تفسير سورة البقرة من آية 22 إلى 23

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

من تفسير الإمام النسفي (ت 710 هـ) مدارك التنزيل وحقائق التأويل:

{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ} أيْ صَيَّرَ

{فِرَاشًا} بِسَاطًا تَقعُدُونَ علَيها وتَنَامُونَ وتَتقَلَّبُونَ ،

{وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} سَقْفًا مَحفُوظًا أي مِنَ الْهُوِيِّ إلى أَسْفَلَ لأنّهُ لَو لا أنّ اللهَ أَمْسَكَ السّمَاءَ لَهَوَتْ إلى الأرضِ وَدَمَّرَتِ الأَرْض.

{وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} مَطَرًا

{فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} أي فأَخْرَجَ بالماءِ ، نَعَمْ خُرُوجُ الثَّمَراتِ بقُدرَتِه ومَشِيئَتِه وإيجَادِه ولَكن جَعَلَ الماءَ سَبَبًا في خُرُوجِها كمَاءِ الفَحْل في خَلْقِ الوَلَد وهوَ قَادِرٌ على إنشَاءِ الكُلّ بِلا سَبَب كمَا أَنشَأ نفُوسَ الأسبَابِ والموادّ ، ولكنْ لهُ في إنشَاءِ الأشياء مُدَرِّجًا لها مِن حَالٍ إلى حَالٍ وناقِلًا مِن مَرتَبةٍ إلى مَرتَبَةٍ حِكَمًا وعِبَرَا للنُّظّارِ بِعُيُونِ الاسْتِبصَار.

(مَنيُّ الرَّجُلِ سَبَبٌ لخَلْقِ اللهِ الوَلَدَ ولَيسَ المنيُّ يَخلُقُ الوَلَدَ ولَو شَاءَ اللهُ لخَلَقَ الوَلَدَ بِلا مَنيّ كَمَا خَلَقَ ءادَمَ مِن دُونِ مَنيّ وعِيسَى خَلَقَه بدُونِ مَنيّ. اللهُ تَعالى هوَ خَلَقَ الأسبَابَ الْمَنيَّ وغَيرَه منَ الأسبَاب.)

وإنّما قِيلَ الثّمَراتِ دُونَ الثّمَرِ والثِّمَارِ وإنْ كانَ الثّمَرُ الْمُخرَجُ بمَاءِ السّماءِ كَثِيرًا لأنّ المرادَ جَماعَةُ الثّمَرَة ، ولأنّ الجُمُوعَ يتَعَاوَرُ أي يَتنَاوَبُ بَعضُها مَوقِعَ بَعضٍ لالْتِقَائِها في الجَمعِيّةِ.

لَكُمْ: صِفَةٌ جَاريَةٌ على الرِّزْق إنْ أُرِيدَ بهِ العَينُ أي الأشيَاءُ التي هيَ رِزْقٌ مِنَ المأكُولاتِ ونَحوِ ذَلكَ.

{ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } هوَ مُتَعَلِّقٌ بالأَمرِ أي اعبُدُوا رَبَّكُمْ فَلا تَجعَلُوا لهُ أَنْدَادًا لأنّ أَصْلَ العِبَادَةِ وأَسَاسَها التّوحِيدُ وأنْ لا يُجعَلَ لهُ نِدٌّ ولا شَرِيكٌ.

ودُخُولُ الفَاءِ لأنّ الكَلامَ يتَضَمَّنُ الجَزاءَ أي الذي حَفَّكُم بهذه الآياتِ العَظِيمَةِ والدّلائلِ النّيِّرَةِ الشّاهِدَةِ بالوَحْدَانيّةِ فَلا تَتّخِذُوا لهُ شُركَاءَ.

والْمِثْلُ النِّدُّ ولا يُقَالُ إلا للمِثْلِ الْمُخَالِفِ المنَاوِىء ، ومَعنى قَولِهم ليسَ للهِ نِدٌّ ولا ضِدٌّ نَفيُ مَا يَسُدُّ مَسَدَّهُ ونَفْيُ مَا يُنَافِيْهِ.

{ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} أنّها لا تَخلُقُ شَيئًا ولا تَرزُقُ، واللهُ الخَالِقُ الرّازِقُ ،

وجَعْلُ الأصنَامِ للهِ أَنْدَادًا غَايَةُ الجَهْلِ ،

ولَمّا احْتَجّ علَيهِم بما يُثبِتُ الوَحْدانيّةَ ويُبطِلُ الإشراكَ بِخَلقِهم أحيَاءً قَادِرِينَ وخَلْقِ الأرضِ التي هيَ مَثْواهُم ومُستَقَرُّهُم ، وخَلقِ السّمَاءِ التي هيَ كالقُبَّةِ المضرُوبَةِ والخَيْمَةِ الْمُطنَبَةِ (أي المشدُودَةِ) على هَذا القَرَارِ ومَا سَوّاه عزّ وجَلَّ مِنْ شَبَهِ عَقْدِ النّكَاحِ بَينَ الْمُقِلَّةِ وهيَ الأرضُ لأنّها تَحمِلُنَا والْمُظِلَّةِ بإنْزالِ الماءِ مِنهَا علَيها والإخرَاجِ بهِ مِنْ بَطنِها أشبَاهَ النَّسْلِ مِنَ الثّمَارِ رِزقًا لِبَني آدمَ ، فَهذَا كُلُّهُ دَلِيلٌ مُوصِلٌ إلى التَّوحِيدِ مُبطِلٌ للإشرَاكِ ، لأنّ شَيئًا مِنَ الْمُخلُوقَاتِ لا يَقدِرُ على إيجَادِ شَيءٍ مِنهَا ، عَطَفَ على ذلكَ مَا هوَ الحُجَّةُ على إثبَاتِ نُبُوَّةِ محمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم وما يُقَرّرُ إعجَازَ القُرآنِ فقَالَ.

{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} محمَّدٍ علَيهِ السّلام ، (والعَبدُ اسمٌ لمملُوكٍ مِن جِنسِ العُقَلاءِ فالبَهائِمُ لا يُقَالُ لَها عَبِيدٌ إنّما العَبيدُ الإنسُ والجِنُّ والملائِكَةُ ومَن كَانَ على شَكْلِهِم كَالحُورِ العِينِ والوِلدَانِ هؤلاءِ يُقَالُ لَهم عِبَادُ اللهِ أمّا البَهائِمُ فيُقَالُ لَهم مَخلُوقَاتُ الله) ، والمملُوكُ مَوجُودٌ قُهِرَ بالاسْتِيلَاءِ.

وقِيلَ : نَزّلْنَا دُونَ أَنْزَلْنَا لأنّ المرادَ بهِ النّزُولُ على سَبِيلِ التَّدْرِيجِ والتَّنْجِيمِ (التّنجِيمُ هوَ تَعدِيدُ الوَقتِ) وهوَ مِن مَجازِه لِمَكَانِ التّحَدّي وذلكَ أنّهم كانُوا يَقُولُونَ لَو كَانَ هَذا مِن عِندِ اللهِ لم يَنزِلْ هَكَذَا نُجُومًا سُورَةً بَعدَ سُورَةٍ وآيَاتٍ غِبَّ آيَاتٍ على حَسَبِ النّوازِلِ وعلى سَنَنِ مَا نَرَى علَيهِ أَهلَ الخَطَابَةِ والشِّعْر مِن وُجُودِ مَا يُوجَدُ مِنهُم مُفَرَّقًا حِيْنًا فحِيْنًا ، شَيئًا فشَيئًا لا يُلقِي النّاظِمُ دِيوانَ شِعرِه دَفعَةً ، ولا يَرمِي النّاثِرُ بخُطَبِه ضَربَةً ، فلَو أَنزلَه اللهُ لأَنزَلَه جُملَةً (هذا كلام الكفار) قالَ الله تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } ، فقيل : إنِ ارْتَبتُم في هذا الذي وقَع إنزَالُه هَكذا على تَدرِيج

{ فَأْتُوا بِسُورَةٍ } أي فهَاتُوا أَنتُم نَوبَةً واحِدَةً مِن نُوَبِه ، وهَلُمُّوا نَجمًا فَردًا مِن نُجُومِه سُورَةً مِن أصغَرِ السُّوَر.

والسُّورَةُ الطّائفَةُ منَ القُرآنِ المترجمَةُ التي أقَلُّها ثَلاثُ آيَاتٍ.

ووَاوُهَا إنْ كانَت أَصلًا فَإمّا أنْ تُسَمَّى بسُوْرِ المدِينَةِ وهوَ حَائطُها لأنّها طَائِفَةٌ منَ القُرآنِ مَحدُودَةٌ مَحُوزَةٌ على حِيَالها كالبَلَدِ الْمُسَوَّرِ ، أو لأنّها مُحتَوِيَةٌ على فُنُونٍ مِنَ العِلْم وأَجْنَاسٍ مِنَ الفَوائِدِ كاحْتِوَاءِ سُورِ المدِينَةِ على مَا فِيهَا ، وإمّا أن تُسَمَّى بالسُّورَةِ التي هيَ الرُّتْبَةُ لأنَّ السُّورَ بمنزِلَةِ المنَازِل والمرَاتِبِ يَتَرقَّى فيها القَارئ ، وهيَ أيضًا في نَفسِها مَرتَّبَةٌ طِوَالٌ وأَوسَاطٌ وقِصَارٌ ، أو لِرِفْعَةِ شَأنِها وجَلالَةِ محَلّها في الدّين.

وإنْ كانَت مُنقَلِبَةً عن هَمزَةٍ فلأَنّها قِطعَةٌ وطَائِفَةٌ مِنَ القُرآنِ كالسُّؤرَة التي هيَ البَقِيّةُ مِنَ الشّيء.

وأمّا الفَائدَةُ في تَفصِيلِ القُرآنِ وتَقطِيعِه سُوَرًا فَهيَ كَثِيرَةٌ ، ولِذَا أَنْزَلَ اللهُ تَعالى التّورَاةَ والإنجِيلَ والزَّبُورَ وسَائرَ مَا أَوحَاهُ إلى أَنبِيَائِه مُسَوَّرَةً مُتَرجمَةَ السُّورَةِ (الكُتُبُ السّمَاويّةُ كُلُّها هَكَذا في خِلَالها تَراجِمُ كَمَا أنّ في القُرءانِ سُوَرًا) ، وبَوّبَ المصَنّفُونَ في كُلّ فَنٍّ كُتَبَهُم أَبوابًا مُوشَّحَةَ الصُّدُورِ بالتّراجِم.

مِنها أنّ الجنسَ إذَا انْطَوتْ تَحتَه أنواعٌ واشتَمَل على أصنَافٍ كَانَ أَحْسَنَ مِن أنْ يَكُونَ بَيانًا واحِدًا ، ومِنها أنّ القَارئ إذا خَتَم سُورَةً أو بابًا مِنَ الكِتَابِ ثمّ أخَذَ في آخَرَ كَانَ أَنْشَطَ لهُ وأَبْعَثَ على الدَّرْس والتّحصِيلِ مِنهُ (ممّا) لَو اسْتَمَرَّ على الكِتَابِ بطُولِه ، ومِن ثَم جَزَّأ القُرّاءُ القُرآنَ أسْبَاعًا وأَجْزَاءً وعُشُورًا وأخماسًا

ومِنهَا أنّ الحَافِظَ إذَا حَذِقَ (أي مَهَرَ) السُّورَةَ اعتَقَدَ أنّهُ أخَذَ مِن كِتَابِ اللهِ طَائفَةً مُستَقِلَّةً بنَفسِها لها فَاتحَةٌ وخَاتمَةٌ فيَعظُمُ عِندَه مَا حَفِظَه ويجِلُّ في نَفسِه ، ومِنهُ حَديثُ أنَسٍ رضي الله عنهُ كانَ الرّجُلُ إذَا قَرَأ البَقرَةَ وآلَ عِمرانَ جَلَّ فِينَا.

ومِن ثَمّ كَانَتِ القِرَاءَةُ في الصّلاةِ بسُورَةٍ تَامَّةٍ أَفضَلَ.

(العُشُورُ الأَعشَارُ هذَا التّفصِيلُ بَعدَ الصّحَابَةِ لَيسَ مِن عمَلِ الصّحَابَةِ ، تَجزئةُ القُرءانِ إلى أَسْبَاعٍ وأَجْزَاءٍ وعُشُورٍ وأَخْمَاسٍ هَذا يُقَالُ لهُ البِدعَةُ الحسَنَةُ، مَاذَا يَفعَلُ هَؤلاءِ الذينَ يَقُولُونَ عن الشّىءِ الذي يَكرَهُونَهُ مِما يُحِبُّه غَيرُهُم مِن أَهلِ السُّنّةِ هَذا بِدعَةٌ، فَهذا الرّسولُ صلى الله عليه وسلم لم يَفْعَلْهُ، يُوهِمُونَ النّاسَ أنّ كُلَّ مَا لم يَفْعَلْهُ الرّسولُ بِدعَةُ ضَلالَةٍ، مَاذا يَفعَلُونَ يُتلِفُونَ هَذه المصَاحِفَ ويَعمَلُونَ مَصَاحِفَ مُجَرّدَةً مَا فِيهَا شَيءٌ لا نَقطٌ ولا أسماءُ السُّوَر في أوائِل السُّوَر)

{مِنْ مِثْلِهِ} متَعلّقٌ بـ " سُورَةٍ " صِفَةٌ لها والضّمِيرُ لِمَا نَزّلنا أي بسُورَةٍ كَائِنَةٍ مِن مِثلِه يعني فَأْتُوا بسُورَةٍ مما هوَ على صِفَتِه في البَيَانِ الغَرِيبِ وعُلُوِّ الطّبَقَةِ في حُسْنِ النَّظْم ، أو لِعَبْدِنا أي فَأْتُوا بمَنْ هوَ عَلى حَالِه مِن كَونِهِ أُمّيًّا لم يَقرَإ الكتُبَ ولم يَأخُذْ مِنَ العُلمَاءِ. ولا قَصْدَ إلى مِثْلٍ ونَظِيرٍ هُنَالِكَ.

ورَدُّ الضَّمِيرِ إلى المنَزَّلِ أَوْلَى لقَولِه تعالى : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ }

{ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ }

{ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ }

ولأنّ الكَلامَ معَ رَدّ الضَّمِيرِ إلى المنَزَّلِ أَحسَنُ تَرتِيبًا.

وذلكَ أنّ الحَديثَ في المنَزَّلِ لا في المنَزَّلِ علَيهِ وهوَ مَسُوقٌ إلَيهِ فإنّ المعنى وإنِ ارْتَبتُم في أنّ القُرآنَ مُنَزَّلٌ مِن عندِ اللهِ فهَاتُوا أَنتُم نُبَذًا مما يُماثِلُه.

وقَضِيّةُ التّرتِيبِ لو كانَ الضّمِيرُ مَردُودًا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلّم أن يُقَالَ : وإنِ ارتَبتُم في أنّ محَمّدًا مُنزَلٌ علَيهِ فَهَاتُوا قُرآنًا مِن مِثلِه ، ولأنّ هَذا التّفسِيرَ يُلائِمُ قَولَه

{وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} جَمْعُ شَهِيدٍ بمَعنى الحَاضِرِ أو القَائِمِ بالشّهَادَةِ

{مِنْ دُونِ اللَّهِ} أي غَيرِ اللهِ وهوَ متَعَلّق بـ " شُهدَاءَكُم أي ادْعُوا الذينَ اتّخَذتُموهُم آلهةً مِن دُونِ اللهِ وزَعَمتُم أنّهم يَشهَدُونَ لَكُم يومَ القِيَامَةِ أنّكُم على الحَقّ أو مَن يَشهَدُ لَكُم بأَنّهُ مِثلُ القُرآن

{إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)} أنّ ذلكَ مُختَلَقٌ وأنّهُ مِن كَلامِ محَمَّدٍ علَيهِ السَّلام.

وجوابُ الشّرطِ مَحذُوفٌ يَدُلُّ علَيهِ مَا قَبلَه أي إنْ كُنتُم صَادِقِينَ في دَعْوَاكُم فأْتُوا أَنتُم بمثْلِه واسْتَعِينُوا بآلِهَتِكُم على ذلكَ.

https://www.islam.ms/ar/?p=451
سني أهل السنة دروس دينية إسلامية ثقافة إسلامية تفسير قرآن تفسير سورة البقرة تفسير النسفي منافقين منافق