تفسير سورة البقرة من آية 84 إلى 88

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

من تفسير الإمام النسفي (ت 710 هـ) مدارك التنزيل وحقائق التأويل:

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} أي لا يَفعَلْ ذلكَ بَعضُكُم ببَعضٍ. جَعَلَ غَيرَ الرَّجُلِ نَفْسَهُ إذَا اتّصَلَ بهِ أَصْلًا أو دِيْنًا. وقِيلَ : إذَا قَتَلَ غَيرَه فكَأَنّما قَتَلَ نَفْسَهُ لأنّهُ يُقتَصُّ مِنهُ

{ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} بالميثَاقِ واعْتَرفتُم على أَنفُسِكُم بِلُزُومِه

{وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)} عَلَيهَا كَمَا تَقُولُ : فُلَانٌ مُقِرٌّ على نَفسِه بكَذَا شَاهِدٌ علَيهَا.

أو وأَنتُم تَشهَدُونَ اليَومَ يَا مَعْشَرَ اليَهُودِ على إقْرَارِ أَسْلَافِكُم بهذَا الْمِيثَاقِ.

{ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ} اسْتِبعَادٌ لِمَا أُسنِدَ إلَيهِم مِنَ القَتْل والإجْلَاءِ والعُدوَانِ بَعدَ أَخْذِ الْمِيثَاقِ مِنهُم وإقرَارِهِم وشَهَادَتِهم.

{تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} صِلَةُ هَؤلاءِ

{وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} غَيرَ مُرَاقِبِينَ مِيثَاقَ اللهِ

{تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ} أي تتَعَاوَنُونَ.

{بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} بالمعصِيَةِ والظُّلْم.

{وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} فَدَى وفَادَى بمعنًى. وأُسَارَى حَالٌ وهوَ جَمعُ أَسِيرٍ وكذَلكَ أَسْرَى.

والضّمِيرُ في {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ} لِلشَّأنِ أو هوَ ضَمِيرٌ مُبهَمٌ تَفسِيرُه

{إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ} بفِدَاءِ الأَسْرَى.

{وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} بالقِتَالِ والإجْلَاءِ.

قالَ السُّدِّيُّ : أَخَذَ اللهُ علَيهِم أَربَعَةَ عُهُودٍ تَرْكَ القَتْلِ وتَرْكَ الإخرَاجِ وتَرْكَ الْمُظَاهَرَةِ وفِدَاءَ الأَسِيرِ فأَعْرَضُوا عَن كُلِّ مَا أُمِرُوا بهِ إلا الفِدَاءَ.

{فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ} هوَ إشَارَةٌ إلى الإيمانِ ببَعضٍ والكُفرِ بِبَعْضٍ

{إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فَضِيحَةٌ وهَوَانٌ

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} وهوَ الذي لا رُوحَ فيهِ ولا فَرَحَ أو إلى أشَدَّ مِن عَذابِ الدُّنيَا

{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)}

{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ} اختَارُوهَا على الآخِرَةِ اختِيَارَ الْمُشتَرِي

{فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)} ولا يَنصُرُهُم أحَدٌ بالدَّفْع عَنهُم.

{وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} التّورَاةَ. آتَاهُ جُملَةً

{وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} يُقَالُ : قَفّاهُ إذَا أتْبَعَهُ، مِنَ القَفَا،

يَعني وأَرْسَلنَا على إثْرِه الكَثِيرَ مِنَ الرُّسُل وهُم يُوشَعُ وإشْمَوِيلُ وشَمعُونُ ودَاودُ وسُلَيمَانُ وشَعْيَاءُ وأَرْمِيَاءُ وحِزقِيلُ وإليَاسُ والْيَسَعُ ويُونُسُ وزَكريّا ويَحيى وغَيرُهُم صَلَواتُ اللهِ علَيهِم

{وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} هيَ بمعنى الخَادِم ، البَيّنَاتُ المعجِزَاتُ الوَاضِحَاتُ كإحيَاءِ الْمَوتَى وإبراءِ الأكمَهِ والأبرَصِ والإخبَارِ بالْمُغَيَّبَاتِ.

{وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} جِبرِيل والقُدُسُ الطَّهَارَةُ وهَذا قَولُ ابنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكُ. أي بالرُّوحِ المقَدَّسَةِ كَمَا يُقَالُ "حَاتِمُ الجُوْد" ووَصْفُهَا بالقُدْسِ للاختِصَاصِ والتّقرِيبِ.

أو بجِبرِيلَ علَيهِ السَّلامُ لأنَّهُ يَأتي بما فيهِ حَيَاةُ القُلُوبِ، وذلكَ لأنّهُ رَفَعَه إلى السّمَاءِ حِينَ قَصَدَ اليَهُودُ قَتْلَهُ.

أو بالإنجيلِ كمَا قَالَ في القُرآنُ {رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} أو باسمِ اللهِ الأعظَم الذي كانَ يُحيِي الموتَى بذِكْرِه.

{أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ} بِمَا لا تُحِبُّ

{اسْتَكْبَرْتُمْ} تَعَظَّمْتُم عَن قَبُولِه

{فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} كعِيسَى ومحَمَّدٍ علَيهِمَا السَّلامُ

{وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)} كزَكَرِيّا ويَحيى علَيهِمَا السَّلام.

ولم يَقُلْ قَتَلتُم لِوِفَاقِ الفَواصِلِ، أو لأنّ المرادَ وفَرِيقًا تَقتُلُونَهُ بَعدُ لأَنّكُم تَحُومُونَ حَولَ قَتْلِ محَمَّدٍ علَيهِ السَّلامُ لَولا أنّي أَعْصِمُه مِنكُم ولِذَلكَ سَحَرتُموهُ وسَمَّمْتُم لهُ الشّاةَ. (ولا يَجُوز أن يُعتَقَد أنّ الرّسولَ أثّرَ فيهِ السّحْرُ وإن كانَ قَالَه مَن قَالَه. ومَنْ قَالَ النّبيُّ أثَّرَ فيهِ السِّحْرُ بحَيثُ صَارَ يتَخَيَّلُ أشيَاءَ لم تَحصُلْ لهُ فإنْ كانَ يَعني بهذا الكَلامِ أنّهُ يَحصُلُ لهُ مَا يَضُرُّ في الدّينِ مِما يَدُلُّ على ضَعْفِ العَقْلِ كَفَرَ.)

(مَن أرَادَ أنْ يتَحَصَّنَ مِنَ السِّحْر قَبلَ وقُوعِه يُلازِمُ قِراءَةَ سُورَةِ الإخلاصِ والمعَوّذَتَينِ صَبَاحًا ومَسَاءً ثَلاثًا ثَلاثًا، فمَنْ ثَبَت على ذلكَ لا يؤثّرُ فيهِ السّحْرُ مَهمَا عَمِلُوا لهُ، وكَم مِن مَرَضٍ يُذهِبُهُ اللهُ تَعالى بهَذِه السُّوَر.)

والمعنى ولَقَد آتَينَا يا بَني إسرائيلَ أنْبِيَاءَكُم مَا آتَيْنَاهُم فكُلَّمَا جَاءَكُم رَسُولٌ مِنهُم بالحَقِّ اسْتَكبَرتُم عنِ الإيمانِ بهِ، فَوُسِّطَ مَا بَينَ الفَاءِ ومَا تَعلَّقَتْ بهِ هَمزَةُ التّوبِيخِ والتّعَجُّبُ مِن شَأنِهم.

{وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جَمعُ أَغْلَفَ أيْ هيَ خِلْقَةً مُغَشَّاةٌ بأَغْطِيَةٍ لا يَتَوَصَّلُ إلَيها مَا جَاءَ بهِ محَمَّدٌ علَيهِ السَّلامُ ولا تَفْقَهُه ، مُستَعَارٌ مِنَ الأَغْلَفِ الذي لم يُختَن

{بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} فَرَدَّ اللهُ أنْ تَكُونَ قُلُوبُهم مَخلُوقَةً كذَلكَ لأنّها خُلِقَتْ على الفِطْرَةِ والتَّمَكُّنِ مِن قَبُولِ الحَقّ ، وإنّما طَرَدَهُم بكُفْرِهِم وزَيْغِهِم.

{فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)} أي فإيمانًا قَلِيلًا يؤمِنُونَ.

ومَا مَزِيدَةٌ وهوَ إيمانُهم ببَعضِ الكِتَابِ.

وقيلَ : القِلَّةُ بمعنى العَدَم. (يُعَبَّرُ بالقِلَّةِ عن العَدَم في بَعضِ الْمَواضِعِ لَكنَّها نَادِرَةٌ الأَمرُ الغَالِبُ أنْ تُستَعمَلَ بمعنى القَلِيلِ الذي هوَ يُقَابِلُ الكَثِيرَ)

غُلْفٌ تَخفِيفُ غُلَّفٍ وقُرىء بهِ جَمْع غِلَافٍ أي قُلُوبُنَا أَوْعِيَةٌ لِلعُلُومِ فنَحنُ مُستَغنُونَ بما عندَنَا عَن غَيرِه ، أو أَوعِيَةٌ للعُلُومِ فلَو كانَ مَا جِئتَ بهِ حَقًّا لَقَبِلْنَا.

https://www.islam.ms/ar/?p=490
سني أهل السنة دروس دينية إسلامية ثقافة إسلامية تفسير قرآن تفسير سورة البقرة تفسير النسفي منافقين منافق