إثبات بداية شهر رمضان شَرْعًا هلال رمضان 2017 1438

إثبات بداية شهر رمضان شَرْعًا هلال رمضان 2017 1438

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

إنَّ الحَمدَ للهِ نَحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشْكرُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا ومن سيئاتِ أعمالنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هادِيَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا ضدَّ ولا نِدَّ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائِدَنا وقُرَّةَ أَعْيُنِنَا محمَّدًا عبْدُهُ ورَسولُهُ وصَفِيُّهُ وحَبيبُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وعلى كلّ رسولٍ أرسلَهُ.

أمّا بَعْدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكُمْ ونَفْسي بِتَقوى اللهِ العليّ العظيمِ القائلِ في مُحْكَمِ كِتابِهِ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [سورة ءال عمران].

التَّقْوَى إخوةَ الإيمانِ كلمةٌ خفيفةٌ على اللسانِ ولكِنَّها ثَقيلَةٌ في الميزانِ، التَّقْوَى هيَ لُزومُ طاعةِ اللهِ، التقوى مدارُهَا على أمْرَيْنِ عظيمَيْنِ أداءِ الواجباتِ واجْتِنابِ المحرَّماتِ، ومن طاعَةِ اللهِ أنْ تَلْتَزِمَ بما جاءَ عَنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في السُّنَّةِ المطَهَّرَةِ في الحديثِ الشريفِ بالنسبةِ لِثُبوتِ شَهْرِ الصّيامِ رمضانَ، فَبِنَصّ حديثِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفْنا كيفَ يكونُ إثباتُ صيامِ رمضانَ كما عَرَفْنا متى يكونُ انْتِهاؤُهُ حيثُ قالَ صلواتُ ربي وسلامُهُ عليهِ « صوموا لِرُؤْيَتِهِ وأَفْطِروا لِرُؤْيَتِهِ فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثلاثينَ يَومًا » رواه البخاري.

تكون بداية شهر رمضان 2017 – 1438 إن شاء الله تعالى حسب رؤية الهلال إما السبت 27 أو الأحد 28 ماي 2017. أعاده الله علينا وعليكم بالخير واليمن والبركات.

ورَوَى البُخارِيُّ ومسلمٌ وغَيرُهُمَا عنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: « الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشرونَ ليلَةً فلا تَصوموا حتَّى تَرَوْهُ فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثينَ ».

الأشهر القهرية هي محرم، صفر، ربيع الأوّل، ربيع الثّاني، جمادى الأولى، جمادى الثّاني، رجب، شعبان، رمضان، شوّال، ذو القعدة، ذو الحجة وكلّها تسعة وعشرون أو ثلاثون يوما ويثبت ذلك بمراقبة الهلال. ترائي الأهلة فرض كفاية. وتثبت الرّؤية بشهادة عَدْلَين، إلاّ في إثبات شهر رمضان، فعَدلٌ واحد يكفي.

ورَوَى البُخاريُّ وغيرُهُ عَنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قالَ: « لا تَقَدَّمُوا رمضانَ بِيَوْم أوْ يَوْمَيْنِ صومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِروا لِرُؤْيَتِهِ فإنْ غُمَّ عليكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثَلاثينَ ». فبَعْدَ هذا البيانِ مِنَ السُّنَّةِ المطهَّرَةِ لا يجوزُ اعتمادُ قولِ فَلَكِيّ في إثباتِ رمضانَ فَكُلٌّ مِنَ الشُّهورِ العَرَبِيَّةِ يُعْرَفُ بَدْؤُهُ ويُعْرَفُ انْتِهاؤُهُ بِمُراقَبَةِ الهلالِ، والمسْلمونَ سَلَفُهُمْ وخَلَفُهُمْ على هذا ثابِتونَ. وقَدْ نَصَّ الفُقَهاءُ على أنَّهُ لا يجوزُ اعتمادُ قولِ فلكيّ في إثباتِ هِلالِ رَمَضانَ ولذا فلا بُدَّ في ليلةِ الثلاثينَ مِنْ شعبانَ أنْ يُراقَبَ هلالُ رمضانَ (وهذا فرض كفاية) ؛ فإنْ بانَ الهلال يكون اليوم التالي أولَ أيام شهر رمضان، وإن لم تثبت رؤية الهلال فإن اليوم التالي يكون يوم الثلاثين من شعبان.

وقدِ اتَّفَقَ علماءُ المذاهبِ الأربعةِ على أنَّ الأصْلَ في تحديدِ أوَّلِ رمضانَ أن يُراقَبَ الهلالُ بعدَ غروبِ شمسِ التاسعِ والعشرينَ مِنْ شعبانَ فإنْ رُؤِيَ الهلالُ كانَ اليومُ التالي له أوّلَ رمضانَ، وإنْ لم يُرَ الهِلالُ يكونُ اليومُ التالي له الثلاثينَ مِنْ شعبانَ والذي بَعْدَهُ هوَ أوّل أيّامِ رمضانَ، فالعُمْدَةُ هي على هذا ولا الْتِفاتَ إلى أقوالِ أهلِ الحسابِ والفَلَكِيّينَ ولا عِبْرَةَ بِكَلامِهِمْ لِتَحديدِ ابْتداءِ الصّيامِ أوِ انْتِهائِهِ.

نَعَم ـ عبادَ الله ـ العبرةُ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بقول الفلكيين والداعين إلى ترك نهج المصطفى القويم. قالَ الحافِظُ وليُّ الدينِ العراقيُّ المتوفَّى سَنَةَ 826هـ: إنَّ جمهورَ أصحابِ الشافعيّ على ذلكَ وإنَّ الحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بالرؤيةِ دونَ غيرِها قالَ : وبِهِ قالَ مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ وجمهورُ العلماءِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. ا.هـ.

وقالَ ابنُ عابدينَ المتوفَّى سنَةَ 1252هـ في حاشِيَتِهِ على الدُّرّ المختار، وهيَ مِنْ أشهَرِ كُتُبِ السادَةِ الحنفيَّةِ: « قوْلُهُ لا عِبْرَةَ بِقَوْلِ المُوَقّتينَ أيْ في وجوبِ الصومِ على الناسِ » وقالَ: « لا يُعْتَبَرُ قولهُمْ بالإجماعِ ولا يجوزُ للمنجّمِ أنْ يعملَ بحسابِ نَفْسِهِ ».

قال الشيخ ميّارة المالكي (1072 هـ) في كتابه الدُّرُّ الثّمين : « قال الشهاب القرافي عن سند : لو كان الإمام يرى الحساب في الهلال فأثبت به لم يتبع لإجماع السلف على خلافه ».

وإذا رأى مسلمٌ عدْلٌ ثقةٌ هلالَ رمضانَ في أيّ بقعةٍ منْ بقاعِ الدّنْيا جازَ لنا أنْ نصومَ في مذهبِ الإمامِ أبي حنيفةَ النعمانِ بناءً على رؤْيَتِهِ. لذلكَ ينبغي التَيَقُّنُ مِنْ رؤيةِ الهلالِ قبلَ النومِ أما مَنِ اسْتَيْقَظَ صبيحةَ رمضانَ ووَجَدَ المسلمينَ صائمينَ وهُوَ لم يَنْوِ الليلةَ الماضِيةَ، لم يُبَيّتِ النيّةَ، ما ثبتَ له الصيامُ، فلا بدَّ إذًا مِنَ الاهتمامِ برؤيةِ هلالِ رمضانَ، والاعتمادُ في ذلكَ كما هوَ مُقَرَّرٌ عندَ الفقهاءِ سلفًا وخلفًا يكونُ على قَوْلِ ثِقَةٍ، أما الاعتمادُ على الفَلَكِ في تحديدِ أوائلِ الشهورِ العربيةِ فتلكَ مخالَفَةٌ واضحةٌ وصريحةٌ ِلما جاءَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم. فنصيحَتُنَا لِكُلّ مسلمٍ أنْ يتمسَّكَ بما قالَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وبما قالَهُ فقهاءُ المذاهبِ الأربعةِ الذينَ أجْمَعَتِ الأمّةُ على عُلُوّ شَأْنِهِمٍ، وأنْ يَدْرُسَ أحكامَ الصيامِ قبلَ دخولِ شهرِ رمضانَ على يَدَيْ إنسانٍ متعلمٍ جَمَعَ بينَ المعرفَةِ والعدالَةِ وتلقَّى هذا العِلْمَ عنْ مِثْلِهِ وهكذا بإسنادٍ مُتَّصِلٍ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. اللهمَّ عَلّمْنا ما يَنْفَعُنَا وانْفَعْنَا بِما عَلَّمْتَنَا وأعِنَّا على الصيامِ والقيامِ وصلةِ الأرحامِ يا ربَّ العالمينَ يا اللهُ. هذا وأسْتَغْفِرُ الله لي ولَكُم.

الخطبةُ الثانيةُ: إنَّ الحَمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنَا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هاديَ له، والصلاةُ والسلامُ على سيّدِنا محمّدِ ابنِ عبدِ اللهِ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ ومنْ والاهُ.

أمّا بَعْدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكُم ونَفْسي بِتَقْوى اللهِ العَلِيّ العظيمِ القائِلِ في مُحْكَمِ كتابِهِ: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ . فلا شكَّ إخوةَ الإيمانِ في أنَّه لا يستَوِي الجاهلُ والعالِمُ، لا يستَوي الملْتَزِمُ بشرعِ اللهِ، الملتزمُ بحضورِ مجالسِ عِلْمِ الدّينِ والجاهلُ المتَّبِعُ للهَوَى ولِلْفَتَاوَى الباطِلَةِ التي ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ. لِذَلِكَ أحببْنَا أنْ نُبَيّنَ لكمْ في خُطْبَتِنَا اليومَ مسائلَ وفوائدَ عديدةً منْها: أنه لا أصلَ لِحَديثِ: « خمسٌ يُفَطِّرْنَ الصائِمَ النظرةُ المحرمةُ والكَذِبُ والغيبةُ والنميمةُ والقُبْلَةُ » وهوَ حديثٌ مَكذوبٌ على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، ولا أصلَ لِما يعتقِدُهُ بعضُ الناسِ أنَّ الصومَ لا يُقْبَلُ ولا يَصِحُّ إلا إذا دُفِعَتْ زكاةُ الفِطْرِ، ولا أصلَ لِما يَفْعَلُهُ كثيرٌ منَ الصائمينَ إذْ يُفْطِرونَ على صوتِ الراديو أو التلفزيون أوْ على أصواتِ مؤَذّنينَ مِنْ غيْرِ أنْ يَتَيَقَّنوا مِنْ دُخولِ الوقتِ، فهذا غيرُ جائزٍ شرعًا، فلا بُدَّ للصَّائِمِ أنْ يَعْرِفَ دخولَ الوقتِ بالطُّرُقِ الشرعيةِ المُعْتَبَرَةِ التي قرَّرَهَا الشَّرعُ.

ولا أصلَ لِما يقالُ إنَّ الجنابةَ تُؤَثّرُ على الصَّومِ والصَّحيح أنَّهُ لو صَامَ رمضانَ كلَّّهُ وهو جنب فصيامُهُ صحيحٌ ولكنه ارْتَكَبَ الكبائِرَ بسببِ تركِهِ الصَّلاةَ. والدليلُ أنَّ الجنابَةَ لا تُؤَثّرُ في صحة الصيام ما رواهُ البُخارِيُّ عنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: « كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُدْرِكُهُ الفجْرُ وهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثمَّ يَغْتَسِلُ ويَصومُ ». ولا أصْلَ لِما يُقالُ « إنَّ شَمَّ الوردِ أوِ العِطْرِ يُفَطّر ُ». والصحيحُ أنَّهُ لا يُفَطّرُ، وكذلكَ المصلُ والإبرةُ بالعَضَلِ أوْ بالعِرْقِ لا تُفَطّرُ لأنَّ الدواءَ دخلَ إلى الجوفِ مِنْ مَنْفَذٍ غيرِ مَفْتوح. ولا شَكَّ أنَّ هناكَ الكثيرَ مِنَ المسائِلِ والفوائِدِ المتَعَلّقَةِ بالصيامِ والصَّلاةِ والزكاةِ فنحنُ بإذْنِ اللهِ سَنُدرسُ في شهرِ رمضانَ المباركَ يوميًا القدرَ الواجبَ مِنْ علمِ الدينِ، فَرَتبْ وقتَكَ وبَرنامَجَكَ أخي المؤمِنَ على أنْ تكونَ بإذنِ اللهِ مِمَّنْ يَحْضُرُ يَوميًا لتَتَعَلَّمَ ما أوجَبَ اللهُ عليكَ مِن عِلْمِ الدّينِ، فرَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: « طَلَبُ العِلْمِ فَريضَةٌ على كلّ مُسْلِمٍ ».

واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ . اللّهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم، وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ. يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ . اللّهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا، فاغفرِ اللّهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ، ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ ، اللّهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ . عبادَ اللهِ، إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ، واشكُروهُ يزِدْكُمْ واستغفروه يغفِرْ لكُمْ، واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا. وَأَقِمِ الصلاةَ.


أقوال المذاهب الأربعة في كيفية ثبوت رمضان

من أقوال المذهب الشافعي في كيفية ثبوت رمضان

في كتاب أسنى المطالب شرح روض الطالب للشيخ زكريا الأنصاري المتوفى سنة 925 هـ في مذهب الإمام الشافعي ج1/410 (المكتبة الإسلامية) ما نصه: ( ولا عبرة بالمنجم (أي بقوله) فلا يجب به الصوم ولا يـجوز والمـراد بآية: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] الاهتداء في أدلة القبلة وفي السفر ) اهـ

قال عبد الرؤوف المُنَاويّ الشافعي (ت 1031هـ) في فيض القدير: “لأن الشرع عَلَّقَ الحُكم بالرُؤية فلا يَقومُ الحِساب مَقامَه“.

قال الحافظ شهاب الدين القَسْطَلّانيّ الشافعي (ت 923 هـ) في إرشاد الساري شرح صحيح البخاري: “قال الشافعية: ولا عِبْرةَ بقول الْمُنَجِّمِ فلا يجب به الصوم ولا يجوز، والمراد بآية ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] الاهتداء في أدلة القبلة“.

قال الحافظ ابن حجر الشافعي (ت 852هـ) في فتح الباري: « فَعَلَّقَ (النبيُّ) الْحُكْمَ بِالصَّوْمِ وَغَيْرِهِ بِالرُّؤْيَةِ (في حديث: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) لِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ فِي مُعَانَاةِ حِسَابِ التَّسْيِيرِ (أي حِساب تسيير النجوم والقمر) وَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ فِي الصَّوْمِ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ (أي مِن الحُسّاب والمنجِّمين ونحوهم) بَلْ ظَاهِرُ السِّيَاقِ يُشْعِرُ بِنَفْيِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْحِسَابِ أَصْلًا وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي: “فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ يَقُلْ فَسَلُوا أَهْلَ الْحِسَابِ” ».

قال الحافظ ابن دقيقِ العيد الشافعي (ت 702هـ) في إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: “وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ: إنَّ الْحِسَابَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي الصَّوْمِ“.

من أقوال المذهب الحنفي في كيفية ثبوت رمضان

قال الفقيه الحنفي ابن عابدين المتوفى سنة 1252 هـ في حاشيته على الدر المختار وهي من أشهر كتب السادة الحنفية ج3/354 (دار الكتب العلمية) كتاب الصوم: ( لا عبرة بقول المؤقتين أي في وجوب الصوم على الناس بل في ( المعراج ) لا يُعتبر قولهم بالإجماع ولا يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه ) اهـ.

قال ملا علي القاري الحنفي (ت 1014 هـ) في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: (عن حديث: “إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ”) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الشَّهْرِ لَيْسَتْ إِلَى الْكِتَابِ وَالْحِسَابِ كَمَا يَزْعُمُهُ أَهْلُ النُّجُومِ، وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ وَلَوِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَرَى (أي يَراهُ)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى مُخَاطِبًا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ خِطَابًا عَامًّا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِطَابِ الْعَامِّ “صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ“، وَلِمَا فِي نَفْسِ هَذَا الْحَدِيثِ: “لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ“، وَلِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “الصَّوْمُ يَوْمَ يَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُونَ” بَلْ أَقُولُ: لَوْ صَامَ الْمُنَجِّمُ عَنْ رَمَضَانَ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ بِنَاءً عَلَى مَعْرِفَتِهِ يَكُونُ عَاصِيًا فِي صَوْمِهِ” انتهى.

قال الحافظ بدر الدين العَيْنِيّ الحنفي (ت 855هـ) في عمدة القاري شرح صحيح البخاري: “بل ظَاهر قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: “فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ” يَنْفِي تَعْلِيق الحكم بِالْحِسَابِ أصلا، إِذْ لَو كَانَ الحُكم يُعْلَمُ مِن ذَلِك لقَالَ: “فاسألوا أهل الْحساب”، وَقد رَجَعَ قوم إِلَى أهل التسيير فِي ذَلِك (أي أهل حِساب تسيير النجوم والقمر)، وهم الروافض، وَنقل عَن بعض الْفُقَهَاء موافقتهم، قَالَ القَاضِي: وَإِجْمَاع السّلف الصَّالح حجَّة عَلَيْهِم“.

من أقوال المذهب المالكي في كيفية ثبوت رمضان

في الدر الثمين والمورد المعين للشيخ أبي عبد الله محمد بن أحمد مَيَّارة المالكي المتوفى سنة 1072 هـ (دار الفكر) ص 327 قال ما نصه: ( (فرع) قال الشهاب القرافي ( المتوفى سنة 684 هـ) عن سند ( المتوفى سنة 541 هـ )ولو كان إمام يرى الحساب فأثبت به الهلال لم يتبع لإجماع السلف على خلافه ) اهـ.

وفي كتاب الشرح الكبير للشيخ أحمد الدردير المالكي الأزهري المتوفى سنة 1201هـ ج1/462 في مذهب مالك ما نصه: ( ولا يثبت رمضان بمنجم أي بقوله في حق غيره ولا في حق نفسه ) ا هـ

قال الزُّرقاني المالكي (ت 1122هـ) في شرح الموطأ: “قَالَ الْمَازِرِيُّ: احْتَجَّ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ بِحِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16] (سُورَةُ النَّحْلِ: الْآيَةُ 16) وَالْآيَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاهْتِدَاءِ فِي السَّيْرِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، قَالُوا: وَلَا يَصِحُّ أَنَّ الْمُرَادَ حِسَابُ الْمُنَجِّمِينَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَوْ كُلِّفُوا ذَلِكَ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفَهُ إِلَّا أَفْرَادٌ، وَالشَّرْعُ إِنَّمَا يُكَلِّفُ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُهُ جَمَاهِيرُهُمْ”. ثم قال: “وَقَالَ النَّوَوِيُّ: عَدَمَ الْبِنَاءِ عَلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ؛ لِأَنَّهُ حَدْسٌ وَتَخْمِينٌ“.

قال الحطّاب الرُّعيني المالكي (ت 954هـ) في مواهب الجليل شرح مختصر خليل: “يَعْنِي أَنَّ الْهِلَالَ لَا يُثْبِتُ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِ: إِنَّهُ يَرَى، بَلْ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَصُومَ بِقَوْلِهِ، بَلْ وَلَا يَجُوزَ لَهُ هُوَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى ذَلِكَ“. ثم قال: “قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ، عَنْ مَالِكٍ فِي الْإِمَامِ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَى الْحِسَابِ أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ وَلَا يُتَّبَعُ” وقال: “قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى حِسَابِ الْمُنَجِّمِينَ اتِّفَاقًا، وَإِنْ رَكَنَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ (كابن سُريج)”. وأضاف أيضًا: “قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَحِسَابُ الْمُنَجِّمِينَ (غيرُ مُعتَبَر)؛ لِقَوْلِ ابْنِ بَشِيرٍ: رُكُونُ بَعْضِ الْبَغْدَادِيِّينَ لَهُ بَاطِلٌ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قُلْتُ: لَا أَعْرِفُهُ لِمَالِكِيٍّ، بَلْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: كُنْتُ أُنْكِرُ عَلَى الْبَاجِيِّ نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لِتَصْرِيحِ أَئِمَّتِهِمْ بِلَغْوِهِ”.

من أقوال المذهب الحنبلي في كيفية ثبوت رمضان

قال البُهوتيّ الحنبليّ المتوفى سنة 1051هـ في كشَّاف القناع ج2/ 302 (دار الفكر) ما نصه: ( وإن نواه أي صوم يوم الثلاثين من شعبان بلا مستند شرعيّ من رؤية هلاله أو إكمال شعبان أو حيلولة غيم أ و قتر ونحوه كأن صامه لحساب ونجوم ولو كثرت إصابتهما أو مع صحو فبان منه لم يجزئه صومه لعدم استناده لما يعوّل عليه شرعًا ) اهـ.

قال ابن رجب الحنبلي (ت 795 هـ) في فتح الباري شرح صحيح البخاري: ” صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإنْ غُمَّ عليكم فأكمِلُوا العِدّة” فتَبَيَّنَ أن دينَنا لا يحتاج إلى حِساب ولا كِتاب، كما يَفْعَلُه أهلُ الكتاب من ضَبْطِ عِبَاداتهم بمسير الشمس وحُسْباناتها “.

فنصيحتنا لكل مسلم أن يتمسك بما قاله فقهاء المذاهب الأربعة الذين أجمعت الأمة على علو شأنهم، وأن يدرس أحكام الصيام قبل دخول شهر رمضان على إنسان جمع بين المعرفة والعدالة وتلقى هذا العلم عن مثله وهكذا بإسناد متصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

من كتاب فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، للشيخ أبي عبد الله محمد أحمد عليش المالكي مفتي الديار المصرية الأسبق المتوفى سنة 1299 هـ المجلد الأول صحيفة 168 (دار الفكر):

” بسم الله الرحمن الرحيم مسائل الصيام

ما قولكم فيما وقع من بعض الشافعية مشهورًا بالعلم والديانة من اعتماده في ثبوت رمضان وشوال على حسابه سير القمر وعدم اعتباره لرؤية الهلال بالبصر واتفق له مرارًا صوم قبل عموم الناس بيوم وفطره قبلهم كذلك ويظهر ذلك لخواصه وأحبابه ويقلدونه فيه وربما تعدى الأمر لغيرهم فقلده أيضًا وكاد أن يتسع هذا الخرق وأهل العلم ساكتون عليه فهل هذا صحيح في مذهب الإمام الشافعي فيجوز موافقتهم عليه أو هو ضلال يجب إنكاره والنهي عنه حسب الإمكان وتحرم موافقتهم فيه أفيدوا الجواب؟

فأجبت بما نصه: الحمد لله على توفيقه لطريق الصواب والصلاة والسلام على سيدنا محمد والآل والأصحاب، نعم هو ضلال، تحرم موافقتهم فيه، ويجب إنكاره، والنهي عنه حسب الإمكان، إذ هو هدم للدين ومصادم لصريح حديث سيد المرسلين ووقوعه من ذلك الرجل أدل دليل على جهله المركب وعدم ديانته واختلال عدالته ودناءة همته وعدم مروءته، وأنَّ مقْصوده الشهرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون. والواقع من هذا وأتباعه لا يوافق مذهب الإمام الشافعي ولا غيره من الأئمة الذين يُنْجِي تقليدهم يوم الأهوال العظمى، وذلك لانعقاد الإجماع على أنه لا يجوز لأحد أن يعول في صومه وفطره على الحساب مستغنيًا عن النظر إلى الأهلة، وإنما اختلف العلماء فيمن كان من أهل الحساب وأغمي الهلال هل له أن يعمل على حسابه أم لا، فقال مطرف بن الشخير من كبار التابعين: يعمل في خاصته على ذلك وقاله الشافعي في رواية، والمعلوم من مذهبه ما عليه الجمهور من أنه لا يعمل على ذلك، قال الإمام ابن رشد في كتاب الجامع من المقدمات بعد أن ذكر أن الاشتغال بالنجوم فيما يعرف به سمت القبلة وأجزاء الليل جائز بل مستحب، وأما النظر في أمرها فيما زاد على ذلك مما يتوصل به إلى معرفة نقصان الشهور من كمالها دون رؤية أهلتها فذلك مكروه، لأنه من الاشتغال بما لا يعني إذ لا يجوز لأحد أن يعول في صومه وفطره على ذلك فيستغني عن النظر إلى الأهلة بإجماع من العلماء، وإنما اختلف أهل العلم فيمن كان من أهل هذا الشأن إذا أغمي الهلال هل له أن يعمل على معرفته بذلك أم لا؟ فقال مطرف بن الشخير يعمل في خاصته على ذلك وقاله الشافعي أيضًا في رواية والمعلوم من مذهبه ما عليه الجمهور من أنه لا يعمل على ذلك اهـ. وروى ابن نافع عن مالك في الإمام الذي يعتمد على الحساب أنه لا يقتدى به ولا يتبع اهـ. قال ابن العربي كنت أنكر على الباجي نقله عن بعض الشافعية لتصريح أئمتهم بلغوه حتى رأيته لابن سريج، وقاله بعض التابعين، وقد رد ابن العربي في عارضته على ابن سريج وبالغ في ذلك وأطال “.

ثم قال مفتى الديار المصرية الأسبق الشيخ محمد عليش: ” ومن المعلوم أنه يجب الاقتصار في القضاء والفتوى والعمل على المشهور أو الراجح وطرح الشاذ والضعيف، وبالجملة لا ننكر وجود رواية بجواز العمل بالحساب عندنا وعند الشافعية، بل نعترف بها في المذهبين ولكنها شاذة فيهما ومقيدة بخاصة النفس وبالغيم فبان أن ما وقع من هؤلاء القوم ضلال لا يوافق حتى الرواية الشاذة لأنهم يتجاهرون بالصوم أو الفطر قبل الناس ويدعونهم إليه مع الصحو وعدم إمكان الرؤية لضعف نور الهلال فيجب على من بسط الله تعالى يده بالحكم زجرهم وتأديبهم أشد الزجر والأدب لينسد باب هذه الفتنة الموجبة للخلل في ركن الدين ومخالفة سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى ءاله أجمعين والله سبحانه وتعالى أعلم ” اهـ من كتاب فتح العلي المالك.

الحمد لله رب العالمين

مقالات ذات صله

1 تعليقات

  1. Sunni

    الأشهر القهرية هي محرم، صفر، ربيع الأوّل، ربيع الثّاني، جمادى الأولى، جمادى الثّاني، رجب، شعبان، رمضان، شوّال، ذو القعدة، ذو الحجة وكلّها تسعة وعشرون أو ثلاثون يوما ويثبت ذلك بمراقبة الهلال. ترائي الأهلة فرض كفاية

التعليقات مغلقه