صفات الله التي يجب معرفتها

صفات الله التي يجب معرفتها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الأمين وبعد ،

قال علماء أهل السُّنّة : إنَّ الواجبَ العيني المفروضَ على كل مكلفٍ – أي البالغ العاقل – أن يعرفَ من صفاتِ الله ثلاثَ عشرةَ صفةً أي أن يعرفَ معانيها ، ولا يَجبُ عليه حِفظُ ألفاظها، وذلك لتكرر ذِكرها في القرءان كثيرًا إما لفظًا وإما معنىً وهي صفاتٌ أزليةٌ أبديةٌ باتفاق أهل الحق لا تُشبِهُ صفاتِ البشر. وهي : الوجودُ والوحدانيةُ والقدمُ (أي الأزلية) والبقاءُ وقِيامُهُ بِنفسه والقُدرة والإرادةُ والعلمُ والسمعُ والبصرُ والحياةُ والكلامُ وتَنَـزُّهُه عن المشابَهةِ للحادث.

صِفةُ الله الوُجُود

اللهُ تعالى موجودٌ أزلاً وأبداً قال الله تعالى : ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ أي لا شك في وجوده فليس وجوده تعالى بإيجادِ مُوجِدٍ . واللّه تعالى موجودٌ لا يُشبِهُ الموجُوداتِ، موجودٌ بلا كيفٍ ولا مكانٍ كما قال الإمامُ عليٌّ رضي اللهُ عنه : ” كان اللهُ ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان “ . وقال الإمام أحمد الرفاعي : ” غايةُ الـمعرفةِ بالله الإيقانُ بوجوده تعالى بلا كيفٍ ولا مكان “ . فمعرفتنا نَحنُ بالله ليست على سبيلِ الإحاطةِ بل بمعرفةِ ما يَجبُ لله من الصفاتِ كالعلمِ ، ومعرفةُ ما يَستحيلُ في حقه تعالى كالشريكِ ، ومعرفةُ ما يَجوزُ في حقهِ سُبحانَهُ كإيجاد شىءٍ وإعدامِه.

صِفةُ الله الوحدانية

الله تعالى واحدٌ لا شريكَ لَه أي ليس له ثانٍ ، وليس مركبًا مؤلفًا كالأجسام فالعرشُ وما دونه من الأجرام مؤلَّفٌ من أجزاءٍ فيستحيلُ أن يكون بَينَهُ وبين اللهِ مشابـهة، فلا نظير له تعالى في ذاته ولا في صفاتِه ولا في أفعاله ، قال تعالى : ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَـهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة البقرة آية 163] ، فالله تعالى لو لم يكن واحدًا وكان متعددًا لم يكن العالَم منتظمًا، لكن العالَم مُنتظَمٌ فَوَجَبَ أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ ، قال الإمام أبو حنيفة : ” والله واحدٌ لا من طريقِ العَدَد ولكن من طريق أنه لا شريك له “.

فالله سبحانه مُباينٌ أي غيرُ مُشابهٍ لجميع المخلوقات في الذات (أي ذاتُه لا يُشبه ذواتِ المخلوقاتِ) والصفاتِ (فصفاتُه لا تُشبه صفاتِ المخلوقاتِ) والفعلِ (أي فِعلُه لا يُشبه فِعلَ المخلوقات).

صِفة الله القِدَم

الله تعالى قديمٌ بِمعنى أنه لا بداية لوجوده أي أزلي ، لأن الإله لا بدَّ أن يكون أزليّاً وإلا لكان محتاجًا إلى غيره والمحتاج إلى غيره لا يكون إلَهاً وما سواه تعالى فهو حادثٌ مَخلوق قال تعالى : ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىءٌ غَيْرُهُ )). أي أن الله لم يزل موجودًا في الأزل ليس معه غيره لا ماءٌ ولا هواءٌ ولا أرضٌ ولا سَمَاءٌ ولا عرشٌ ولا كرسيٌ ولا ملائكةٌ ولا زمانٌ ولا مكانٌ فهو الذي خلق المكان فليس بِحاجة إليه ، ومن قال العالَمُ أزلي بِجنسِهِ فقط أو بـجنسِهِ وأفراده فهو كافرٌ مكذِّبٌ لله ورسوله .

صِفة الله البَقـَاء

اللهُ تعالى موجودٌ باقٍ إلى ما لا نـهاية له، فلا يلحقه فَنَاء لأنه لَما ثبت وجوبُ قدَمه تعالى وجب له البقاء ، والبقاء الذي هو واجبٌ لله هو البقاء الذاتي أي ليس بإيجاب غيره البقاءَ له ، بل هو يستحقه لذاته لا لشىء ءاخر ، قال تعالى : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الـجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ وأما البقاء الذي يكون لبعض خلق الله كالجنة والنار الثابت بالإجـماع فهو ليس بقاءً ذاتيّاً لأن الجنة والنار حادثتان والحادث لا يكون باقيًا لذاتِه ، فبقاء الـجنة والنار ليس بذاتِهما بل لأن الله شاء لهما البقاء ، فلا شريك لله في صفاته.

صِفة الله القيام بالنفسِ

اللهُ تعالى مُستغنٍ عن كُلِّ ما سِواهُ فلا يحتاجُ إلى أَحَدٍ من خَلقهِ إذ الاحتياجُ للغيِر علامةُ الحدوثِ والله منـزَّهٌ عن ذلك وكلُّ شىءٍ سوى اللهِ مَحتاجٌ إلى الله لا يَستغني عن اللهِ طرفَةَ عَين . قالَ تعالى : ﴿فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران آية 98] وقال الإمام عليٌ رضي الله عنه : ” إنَّ الله خلقَ العرشَ إظهارًا لقدرته ولَم يتخذه مكانًا لذاته “.

والله تعالى لا ينتفعُ بطاعة الطائعين ولا ينضرُّ بعصيان العُصاة ، فقد خَلَقَ السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيامٍ ليُعَلِّمنا التأني في الأمورِ ، ولا يُصِيبُه تَعَبٌ لأنه مُنَـزَّهٌ عن التَعَبِ ، فالله موجودٌ بلا مكانٍ ولا جهةٍ لأنه ليس جسمًا.

صِفةُ الله القُدرة

الله تعالى موصوف بقدرة أزلية أبدية يؤثر بِها في الممكنات أي في كل ما يَجوز في العقل وجوده وعدمه . قال تعالى : ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة المائدة آية 120] فالله تعالى يستحيلُ عليه العجزُ ، لأنه لو لَم يكن قادرًا لكان عاجزًا ، ولو كان عاجزًا لَما وُجِدَ هذا العالم.

صفة الله الإرادة

الله تعالى موصوفٌ بالإرادة وهي بِمعنى المشيئة يُخصِّصُ الله بِها الممكن العقلي بصفةٍ دون صفةٍ ، وهي واجبة له تعالى وشاملةٌ لجميع أعمالِ العباد الخير منها والشر. وقد ورد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم علَّم بنته فاطمة أن تقول :(( مَا شَاءَ اللهَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ )).

صِفة الله العِلم

الله تعالى يعلم بعلمهِ الأزلي كلَّ شىءٍ ، يَعلَم ما كانَ وما يكون وما لا يكون قال تعالى : ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ﴾ فعِلْمُ الغيبِ جميعهِ خاصٌ بالله تعالى ، أما بعضُ الغيب فإن الله يُطلِعُ عليه بعضَ خَلقِهِ وهُمُ الأنبياءِ والأولياءِ. ويكفر من يقول إنَّ الرسولَ يعلم كلَّ شىءٍ يَعلَمهُ الله ، لأنه جعل الرسولَ مُساويًا لله في صفة العلم . إنَّ من المقرَّر بين الموَحّدين أنّ الله تعالى لا يساويه خلقُه بصفةٍ من صفاته.

صفة الله السمع

الله تعالى يسمع بسمع أزلي أبدي كل المسموعات بلا أذن ولا ءالة أخرى ، وأما سمع المخلوقات فهو حادث مخلوق . قال تعالى : ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [سورة المجادلة آية 1].

صفة الله البصر

الله تبارك وتعالى يرى الحادثاتِ برؤيتهِ الأزلية ، وبصرُهُ لا يُشبِهُ بَصرَ المخلوقاتِ لأنه سبحانه يرى كلَّ الـمُبصَرَات من غير حاجةٍ إلى حَدَقةٍ ولا إلى شعاعِ ضوءٍ، أما بَصَرُ المخلوقاتِ فهو بآلةٍ . قال تعالى : ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية 11].

فلابد لمن أراد النجاة أن يتعلّم عِلمَ التَنْـزيهِ تفهُّمًا من أفواهِ أهلِ العِلمِ كي لا يقع في تشبيه الله بِخلقه.

صِفة الله الكـلام

الله تبارك وتعالى مُتكلمٌ بكلامٍ أزليٍ أبديٍ لا يُشبِهُ كلامَ المخلوقيَن ليس لِكلامِه ابتداء ، ليس له انتهاء ، لا يطرأ عليه سُكوتٌ أو تَقطّع لأنه ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً وأمَّا كلامُ المخلوقين فهو بِحرفٍ وصوتٍ وبالآلات . قال تعالى : ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، أَيْ أَسْمَعَ اللهُ مُوسى كَلامَهُ الأَزَلِيَّ الأَبَدِيَّ الَّذِي لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ. أزال اللهُ المانعَ عن سمع موسى، فسَمِعَ كلامَ اللهِ منْ غير أن يَحُلَّ الكلامُ الأزليُّ في أُذن موسى، فموسى عليه السلام حادثٌ وسمعُه مخلوق وأمّا مسموعهُ وهو كلام الله فليس بحادثٍ.

قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه: ” ويتكلم لا ككلامنا ، نَحن نتكلم بالآلات من المخارج والحروف والله متكلمٌ بلا ءالةٍ ولا حرفٍ “.

صِفة الله الحياة

الله تعالى موصوفٌ بِحياةٍ أزليةٍ أبديةٍ ليست بروحٍ ولحمٍ ودمٍ، وهو سُبحانه وتعالى يستحيل عليه الموتُ لأنه لو لَم يكن حيًّا لم يوجد شىءٌ من هذا العالَم لأنّ من ليس حيّاً لا يتصف بالقدرة والإرادة والعِلم ، ولو كان الله تعالى غير متصف بِهذه الصفات لكان متصفًا بالضِّد وذلك نقص والله مُنَـزَّهٌ عن النقص. أما حياةُ المخلوقين فهي باجتماع الروحِ والجَسَدِ ولحمٍ وعظمٍ ودمٍ ويَدخُلُها التقطع وأما حياةُ الله فكسائرِ صفاتِه لا يَدخُلها التَّقَطُّعُ ولا التَّغَيُّرُ. قال اللهُ تعالى : ﴿اللهُ لا إِلَـهَ إِلا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [سورة البقرة آية 255].

صِفَةُ الله المخالفةِ للحوادث

الله تعالى مُتصفٌ بكل كمالٍ يليقُ به وهو مُنَـزَّهٌ عن كلِ نقصٍ أي ما لا يليقُ به تعالى كالجهلِ والعجزِ والمكانِ والحيِّزِ واللونِ والحَدِّ. قال اللهُ تعالى : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ﴾ [سورة الشورى آية 11].

قال الإمام أبو جعفر الطحاوي (المتوفى 329 هـ) : ” تعالى (يعني الله) عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدواتِ ولا تـحويه الجِهاتُ السِّتُ كسائر المُبْتَدَعَات “. أي لا تحوي الَله تعالى الجهاتُ السِّتُ كما تحوي جميعَ الأحجام ، إذ الأحجامُ لا تَخلُو عن التحيز في إحدى الجهات الستِ، لأن الحجم لا بدَّ أن يكونَ في مكانٍ . إذن الله موجود بلا مكانٍ ولا جهةٍ.

صفات الله ثابة له

في حق الله لا يجوز أن يقال أن صفاته هي عين ذاته ولا أنها تنفك عن الذات بل صفاته ثابتة له، لا تنفك عن ذاته، وهذا معنى قول أهل السنة عن صفات الله : ليست هي هو وليست هي غيره. وفي هذا رد على الملحدين والمعتزلة

الحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صله