استقبال الكعبة فرض لصحة الصّلاة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين

قال الله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾[سورة البقرة آية 144]، ويقول الله تعالى: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾[سورة البقرة آية 150] فاستقبال الكعبة فرض لصحة الصّلاة.

فهذه الآيات دليل على أن استقبال القبلة في الصلاة فرض وهي الكعبة في المسجد الحرام وهذا شرط لصخة الصلاة. فلا يصح ما يفعله بعض الناس في المساجد والمصلّيات الذين يكتفون بالاتجاه إلى الحائط الذي ليس إلى جهة القبلة. لا يكفي أن يتجه الإمام وحده إلى القبلة والناس خلفه يتجهون إلى اتجاه آخر بدعوى إدخال أكثر عدد إلى المسجد أو المصلى، فلا تصح صلاتهم لأنهم تركوا ما أمره الله في هذه الآيات من فرضية استقبال القبلة في الصلاة.

إذا أراد المسلمُ القيامَ إلى الصَّلاة فإنَّ عليه أنْ يعرفَ مَوْقِعَهُ من الكعبةِ قبلَ أنْ يشرعَ في صلاته. وذلك يكون إما:

- بأنْ يَرَى الكعبةَ عِيانًا لمنْ أمكنه رؤيتُها عِيانًا فيستقبلَها كأنْ كان حاضرًا أمامَها،

- أو يخبرَه عن اتجاهها شخصٌ ثقةٌ عدلٌ يَرَى الكعبةَ بعينهِ فيأخذَ بقوله.

فإن تعذَّر رؤيتُها كأنْ كان بعيدًا عنها مَثَلًا اعتمدَ إنْ شاء على المساجد التي مرَّت عليها أزمنةٌ ومَرَّ بها علماء كُثُرٌ من أهلِ العلمِ والفَهْمِ ولم يعترضوا على محراب هذا المسجد. وإنْ شاء استدلَّ بحركةِ الشَّمْسِ أو بالنجمةِ القطبيَّة أو بالإبرة المغناطيسيَّة (البوصلة المجرّبة على النّجم القطبي) لمعرفة الاتجاهاتِ الأربعةِ التي تساعدُه على تحديد اتجاه الكعبة. فإنْ تعذَّر عليه رؤيةُ النجمةِ القطبيَّة أو مَطْلِعِ الشَّمْسِ أو مغربها اعتمدَ إنْ شاء على قول ثقةٍ رأى بعينهِ النجمةَ القطبيَّة أو مَطْلِعَ الشَّمْسِ ومغربهَا. فإن تعذَّر ذلك سأل غيرَه ممَّن اجتهد لمعرفةِ اتجاه الكعبة وفَهِمَ اجتهادَه والأساسَ الذي بنى عليه اجتهادَه، حتَّى إذا اطمأَنَّ قلبُه إلى اجتهاده أخذ به.

أمَّا إذا أحدُكم كَبَّرَ ناويـًا الصَّلاةَ من دون اجتهادٍ منه بالمرَّة لمعرفة موقعهِ هو من الكعبةِ وإنما اعتمادًا على قول غيرِه ممَّن اجتهد لمعرفة اتجاه القِبلة من غيرِ أنْ يَفْهَمَ اجتهادَه فيطمئنَّ قلبُه إلى هذا الاجتهاد فإنَّ صلاتَه باطلةٌ لا تَصِحُّ وإنْ تبيَّن له فيما بعدُ أنَّ الاتجاهَ الذي صَلَّى إليه صحيح.

القادرُ على الإجتهاد في القبلةِ لا يأخذُ بقول مجتهدٍ غيرِه. فإنْ فَعَلَ فصلاتُه باطلةٌ لا تنعقد. عليه أنْ يجتهدَ هو لنفسه. إذا كان أحدُكم قادرًا على أنْ يجتهدَ بنفسه لمعرفة اتجاه القبلة فإنَّ من الواجب عليه أن يعتمدَ على نفسهِ ولا يجوزُ له أن يعتمدَ في ذلك على اجتهاد غيرِه من غيرِ أن يفهمَ اجتهادَه فيطمئنَّ قلبُه إلى اجتهاده، لا يجوزُ له ذلكَ حتَّى ولو كانَ هذا الذي اجتهدَ من أهلِ العلم والفَهْمِ والصَّلاح. أصحابُ المذاهب الأربعة اتفقوا على ذلك. وأمَّا الطِّفْلُ المُمَيِّزُ الذي لا يُحْسِنُ الاجتهادَ فيقالُ له: القبلةُ من هنا .

وإذا دخلتَ مسجدًا من المساجد فكذلكَ لا بُدَّ لكَ من الاجتهاد لمعرفةِ القبلةِ إلَّا إذا كانَ هذا المسجدُ قديمًا مَضَى عليه نحوُ ثلاثُمِائَةِ سنةٍ مَثَلًا أو أكثرَ وصلَّى فيه أهلُ العلم من غيرِ أنْ يُنْكِرُوا وجهةَ محرابهِ فهذا تَصِحُّ الصَّلاةُ فيه من غيرِ اجتهاد. المسجدُ الذي لم يَمْضِ عليه زَمانٌ طويلٌ لا بُدَّ من الاجتهاد فيه .

ويُستثنى أيضًا من وجوب الاجتهاد ما إذا ضاقَ الوقتُ عن الاجتهاد فإنكَ تُصَلِّي كيفما تشاء ثمَّ تُعيد. إذا لم تعرفْ اتجاهَ القبلة ولم تجد مسجدًا صلَّى فيه المسلمونَ زمانـًا طويلًا فقلتَ في نفسكَ إن اشتغلتُ الآنَ بالاجتهاد، أي بالتفتيش عن علامات القبلة، خَرَجَ الوقتُ فإنَّ عليكَ أنْ تُصَلِّيَ قبلَ خُرُوجِ الوقت ثمَّ تُعيدَ تلكَ الصَّلاة.

ومَنْ عَجَزَ عن معرفة اتجاه القِبلة ولم يجد مَنْ يرشدُه صَلَّى إلى أيِّ اتجاه شاء. ثمَّ بعدَما يعرفُ الاتجاهَ يعيدُ الصَّلاة. أي إن احتارَ ولم يَدْرِ كيفَ يستدلُّ على جهة القِبلة ولم يجد مَنْ يرشدُه صلَّى إلى أيِّ اتجاه شاء ثمَّ يعيد. وإذا اجتهدَ شخصٌ لمعرفة القِبلة وبعدَ الصَّلاة تَيَقَّنَ الخَطَأَ وظَنَّ الصَّوابَ فعليه إعادة. وأمَّا إذا ظَنَّ الخَطَأَ وظَنَّ الصَّوابَ فلا إعادةَ عليه.

ومن اجتهد قبل الصَّلاة ثم بعد الصَّلاة تبيَّن له أنه كان قد أخطأ قليلا في اجتهادِه فإنَّ صلاتَه صحَّت في مذهب الأئمَّة الأحناف. ومن انحرفَ ، أثناء صلاتهِ، عن القِبلة انحرافًا يسيرًا لا تَبْطُلُ صَلاتُه عندَ المالكيَّة لأنه ما شَرَّقَ ولا غَرَّبَ. هذا إذا لم يَتَعَمَّدِ الانحراف.

تنبيه: المأمومُ إذا اختلفَ اجتهادُه عن اجتهادِ الإمامِ في الصَّلاةِ في معرِفة القِبلة فإنَّ قُدْوَتَهُ به لا تَصِحُّ.

أمَّا أذانُ المؤذِّن الثقة فإنه يُعتَمَدُ عليه. أَمْرُ الوقت أسهلُ من أمرِ القِبلة. لو أراد شخصٌ أن يُصَلِّيَ فقال في نفسهِ هل دَخَلَ الوقتُ أم لا فدَخَلَ في الصَّلاة من دون أن يجتهد ليتحقَّق من دخول الوقت فإن عليه ذنبًا ولو تبيَّن له فيما بعدُ أنَّ الوقتَ قد دخل، ويجبُ عليه أن يعيدَ صلاتَه لأنها لم تَصِحَّ منه. أَمَّا مَنْ تأكَّد من دخول الوقت ثم قال في نفسه هل خَرَجَ الوقتُ أم لا ولم يكنْ هو قد صَلَّى صاحبةَ الوقت، ثم قال في نفسه لأُصَلِّينَّ فإنْ صَادَفَتْ صلاتي الوقتَ صارتْ هذه الصَّلاةُ أداءً أمَّا إنْ لم تصادفِ الوقتَ تكونُ قضاءً فصلَّى ثمَّ تبيَّن له أنَّ الوقتَ لم يخرجْ أو أنَّ الوقتَ قد خَرَجَ فإنَّ هذا الرَّجُلَ صلاتُه صحيحةٌ وليس عليه أن يُعيدَها.

مَنْ قَدَّمَ الصَّلاةَ على وقتها من دُون عُذْرٍ فقد عَصَى الله تعالى ولم تَصِحَّ صلاتُه. ومَنْ أخَّرَ الصَّلاةَ عن وقتها من دُون عُذْرٍ فقد عَصَى الله بتأخيرِه أيضًا. وأشدُّ المعصيتينِ معصيةُ التقديم على الوقتِ لأنَّ ذِمَّتَهُ لا تَبْرَأُ ولا تقعُ صلاتُه أداءً ولا قضاءً بل تبقَى في ذمَّته. وأمَّا مَنْ أَخَّرَها عَن وقتها من دونِ عُذْرٍ، أي صَلَّاها بعدما تحقَّق من معرفةِ دخولِ الوقتِ وخروجهِ، فإنَّ صلاتَه تَقَعُ قضاءً، وهُوَ عاصٍ لله تعالى بتأخيرِه الصَّلاةَ من دون عُذْرٍ إلى ذلك الوقت. فمعصيةُ التأخيرِ أخفُّ من معصية التقديم لأنَّ الصَّلاةَ التي صُلِّيَتْ بعدَ خُرُوجِ وقتها وقعتْ لصاحبها قضاءً، وأمَّا الذي يُقَدِّمُ الصَّلاةَ على وقتها فكأنه لم يُصَلِّ بالمرَّة، وهذا يقال فيه: صَلَّى وما صَلَّى .. أَيْ صَلَّى صورةً ولم يُصَلِّ حقيقةً.

تحديد اتجاه القبلة

من أجل تحديد اتجاه القبلة لابد للمصلي من معرفة موقعه من الكعبة. والكعبة تقع في وسط المعمورة في الجهة الغربية من شبه الجزيرة العربية. لذا من كان في شرق الكعبة تكون قبلته في صلاته الى الغرب، ومن كان موقعه في الغرب يوجه صدره في صلاته الى الشرق. وهكذا لمن أراد الصلاة وكان في الجهة الشمالية من الأرض يتجه الى الجنوب حيث الكعبة بالنسبة إليه ويتجه إلى الشمال في صلاته من كان في جنوب الكعبة من الأرض.

فمن كان في جهة الغرب من مكة، على سبيل المثال في مصر وما شابه فاتجاه القبلة الى الشرق. ومن كان في جهة الشمال مثلا كتركيا فعليه بالتوجه نحو الجنوب ومن كان في جهة الشرق كالإمارات العربية المتحدة يتجه الى الغرب ومن كان في جهة الجنوب من مكة كاليمن يتجه الى الشمال مع التصرف. وعلى هذا فمن كان في الصين مثلا فقبلته الى الجنوب الغربي. ومن أراد الصلاة وهو في أمريكا الشمالية تكون قبلته إلى الجنوب الشرقي، ولتحديد اتجاه القبلة هنا نعرض بعض الأمثلة:

إذا كنت في وضح النهار ووقفت جاعلا جنبك الأيسر من جهة مشرق الشمس فيكون صدرك باتجاه الجنوب وخلفك الشمال ويمينك يدل على الغرب.

النجم القطبي

وفي المساء نحتاج إلى تحديد موقع النجم القطبي لمعرفة اتجاه الشمال. والذي يساعد على ذلك معرفة بنات نعش الكبرى. وهي على شكل حرف "س" مقلوبة مؤلفة من سبعة نجوم مميزة بنورها والنجمتان اللتان في طرف شكل الحرف سين (الفرقدان) إن مددت خطاً وهمياً منهما يوصلك هذا الخط الى النجم القطبي وامتداد هذا الخط من النجمتين تقريبا أطول بخمس مرات من المسافة بين هاتين النجمتين. والذي يؤكد لك موقع النجم القطبي هو الخط الوهمي الذي تمده من ذيل بنات نعش الصغرى الى النجم القطبي نفسه. وبمعرفة موقع النجم القطبي يتبين اتجاه الشمال والجنوب.

وفي حال تعذر معرفة موقع النجم القطبي من الممكن للاستئناس استعمال البوصلة المجربة لمعرفة الشمال والجنوب. ومن الممكن مراقبة كثافة الخضار وأغصان الشجر لتحري اتجاه الجنوب وذلك لامتدادها في جهة وقوع نور الشمس.

أخي المسلم من الضروري أن تهتم بمعرفة اتجاه القبلة وذلك لأنها من شروط صحة الصلاة. وأمور العبادات لابد من أن نؤديها وفق الشرع فدون علم كيف يعرف المصلي صحة صلاته ؟. وكذا الأمر بالنسبة للمسافر سفر قصر مباح فالرخصة بأداء ركعتين بدل الأربعة للصلاة الرباعية أما من حيث الشروط من طهارة واتجاه القبلة وغيرها فهي نفسها في الحضر. وصلاة النفل تجوز لمن يستطيع القيام أن يؤديها جالساً. ولكن للمسافر على دابة أن يبدأ الصلاة باتجاه القبلة ويتابع صلاته ولو انحرفت الدابة في اتجاهها. أما صلاة الفرض فمن يريد أداءها وفق الشرع فعليه القيام إن كان قادراً ولو كان مسافراً في الطائرة أو القطار وما شابه فلابد من التزام اتجاه القبلة حتى تمام الصلاة.

واعلم انه يشترط لصحة الصلاة استقبال الكعبة أي جِرمها أو ما يحاذي جرمها إلى السماء السابعة أو الأرض السابعة، فلو استقبل مُشاهِدُ الكعبةِ الكعبةَ ببعض بدنه وبعضُ بدنه خارج عنها لم يكف. والمراد بالكعبة القدر القائم الآن. والمراد بالاستقبال أن يستقبل بالصدر في القيام والقعود وبمعظم البدن في الركوع والسجود. والمجتهد في القِبلة لا يأخذ بقول مجتهد غيره وإنْ فعل لا تنعقد صلاته بل يجتهد هو لنفسه وأما إن دخل بيت ثقة فقال له صاحب البيت الثقة القبلة هكذا يجوز له الاعتماد على كلامه. وأما الطفل المميز الذي لا يُحسن الاجتهاد فيقال له القبلة من هنا.

فصل في كيفية تحديد جهة القبلة

و لنشرع ببيان بعض منها، فنقول بحول الله:

قال تعالى:{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } (الأنعام / 97). و الهداية إنما تكون للمقاصد، و الصلاة من أهم المقاصد. و قد جاء ذلك في سياق الامتنان، و هكذا يدل على المشروعية.

و قال تعالى: { وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } (النحل/16).

و فسر الإمام الشافعيّ رضي الله عنه العلامات في كتابه الأمّ بالجبال التي يعرفون مواضعها من الأرض، و الشمس و القمر و النجوم من الفلك، و الرياح التي يعرفون مهابها على الهواء لتدل على قصد البيت الحرام. إهـ.

و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: “إن خِيارَ عباد الله الذين يُراعون الشمسَ و القمرَ و النجومَ و الأظلةَ لذكرِ الله” رواه الطبرانيّ و قوَّاهُ الحافظُ ابن حجر في الأماليّ. و المراد بقوله عليه الصلاة و السلام: “لذكر الله” أي للصلاة.

أجمعَ الصحابةُ رضوانُ الله عليهم كما هو معروفٌ عند و ضعهم للمحاريب على النظر في جهة البلد بالنسبة لمكة. فإن كان شمالها و جهوا المحراب جنوباً، و إن كان جنوبها و جهوا المحراب شمالاً، و إن كان شرقها و جهوا المحراب إلى غربها و بالعكس.

و هذه المحاريب قائمةٌ موجودةٌ في بلاد المسلمين، و كلامهم في ذلك مُدَوَّنٌ في بطون كتب العلماء. فممّا تقدمّ من ءايٍ و حديثٍ و فعل الصحابة، يُعلم أن العمدةَ في تحديد القبلة معرفةُ جهة البلد من مكة اعتماداً على الشمس و القمر و النجم وما شابه.

و أنت ترى بأنه لم يُذكر في أي نصّ أنه يُعتمد لذلك أقصرُ طريق كما يَلهَج به بعضُ المتحَذلقين اليومَ أو عبارةُ حسابِ الرياضةِ أو المثلثاتِ الكرويةِ، بل أجمعوا في تحديد محاريب المساجد على النظر في جهة البلد من مكة بالاستعانة بالنجم وما شابه. و على ذلك جاءت نصوص الفقهاء و عباراتهم قديماً و حديثاً.
وإليك بعضاً منها:

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: المشرق قبلة أهل المغرب، و المغرب قبلة أهل المشرق، و الشمال قبلة أهل الجنوب، و الجنوب قبلة أهل الشّمال إهـ. و نقله الزيلعيّ في تبيين الحقائق وذكر مثله في الفتاوى الخيرية.

و قال أبو إسحق الشرازيّ الشافعيّ في المهذّب: فإن كان غائباً عن مكة اجتهد في طلب القبلة لأن له طريقاً إلى معرفتها بالشمس والقمر والجبال والرياح. و لهذا قال الله تعالى: { وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } إهـ.

و قال النوويّ في المجموع: ولا يصحُّ الاجتهاد إلاّ بأدلة القبلة وهي كثيرة و فيها كتب مصنّفة وأضعفها الرياح لاختلافها و أقواها القطب وهو نجم صغير في بنات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي إهـ.

و مثله قال الحصنِيّ الشافعيّ.

وقال ابنُ عابدين الحنفيّ تعليقاً على قول المتن: “فُتبصَرُ وتُعرَف بالدليل، وهو في القرى والأمصار محاريب الصحابة والتابعين و في المفاوز والبحار النجوم كالقطب” قوله كالقطب هو أقوى الأدلة. انتهى كلاُم ابن عابدين من حاشيته.

وقال ابنُ قُدامةَ الحنبلي في المغنى: وأوثق أدلتها النجوم إهـ. ثم قال: وءاكَدُها القطب الشماليّ إهـ.

و مثله ذكرَ البُهوتىّ الحنبليّ في كتاب كشّاف القناع.

وقال أحمد بن ميارة المالكيّ عمَّن ليس في مكة أو المدينة: عليه أن يستدلّ على القبلة بالنجوم وما يجري بمجراها. قال تعالى: { وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا } ولا خلاف في ذلك إهـ. أي هو إجماع.

فها أنت صرت خبيراً بأن الفقهاء من المذاهب الأربعة رغم أنهم ذكروا أن أدلة القبلة كثيرة وصنفوا فيها كتباً كما قال النووي رحمه الله إلا أنهم لم يعتبروا أمر قصر الطريق أو طوله في تحديدها ولا قرب المسافة أو بعدها من مكة. بل صرحوا بعدم اعتبار ذلك تصريحاً واكتفوا بطلب الجهة ومعرفتها.

قال أبو حيان في البحر المحيط وهو شافعيّ من أشهر المفسّرين: القبلة الجهة التي يستقبلها الإنسان إهـ.

ونقل ابنُ نُجَيمٍ من الحنفية الإجماع على أن الواجب في حق الغائب هو الجهة إهـ.

وشُدَّ يديك على قولِ الإمام أبي حنيفة المذكورِ ءانفاً في جعل معرفة الجهة هي الأصل، فإنه إمامٌ بلغ رُتبة الاجتهاد المطلق مع الورع و التقوى الشهيرين. ولايدانيه هؤلاء المخالفون له المُتَفَيهِقُون في عُشر مِعشار علمه وورعه.

قال أحمد بن يحيى بن محمد الونشريسي التلمساني، أبو العباس المالكي (المتوفى: 914هـ) في كتابه المعيار المعرّب: اتّفاقُ أهل الحساب لا عبرة به لعدم ورود الشّريعة المحمديّة بطريقتهم في استخراج القبلة... وأمّا الاستدلال بالآلات فلم يرد عن السلف لصّالح رضي الله عنهم فلا يلزم الرّجوع إليها ولا يجوز أن تجعل حاكمة على الأدلّة الشّرعيّة. ومثله قال خير الدّين الرّمليّ الحنفي الأزهري ( 1081 هـ) في الفتاوى.

فإذا ثبت ذلك فكيف تُطلب الجهةُ وتُعرف على ما ذكره علماء المسلمين ؟ من المعلوم في الاصطلاح أن الشمال هو عكس الجنوب وأن الشرق هو عكس الغرب وخطّ كليهما متعامدٌ مع خط الشّمال والجنوب. وهذه الاصطلاحات-يقول الغزالي- مردها إلى خلقة الإنسان. فأمّا الشّمال فُيحدَّدُ على الأرض بحسب موقع النجم القطبي كما ذكر الرازيّ الشافعيّ في التفسير والونشريسيّ المالكي في المعيار وابنُ قدامة الحنبلي في شرح الكبير وابن عابدين الحنفيّ و غيرهم ممن لا يحصى من فقهاء المذاهب الأربعة. فجهة النجم هي جهة الشمال. وذكروا في جهة الجنوب نجماً ءاخر هو نجم سُهَيل، جهته هي دائماً جهة الجنوب. ثم كلّما ارتفع النجم القطبيّ عن الأفق دلّ ذلك على القرب أكثر من الشمال وكلما انخفض دلّ على القرب من الجنوب. وهذه الاصطلاحات يوافقنا فيها كلّها طبيعيو الغرب و يستعملها ملاحو السفن والطائرات جميعا. وراجع إن شئت

(How we Got Our Arabic Star by Paul Komizsch)
أو
(Physical Geography by Arthur Strahler, John Wiley & Sons, NY 1969)

نذكر هذا مع علمنا بأن العبرة بما قاله علماء المسلمين و فقهاؤهم لا بأقوال غيرهم. وأما الشرق فأمره واضح أيضاً إذ جهة شروق الشمس والمغرب جهة غروبها.
وقد وقف الإمام أحمد رضي الله عنه مستقبلاً الجنوب ثم أشار بيساره وقال هذا المشرق وبيمينه ثم قال هذا المغرب. نقله ابن عبد البرّ وغيره.

واعلم أيها المطالع المنصف أن علماء المسلمين أجمعوا على أن الكعبة هي و سط المعمورة. وليس في كتاب واحد من مصنّفاتهم في معرفة القبلة ما يخالف هذا.
فإذا وقفت في مكة و نظرت إلى ارتفاع النجم القبطي فيها ووقفت في الولايات المتحدة الأمريكية أو كندا و نظرت إلى ذلك فستجد أن النجم أكثر ارتفاعا في الولايات المتحدة و كندا.

وهذا يعني أن هذه البلاد تقع شمال مكة فلاستقبال الكعبة إذن لابد من التوجه جنوباُ. وإذا انضاف إلى ذلك أن أمريكا تقع في جهة غروب الشمس بالنسبة لمكة التي هي مركز المعمورة لزم من ذلك التوجه شرقاً للمصلي ليكون مستقبلا القبلة.

فالنتيجة الواضحة أنه لابد أن يتجه المصلي في الولايات المتحدة الأمريكية و كندا إلى الجنوب الشرقي إذا أراد أن تكون صلاته صحيحةً موافقةً لفتاوى علماء المسلمين و طريقتهم.

قال المقريزيّ الشافعيّ في فصل المحاريب من خططه (طبعة مصر سنة 1326هـ ج من ص 21 إلى 23): “وقد عرفت إن تمهَّرت في معرفة البلدان وحدود الأقاليم أن الناس في توجههم إلى الكعبة كالدائرة حول المركز، فمن كان في الجهة الغربية من الكعبة فإن جهة قبلة صلاته إلى المشرق…” إلى أن قال: “ومن كان من الكعبة فيما بين الشّمال والغرب فقبلته فيما بين الجنوب و المشرق” انتهى بحروفه.

ومن خالف في هذه المسئلة لزمه أن تكون قبلة كندا التي هي شمالي مكة كقبلة اليمن التي هي جنوبها وأن تكون قبلة الولايات المتحدة الأمريكية كقبلة الصومال وما سامته وكقبلة (تشيلي) وما جاورها. وهذا ظاهر الفساد.

والحمدُ لله رَبِّ العالَمين

اتجاه قبلة استقبال كعبة تحديد اتجاه قبلة ثقافة إسلامية دروس دينية إسلامية تفسير قرآن آيات متشابهة وجه الله أهل السنة فقه إسلامي نجم القطبي كيفة أداء صلاة صلاة