أحكام زكاة الفطر في المذاهب الأربعة: وقتها، مقدارها، وكيفية إخراجها

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله وسلامه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين

زكاة الفطر في المذاهب الأربعة

أما بعد فإن شهر رمضان قد شارف على الانتهاء واقترب وقت أداء زكاة الفطر لذلك سأتكلم إن شاء الله تعالى بشيء ما عن زكاة الفطر كيف يؤديها الشخص وأحاول أن أبين ذلك أي كيف يؤديها على أحسن وجه على أكثر الوجوه ثوابا مع الخروج من الخلاف ومع ذكر ما قاله بعض الأئمة مما فيه تسهيل في الوقت نفسه

أولا أبدأ بذكر وقت إخراج زكاة الفطر الأحسن لإخراج زكاة الفطر أن يخرجها صبيحة العيد قبل الصلاة لأنه في هذا الوقت يسد حاجة المساكين والفقراء ويقبلون على العيد وقد أحسوا أن حاجتهم من الطعام قد كفيت

ثم الأحسن للمسلم أن يخرج زكاة الفطر سواء كان غنيا أم فقيرا سواء كانت الزكاة واجبة عليه أو لم تكن واجبة عليه فإذا لم تكن واجبة عليه أخرجها بنية التطوع لا بنية الوجوب

وتجب زكاة الفطر على الشخص إذا أدرك جزءا من رمضان وجزءا من شوال ما معناه؟ يعني إذا كان حيا عند غروب شمس آخر يوم من رمضان وبقي حيا إلى ما بعد غروبها إذا كان حيا وبقي حيا إلى أن تكامل غروب شمس آخر يوم من رمضان فهذا يكون أدرك جزءا من رمضان وجزءا من شوال فيجب عليه أن يدفع زكاة الفطر وهكذا الآخرون الذين سيأتي ذكرهم ممن يجب عليه أن يخرج عنهم إذا أدركوا جزءا من رمضان وجزءا من شوال إذا كانوا أحيا عند غروب شمس آخر يوم من رمضان واستمروا أحياء إلى أن غابت هؤلاء أيضا يجب أن يدفع عنهم معناه إذا ولد له ولد في آخر يوم من رمضان لكن مات قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان ليس عليه أن يدفع عنه زكاة الفطر إذا ولد له ولد بعد أن غربت شمس آخر يوم من رمضان ليس عليه أن يدفع عنه زكاة الفطر إذا ولد له ولد قبل غروب الشمس بدقيقة واستمر حيا إلى ما بعد غروب الشمس فإنه يجب عليه أن يدفع عنه زكاة الفطر هذا ما قاله الجمهور جمهور الأئمة وعند الحنفية لا تجب زكاة الفطر إلا إذا أدرك طلوع الفجر من يوم عيد الفطر

ثم يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عن نفسه وأن يخرجها عن عياله الذين يجب عليه الإنفاق عليهم يعني أولاده غير البالغين الذكور والإناث إذا لم يكونوا أغنياء يجب عليه أن يخرج عنهم زكاة الفطر وكذلك أولاده البالغون إذا كانوا مجانين مثلا لا يستطيعون أن ينفقوا على أنفسهم ولا أن يكتسبوا نفقتهم فإنه يجب عليه أن ينفق عليهم ويخرج عنهم زكاة الفطر هذا إذا لم يكن لهم مال إذا كانوا فقراء أما إذا كان لهم مال ولد صغير من أولاده له مال ورث  هذا الولد ماتت أمه مثلا فورث منها أو كان له مال من طريق آخر فكان هذا الولد غنيا في هذه الحال وليه الذي هو الأب في المثال الذي ذكرناه يخرج عنه زكاة الفطر من ماله ولا يجب أن يخرجها الأب من ماله هو إنما يخرجها من مال الولد

أما أولاده البالغون غير المجانين عنده أولاد بالغون قادرون أن ينفقوا على أنفسهم ذكور وإناث فإنه لا يجب عليه أن يخرج عنهم زكاة الفطر يعني إذا كان شخص عنده ولد هذا الولد سنه مثلا صار 16 سنة 17 سنة إذا كان بلغ البلوغ يكون للذكر بأحد أمرين برؤية المني أو ببلوغ سن الخامسة عشرة قمرية للأنثى بأحد ثلاثة أمور برؤية المني أو برؤية دم الحيض أو ببلوغ سن الخامسة عشرة قمرية أي واحد من هذين الأموين أو هذه الأمور إذا حصل يكون الشخص قد بلغ على حسب كونه ذكراً أو أنثى في هذه الحال إذا كان الولد بالغاً يستطيع العمل فإنه لا يجب على الأب أن يخرج عنه زكاة الفطر حتى لو كان هذا الولد فقيراً هذا الولد يكون حاله بالنسبة إلى هذا الأمر كحال أي فقير آخر لا يجب على الأب أن يخرج عنه زكاة الفطر فإن أراد أن يخرج عنهم لا بد أن يوكلوه بذلك إذا أراد أن يخرج عن ولده الكبير ذكراً كان أو أنثى فلا بد أن يوكله الولد البالغ بإخراج الزكاة عنه

أما الزوجة فيخرج الزوج زكاتها إلا أن الحنفية لا يوجبون عليه ذلك الحنفية يقولون لا يجب على الزوج أن يخرج زكاة الفطر عن زوجته هي تخرج عن نفسها أما عند البقية فيجب على الزوج أن يخرج عن زوجته زكاة الفطر

وتجب عليه زكاة الفطر إذا كانت فاضلة زائدة عن دينه وكسوته ومسكنه وقوته وقوت من عليه نفقتهم يوم العيد وليلته يعني ينظر هل عنده ما يكفي من الطعام لنفسه ولمن يجب عليه أن يطعمهم يوم العيد وليلته ليلته التي بعده هنا يراد بها إذا كان عنده ما يزيد عن ذلك وعنده زيادة عن دينه وعن كسوته وعن مسكنه وعن هذا القوت الذي ذكرناه عند ذلك تجب عليه زكاة الفطر أما إذا كان ما عنده لا يكفي لهذا الذي ذكرناه فليست زكاة الفطر واجبة عليه ولا يجب عليه أن يقترض لإخراجها لو كان يستطيع أن يقترض المال من غيره لا يجب عليه أن يقترض المال ليخرج زكاة الفطر إلا عند المالكية فإن المالكية قالوا إذا لم يزد ما عنده عن قوته وقوت من عليه نفقتهم يوم العيد واستطاع أن يقترض فإنه يقترض ويخرج زكاة الفطر. وعند الحنفية تجب زكاة الفطر إذا ملك مقدار النصاب فاضلا عن دينه وكسوته ومسكنه وغير ذلك مما يذكرونه في كتبهم.

وفي أكثر المذاهب لا يجوز أن يخرج زكاة الفطر دنانير أو دراهم أو عملة ورقية أو ثيابا أو نحو ذلك وإنما يخرج الإنسان صاعا عن كل واحد عن نفسه وعن كل واحد ممن يريد أن يخرج عنهم عن كل واحد صاعا من غالب قوت البلد ما هو القوت الطعام الأكل الذي يأكله أهل البلد لتقوم به أجسادهم ما هو الغالب عليهم في أكله يخرج منه إذا كان غالب قوت البلد قمحا يخرج القمح إذا كان غالب قوت البلد شعيرا يخرج الشعير إذا كان غالب قوت البلد رزا يجب أن يخرج رزا إذا كان غالب قوت البلد طيفا يخرج الطيف وهكذا يخرج على حسب غالب قوت البلد فإذا فعل ذلك أجزأه وقع عنه مجزئا في كل المذاهب إذا فعل ذلك وقع عنه مجزئا

والمقصود بالصاع لما نقول الصاع ما هو المقصود بالصاع المقصود بالصاع الصاع الحجازي مقداره أربع حفنات بكفي رجل معتدل حفنة ممتلئة يغترف منه مقدار حفنة بكفي رجل معتدل ثم حفنة ثانية ثم ثالثة ثم رابعة ما يكون مقدار أربع حفنات بكفي رجل يداه معتدلتان هذا هو الصاع الذي نقصده فإذا الأمر مربوط بالحجم الصاع حجم ليس وزنا لأن الوزن يختلف وزن صاع التمر مختلف عن وزن صاع الشعير مختلف عن وزن صاع القمح مختلف عن وزن صاع الرز إذن الأمر مربوط بالحجم ما حجمه يوازي حجم أربع حفنات بكفي رجل معتدل اليدين إذا تكلمنا عن القمح لعل وزن الصاع يكون قريبا من ألف وسبعمائة جراما من القمح تقريبا يكون يقرب من ألف وسبعمائة جراما من القمح هذا عند الجمهور أما عند الإمام أبي حنيفة فالصاع ليس الصاع الحجازي إنما هو الصاع العراقي والصاع العراقي أكبر من الصاع الحجازي فإذا أراد أن يخرج الزكاة على حسب ما قال الإمام أبو حنيفة فإنه يخرج صاعا عراقيا أكثر من الصاع الحجازي لكن إذا أراد أن يخرج قمحا كما هو الحال في بلدنا هذا غالب القوت في هذا البلد القمح فإنه عند ذلك يخرج نصف صاع يعني يخرج صاعا عند أبي حنيفة صاعا عراقيا إلا إذا أراد أن يخرج قمحا فيخرج نصف صاع لعل نصف الصاع يكون وزنه قريبا من ألفين ومائة وخمسون من الجرامات أكثر من كيلوين بشيء

فمن أراد أن يخرج من الخلاف الذي يريد أن تكون زكاته صحيحة بلا خلاف يخرج الزكاة من غالب قوت البلد صاعا على الوجه الذي شرحناه ولا يخرج قيمة ذلك لا عملة ولا غيرَه وهذا أحسن لأن زكاته عند ذلك تكون صحيحة عند كل الأئمة لا يكون هناك خلاف في صحة زكاته أما من أراد أن يدفع عملة ورقية فزكاته غير صحيحة عند الأغلب لكن تصح عند الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ماذا يفعل؟ ينظر ما هي قيمة الصاع العراقي من الرز إذا أراد أن يخرج رزا وهذا يختلف من بلد إلى بلد يختلف من مكان إلى مكان فإذا ينظر ما هي قيمة الصاع العراقي من الرز ما هي قيمة الصاع العراقي من الشعير أو الزبيب أو نحو ذلك ما هي قيمة نصف الصاع العراقي من القمح لأنه قلنا من القمح عند أبي حنيفة يدفع نصف الصاع فإذا أراد أن يدفع عملة ورقية ينظر ألفان ومئة وخمسون جراما تقريبا ما قيمتها في السوق فيدفع بقيمتها العملة وعندما نقول ما قيمتها في السوق ماذا نقصد؟ نقصد بكم يباع القمح في البلد الذي هو يقيم فيه وعندما نقول البلد ماذا نقصد؟ لا نقصد الدولة إنما نقصد المدينة أو القرية التي هو يسكنها فقد يختلف السعر من مدينة إلى مدينة في الدولة الواحدة ومن ناحية إلى ناحية في الدولة الواحدة فيراعي المدينة أو القرية التي هو يقيم فيها ينظر ما هو السعر الرائج للقمح فيها ثم يقدّر بحسبه وهكذا يفعل بالنسبة للرز ونحو ذلك وليس النظر في القيمة إلى سعر الجملة إنما ينظر إلى السعر الرائج بين الناس في السوق بكم يشتري الناس هذا فيقدّر بحسبه ولا يشترط أن يكون القمح مقشورا كما شاع بين بعض الناس إنما يصح إخراج الزكاة الفطر قمحا من غير أن يكون القمح مقشورا

ثم هل يصح أن يخرج الزكاة الفطر في غير بلده؟ وأعيد التنبيه عندما أقول بلده لا أقصد دولته إنما أقصد المدينة التي هو يعيش فيها إنسان يعيش في مدينة بيروت هل يجوز له أن يخرج الزكاة الفطر في طرابلس؟ إنسان يعيش في مدينة القاهرة هل يجوز له أن يخرج الزكاة الفطر في الإسكندرية؟ هل يجوز للشخص أن يخرج زكاته في غير بلده ؟ أن ينقلها إلى غير بلده؟ الجواب أنه لا يجوز له ذلك ولا يصح إذا أخرجها في غير بلده لم تصح منه الزكاة لا يجوز له ذلك. نعم إذا فقد المستحقون لا يوجد في بلده مستحقون للزكاة عند ذلك ينقلها إلى أقرب بلد إليها بل يجب عليه أن ينقلها إلى أقرب بلد إليها في مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وعند الحنفية إذا كان لا يوجد مستحقون في البلد أو كان يوجد في بلد آخر مستحقون أكثر استحقاقاً من هم أكثر استحقاقاً ممن يوجد في بلده يجوز له أن ينقلها عند ذلك فإذا الأصل أنه لا يجوز له أن ينقل الزكاة عند إخراجها من بلده حرام عليه ذلك

الخلاصة أن من أراد أن تكون زكاة فطره التي يخرجها صحيحة عند كل الأئمة فليخرجها قمحاً أو غيره من غالب قوت البلد ولا يعطها إلا لمستحق ولا يعطها لأصل له لا يعطها لأبيه ولا لأمه ولا لجده ولا لجدته ولا لفرع له لا يعطها لابنه أو بنته أو ابن ابنه أو ابن بنته أو بنت بنته أو ما شابه لأن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه لا يسمح بدفع الزكاة لأصله ولا لفرعه فمن كان يخرج زكاته سواء كانت زكاة العملة أو كانت زكاة الفطر على حسب المذهب الحنفي فعليه أن يتنبه لذلك لا يجوز له أن يعطي منها أصله ولو كان فقيرا ولا فرعه ولو كان فقيرا ثم ليراع ليتنبه ألا يخرج عن ولده الكبير إلا بإذنه ذكرا كان أو أنثى والأحسن إذا أراد الخروج من الخلاف أن يستأذن زوجته قبل أن يخرج الزكاة عنها فإن لم يستأذنها لأن الإمام أبا حنيفة يشترط إذنها لأن الإمام أبا حنيفة لا يوجب على الزوج أن يخرج الزكاة الفطر عن زوجته فإن لم يستأذنها وأخرج عنها بغير إذنها صح ذلك في مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه لكن عند ذلك لابد أن يخرج الزكاة عنها قمحا أو نحوه لا عملة لأن الشافعي عليه رضوان الله لا يجيز إخراج زكاة الفطر عملة إنما لابد أن يكون قمحا أو غيره من غالب قوت البلد.

أسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا جميعا لأداء ما أوجب وأن يتقبل منا صيامنا وقيامنا وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يعيد علينا رمضان ونحن بخير وعافية وأن يعيده علينا بالطاعة والبركة وأن يجعلنا من عتقاء هذا الشهر الكريم والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم

زكاة الفطر أحكام زكاة الفطر المذاهب الأربعة وقت إخراج زكاة الفطر مقدار زكاة الفطر إخراج الزكاة نقداً الصاع الحجازي الصاع العراقي زكاة الفطر عن الزوجة نقل الزكاة مصارف زكاة الفطر فقه العبادات