تفسير سورة البقرة من آية 46 إلى 48

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

من تفسير الإمام النسفي (ت 710 هـ) مدارك التنزيل وحقائق التأويل:

{الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ} أي يَتَوقَّعُونَ لِقَاءَ ثَوابِهِ ونَيلَ مَا عِندَهُ ويَطمَعُونَ فِيهِ.

وفُسِّرَ يَظُنُّونَ بـ "يتَيَقَّنُونَ" لِقِراءَةِ عبدِ اللهِ (بنِ مَسعُودٍ) يَعلَمُونَ (لَكنَّها لَيسَتْ قِراءَةً مُتَواتِرَةً)، أيْ يَعلَمُونَ أنّهُ لا بُدَّ مِن لِقَاءِ الجَزاءِ فَيَعمَلُونَ على حَسَبِ ذَلكَ ، وأمّا مَن لم يُوقِنْ بالجَزاءِ ولم يَرْجُ الثّوابَ كَانَت علَيهِ مَشَقّةً خَالِصَةً. (هُنَا يَظُنُّونَ مَعنَاهُ يتَيَقَّنُونَ الظَّنُّ يُستَعمَلُ في الغَالِبِ لِغَيرِ المتَيقَّنِ وقَدْ يُستَعمَلُ للمُتَيقَّنِ كَهذَا الموضِع) (أكْثَرُ النّاسِ عِندَمَا يُصَلُّونَ لا يَكُونُونَ فَرحِينَ بصَلاتِهم إنّما يَكُونُونَ كأَنَّهم يضَعُونَ مِن رقَابِهم مَا يُثقِلُهُم أمّا الأتقيَاءُ يَرتَاحُونَ في الصّلاة) (عُثمَانُ بنُ عَفّانَ رَضيَ اللهُ عَنه خَتَم القُرءانَ وهوَ قَائمٌ في ركعَةٍ واحِدَةٍ في لَيلَةٍ واحِدَةٍ. هُمُ الأنبياءُ والأولياءُ يجِدُونَ لَذّةً وفَرَحًا في العِبادَاتِ ولا سِيَّما الصّلاة. قُلُوبُهم يَحصُل لهم فيها فرَحٌ وانشِرَاحٌ لا يجِدُونَها في غَيرِ تِلكَ الحَالَةِ. الصّلاةُ تَكُونُ عندَهم أَلَذُّ مِن كُلِّ شَىء،)

والخُشُوعُ الإخْبَاتُ (الإخبَاتُ والخُشُوعُ بمعنًى واحِد) والتّطَامُنُ (أي الاطمِئنَانُ والسَّكِيْنَةُ) وأمّا الخُضُوعُ فَاللِّيْنُ والانْقِيَادُ. (التّعظِيمُ الذي يَصحَبُه استِشعَارٌ بالخَوفِ هَذا هوَ الخُشُوع. الخُشُوعُ اسْتِحْضَارُ الخَوْفِ مِنَ اللهِ وَتَعْظِيمُ اللهِ وَمَحَبَّةُ اللهِ، التّعظِيمُ الذي يَصحَبُه استِشعَارٌ بالخَوف هذا هوَ الخُشُوع. الخُشُوعُ أنْ يَستَحضِرَ عَظَمَةَ اللهِ والخَوفَ مِنهُ خَوفَ إجْلال،ٍ الخشُوعُ هوَ الاسْتِشعَارُ بالخوفِ مِنَ الله خَوفَ إجلال، الخشُوعُ ليسَ الخَوفَ مِنَ العَذاب)

وفُسِّرَ اللّقَاءُ بالرُّؤيَةِ ومُلاقُو رَبِّهم بِمُعَايِنُوهُ بِلَا كَيفٍ. (بَعضُ المفَسِّرِينَ فَسَّرَ قَولَهُ تَعالى مُلَاقُوا رَبِّهم أي يرَونَهُ بِلا كَيفٍ أي مِن غَيرِ أنْ يَكُونَ في جِهَةٍ ومِن غَيرِ أنْ يَكُونَ في مَسَافَةٍ بَينَهُم وبَينَهُ لا مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ ولا مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ لأنّ ذلكَ لا يجُوز على اللهِ لأنّ الذي يَكُونُ على مَسَافَةٍ مِنكَ فَهوَ مَحدُودٌ والمحدُودُ يَحتَاجُ إلى مَن يَحُدُّهُ والإلهُ لا يَحتَاجُ إلى غَيرِه)

{وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)} لا يَملِكُ أَمرَهُم في الآخَرَةِ أحَدٌ سِوَاهُ.

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} التّكرِيرُ للتّأكِيدِ

{وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ} أي اذكُرُوا نِعمَتيَ وتَفضِيْلِي.

{عَلَى الْعَالَمِينَ (47)} على الجَمْع الغَفِيرِ مِنَ النّاسِ يُقَالُ " رَأَيتُ عَالَمًا مِنَ النّاسِ " والمرَادُ الكَثْرَةُ. (مَعنَاهُ فَضَّلْنَاكُم على خَلقٍ كَثِيرٍ أي أجْدَادَكُم الذينَ كانُوا مُسلمِينَ اذكُرُوا ذلكَ وكُونُوا مِثلَهُم بالإيمانِ بمحَمَّدٍ، إنْ ءامَنتُم بمحَمَّدٍ صِرتُم مِثلَ أَجْدَادِكُم المؤمنِينَ، أمّا هؤلاءِ الذينَ اليَومَ والذينَ كَانوا في زَمَن النَّبيّ ثم عَانَدُوا فكَذَّبُوا أولئكَ لَيسَ لهم فَضلٌ بالمرَّة، إنّما الفَضْلُ لأَجْدَادِهِمُ الذينَ كَانُوا على اتّباعِ الأنبِياءِ أيّامَ مُوسَى الذينَ كَانُوا مُتَّبِعِينَ شَرِيعَةَ مُوسَى ومَا بَعدَه الذينَ كَانُوا متَّبِعِينَ للأنبياءِ الذينَ جَاؤوا بعدَ مُوسَى أولئكَ لَهم فَضلٌ لإيمانِهم باللهِ وأَنبِيائِه مَا كانُوا يُكَذّبُونَ، أولئكَ كَانُوا مِثْلَنَا يؤمِنُونَ بأنَّ كُلَّ نَبيٍّ مِنَ الأنبِيَاءِ صَادِقٌ جَاءَ بالحقّ، بَعضُ النّاسِ يتَوَهَّمُونَ مِن هَذه الآيةِ أنّ اليَهُودَ الذينَ هُم كُفّارٌ الذينَ هُم على وَجْه الأرضِ يُفَضَّلُون كَيفَ يَكُونُ هَذا، القُرءانُ إذا لم يُوضَعْ مَوضِعَه فِتنَةٌ لِمَن يَفعَلُ ذلكَ ولِمَن يَتْبَعُه لأنّ القُرءانَ ذُو وُجُوهٍ، اللهُ ابتَلَى عِبادَه بأنْ يَكُونَ بَعضُ عِبادِه يَعرِفُونَ مَواقِعَ الحَقّ فيَحمِلُونَ الآياتِ على مَواضِعِها ومَن لم يُوَفِّقْهُم يَحمِلُونَ القُرءانَ على غَيرِ مَواضِعِه فيَهلِكُونَ ويَخسَرُونَ.)

{وَاتَّقُوا يَوْمًا} أي يومَ القِيَامَةِ

{لَا تَجْزِي نَفْسٌ} مؤمنَةٌ.

{عَنْ نَفْسٍ} كَافِرَةٍ

{شَيْئًا} أي لا تَقضِي عَنها شَيئًا منَ الحُقُوقِ التي لَزِمَتْها. وشَيئًا مَفعُولٌ به أو مَصدَرٌ أي قَلِيلًا مِنَ الجَزاءِ ، والجُملَةُ مَنصُوبَةُ المحَلّ صِفةٌ لِيَومًا والعَائدُ مِنهَا إلى الموصُوفِ مَحذُوفٌ تَقدِيرُه لا تَجزِى فِيهِ

{وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} والضّمِيرُ في مِنها يَرجِعُ إلى النَّفْسِ المؤمِنَةِ أي لا تُقبَلُ مِنهَا شفَاعَةٌ لِلكَافِرَةِ ، وقيلَ : كانَت اليَهُودُ تَزعُمُ أنّ آبَاءَهُمُ الأنبياءَ يَشفَعُونَ لهم فأُويِسُوا فهوَ كقَولِه: {فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـاعَةُ الشَّـافِعِينَ}، وتَشَبُّثُ المعتَزِلَةِ بالآيةِ في نَفيِ الشّفَاعَةِ للعُصَاةِ مَردُودٌ لأنّ الْمَنفِيَّ شَفاعَةُ الكُفّارِ، وقَد قال عليه السلام "شَفَاعَتي لأهلِ الكَبائرِ مِن أُمَّتي" رواه الحاكم.

{وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي فِديَةٌ لأنّها مُعَادِلَةٌ للمَفدِيّ.

{وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)} يُعَاوَنُونَ وجُمِعَ لِدِلَالَةِ النَّفْسِ الْمُنكِرَةِ على النُّفُوسِ الكَثِيرَةِ ، وذُكِّرَ لِمَعنى العِبَادِ أو الأنَاسِيّ.

https://www.islam.ms/ar/?p=486
سني أهل السنة دروس دينية إسلامية ثقافة إسلامية تفسير قرآن تفسير سورة البقرة تفسير النسفي منافقين منافق