيف، وقال في الفقه الأبسط: ليست بجارحة.

وقال البيهقي في كتابه الأسماء والصفات ما نصه: “وقال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: ليس فيما يضاف إلى الله من صفة اليدين شمال لأن الشمال محل النقص والضعف، وقد روي : “وكلتا يديه يمين”، وليس معنى اليد عندنا الجارحة إنما هو صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيّف، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة وهو مذهب أهل السنة والجماعة.

وأما السّاق فلم يرد مضافًا إلى الله في حديث صحيح، والرواية الصحيحة هي الموافقة لما جاء في الكتاب من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾[سورة القلم آية 42]. وقد فسر ابن عباس الساق بالكرب والشدة، ولا يُعَوَّلُ على رواية ساقه بالضمير”. انتهى.

وأما القَدَمُ والرجل فمعناه الجماعة الذين يُقَدّمهم الله للنار فتمتلئ بهم وذلك فيما رواه البخاري وغيره: “لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فتقول قَطٍ قَطٍ“.

وكذلك ما ورد أن النار لا تمتلئ حتى يضع الله فيها رِجْلَهُ فتقول قط قط المراد بالرجل الفوج الذي يملأ الله بهم النار، ولغة العرب صالحة لهذا المعنى.

ولا يجوز جعل القدم والرجل من باب الصفات بل الإضافة فيهما إضافة مِلْكٍ. فمن جعل لله قدمًا ورجلا بمعنى الجزء فقد جعل الله مثل خلقه وذلك كفر، وكذب قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاء ءالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾ [سورة الأنبياء آية 99]، فقد أفهمنا أن كل شىء يَرِدُ النار فهو مخلوق ليس بإله.

وأما العين واليد والرضا والغضب ونحو ذلك مما جاء به الكتاب أو الحديث الثابت الصحيح الإسناد المتفق على توثيق رواته فمحمول على أنه صفة أزلية، بخلاف ما أضيف إليه تعالى إضافة مِلكٍ وتشريف كالروح.

قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر: “ورضاه وغضبه من صفاته بلا كيف“.

يعني أن رضاه وغضبه ليس من الانفعالات التي تحدث في ذاته تعالى، لأنه لو كانت تحدث له صفة لكان ذاته حادثًا وهذا مستحيل.

وكذا يقال في محبته لما يحب وكراهيته لما يكره ليس انفعالا حادثًا في ذاته بل جميع ذلك ونحوه مما يضاف إليه تعالى من الصفات الأزلية ليس حادثًا في ذاته، هذا فيما يضاف إلى الله على أنه صفة.

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله في كتابه «الفقه الأبسط»: «كان الله ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخَلْق، كان ولم يكن أينٌ ولا خَلْق ولا شىء وهو خالق كل شىء». ومن نفيس كلامه في تنزيه الله تعالى عن كل ما هو من صفات الأجسام قوله في الفقه الأكبر: «يده صفته بلا كيف» أي أن اليد صفة له من غير أن تكون جارحة» وقال أيضًا: «والله واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، لا جسم ولا عَرَض ولا حَدَّ له ولا ضد ولا ند ولا مثل، لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شىء من خلقه، وهو شىء لا كالأشياء». كما كان أيضًا من المنزهين لله تعالى عن الصوت والحروف واللغة، إذ بَيَّن أن كلام الله تعالى الذاتي الأزلي الأبدي ليس بحرف ولا صوت فقال في «الفقه الأبسط» ما نصه: «ويتكلم لا ككلامنا، نحن نتكلم بالآلات من المخارج والحروف والله متكلم بلا ءالة ولا حرف، فصفاته غير مخلوقة ولا مُحْدثة، والتغير والاختلاف في الأحوال يحدث في المخلوقين، ومن قال إنها مُحدثة أو مخلوقة أو توقف أو شك فهو كافر».

أما ما يضاف إليه إضافة مِلك فالأمر ظاهر.

وهناك ما لا يصح أن يضاف إليه لا على معنى الصفة ولا على معنى الملك كقول بعض المفترين على الله: “كلمة خرجت من فم الله” زعمًا منه أنها من الإنجيل، وهو نقلها من بعض هذه الأناجيل المحرفة، ولا يدري أنه لا يصح النقل منها.

ومن الكُفر قول بعض المتهورين إن إطلاق الأب على الله كان في الإنجيل بمعنى أن الله متولي المسيح بالعناية لا بمعنى الأبوة الحقيقية، والحق الذي لا محيد عنه أنه لم يرد في كتاب سماوي إطلاق الأب عليه تعالى.

وأما هذه الكتب المحرفة فلا اعتماد على نقلها، وقد ألف الحافظ السخاوي في الزجر عن ذلك كتابه المسمى “الأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والإنجيل” [أي المحرفة].

وقد ورد في الزجر عن الاعتماد على النقل من التوراة والإنجيل بعد التحريف حديث أخرجه الطبراني وغيره بإسناد قريب من الحسن على ما يفهم من كلام الحافظ ابن حجر.

قال الحافظ اللغوي مرتضى الزبيدي : “وأما على القول بجواز إطلاق المشتق مما يثبت سمعًا اتصافه بمعناه وما يُشْعِرُ بالجلال ولم يوهِم نقصًا وإن لم يَرِد توقيف كما ذهبت إليه المعتزلة وأبو بكر الباقلاني فخطأ أيضًا لأنه لم يوجد في السمع ما يُسَوّغ إطلاقه، ولأن شرطه بعد السمع أن لا يُوهِم نقصًا، فيكتفون حيث لا سمع بدلالة العقل على اتصافه تعالى بمعنى ذلك اللفظ. ومن قال بإطلاق الألفاظ التي هي أوصاف دون الأسماء الجارية مجرى الأعلام كالمصنف يعني الغزالي في المقصد الأسنى والإمام الرازي فالشرط عنده كذلك فيما أجازه دون توقيف. واسم الجنس يقتضي النقص من حيث اقتضائية الافتقار إلى أجزائه التي يتركب منها وهو أعظم مقتض للحدوث، فمن أطلقه عليه تعالى فهو عاص، بل قد كفره الإمام ركن الإسلام فيمن أطلق عليه اسم السبب والعلة وهو أظهر، فإن إطلاقه عليه وهو غير مكره عليه بعد علمه بما فيه من اقتضاء النقص استخفاف بالربوبية وهو كفر إجماعًا”. اهـ.

الحمد لله ربّ العالمين

مقالات ذات صله